تتجه الانتخابات الليبية المقرر إجراؤها نهاية هذه السنة وفق الجدول الزمني الذي اعتُمد في باريس إلى التأجيل لعدم توافر الظروف الملائمة لنجاحها وفق الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي، ما اعتبره بعض المراقبين نجاحًا إيطاليًا على حساب فرنسا التي تدفع قدمًا إلى تنظيم هذه الانتخابات مهما كلف الأمر، فضلًا عن كونه إعلان فشل لمهمة غسان سلامة الذي راهنت عليه فرنسا.

أسباب عدة وراء التأجيل

موفد الأمم المتحدة الى ليبيا غسان سلامة شكك في إمكانية تنظيم الانتخابات في هذا البلد بديسمبر/كانون الأول المقبل، وقال سلامة في مقابلة مع وكالة "فرانس برس" في مقر بعثة الأمم المتحدة بالعاصمة الليبية مساء السبت: "ما زال هناك الكثير مما يتعين القيام به، قد لا نتمكن من احترام تاريخ 10 من ديسمبر/كانون الأول".

وقال سلامة: "إذا سارت الأمور كما يرام، يُمكن تنظيم الاستفتاء قبل نهاية السنة"، ولكن لا يمكن تنظيم انتخابات إلا بعد 3 أو 4 أشهر إذا سمحت الظروف الأمنية، وأضاف: "ما زلنا بحاجة إلى قانون انتخابي للبرلمان، وآخر للانتخابات الرئاسية"، وأشار إلى مشاكل لوجستية بعد هجوم مسلح على مقر اللجنة الانتخابية في طرابلس في مايو/أيار الماضي، "أخر بشكل كبير عمل اللجنة" التي ستبدأ في الأسابيع القريبة حملة جديدة لتسجيل الناخبين.

تحرص فرنسا على الدفع بعجلة الانتخابات الليبية منذ إعلان المفوضية الوطنية العليا للانتخابات رسميًا

إلى الآن لا يوجد تصور لقانون الانتخابات في ليبيا، وما إذا كانت ستتم على أساس فردي أو على شكل قوائم حزبية، فضلًا عن أن مجلس النواب الذي يعمل بالتشريع لا يستطيع أن يسن قانون للانتخابات، في ظل استمرار تهديدات مجلس الدولة له بالطعن على القوانين، في حال تضمنها تقسيم ليبيا إلى 3 دوائر انتخابية.

وقبل ذلك قال سلامة في مقابلة مع قناة "الجزيرة" القطرية إن هناك في البلاد من يعارض إجراء استفتاء على الدستور، وهناك من يعارض مضمون نص الدستور الذي عملت عليه هيئة تأسيسية منتخبة من الليبيين، مؤكدًا أن هذا الأمر يعود إلى الليبيين أنفسهم للقبول بنص الدستور أو رفضه، شريطة ألا يفرض الدستور بقوة السلاح أو يكون سببًا في انقسام البلاد.

رئيس البعثة أضاف أن هناك في الطبقة السياسية من لا يريد التغيير ويعتبر أن الكرسي ملكه إلى ما لا نهاية، مشيرًا إلى أن الليبيين سئموا المراحل الانتقالية، ويأملون الانتقال إلى مؤسسة ثابتة، مبينًا أن الليبيين يريدون تغيير الوجوه الحاليّة التي تمسكت بالمناصب منذ 6 سنوات وكأنها أعطيت لهم إلى الأبد، لافتًا إلى أن احترام إرادة الليبيين يقتضي إجراء انتخابات حرة ونزيهة وهذا يتطلب عملًا جادًا من كل الأطراف والبعثة أيضًا.

التشكيك في موعد الانتخابات لم يأتِ من سلامة فقط، بل أيضًا من مفوض الاتحاد الإفريقي للسلم والأمن إسماعيل شرقي الذي حذر بدوره من التعجل بإجراء انتخابات في ليبيا، وأضاف شرقي في تصريح لوكالة سبوتنيك السبت أن على الجميع الاتفاق على عدم إمكانية إجراء الانتخابات قبل توافر شروط ضرورية، وهي موافقة الليبيين على طريقة إجرائها ونتائجها.

وسبق أن لمحت أطراف دولية عدة لصعوبة إجراء الانتخابات في ظروف أمنية وسياسية عصيبة تواجهها ليبيا، غير أن اشتباكات طرابلس الأخيرة التي دامت شهرًا قد زادت الوضع صعوبة، واستحال معها إجراء الانتخابات التي تحتاج إلى تحضيرات طويلة في أكثر من مدينة ومنطقة في ليبيا، وهو أمر متعذر حتى الآن.

ماذا عن الخطة الفرنسية؟

إعلان سلامة وشرقي جاء قبل 70 يومًا من موعد توافقت عليه الأطراف الأساسية الـ4 في النزاع الليبي في قصر الإليزيه في شهر مايو/أيار الماضي برعاية فرنسية وحضور دولي، بشأن جدول زمني للعملية السياسية والانتخابية في ليبيا بهدف إخراج البلاد من الأزمة السياسية والأمنية التي تتخبط فيها منذ سنة 2011.

وتحرص فرنسا على الدفع بعجلة الانتخابات الليبية منذ إعلان المفوضية الوطنية العليا للانتخابات رسميًا البدء في عملية تسجيل الناخبين وتحديث السجل الانتخابي مطلع ديسمبر/كانون الأول الماضي، حين سارعت فرنسا عن طريق سفيرتها لدى ليبيا بريجيت كورمي إلى توقيع اتفاق مساهمة فرنسا بـ200 ألف يورو لصندوق المشروع الانتخابي الليبي.

وجددت فرنسا قبل أيام تمسكها بموقفها الخاص بالسعي لإجراء انتخابات في ليبيا بنهاية العام الحاليّ، رغم تشكيك الحكومة الليبية والعديد من الأطراف الدولية على رأسها إيطاليا في إمكانية إجراء الانتخابات وفقًا لهذا الموعد نتيجة تدهور الوضع الأمني، وردًا على تلك الشكوك قالت وزارة الخارجية الفرنسية إنها مقتنعة بضرورة التوصل لحل سياسي يستند إلى اتفاقات باريس.

وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الفرنسية أجنيس فون دير مول للصحفيين في إفادة يومية في الـ13 من سبتمبر/أيلول الحاليّ: "فرنسا ستواصل دعم جهود السلطات الليبية والأمم المتحدة هي وشركاؤها لضمان استمرارية العملية السياسية، وخاصة إجراء الانتخابات بنهاية العام".

تخشى إيطاليا من أن إجراء الانتخابات في الموعد الذي حددته فرنسا سيؤدي حتمًا إلى فوز حلفاء باريس من العسكر على رأسهم حفتر

هذا الحرص الفرنسي لإجراء الانتخابات وفق الموعد الذي تريده دون وجود ضمانات حقيقية لنجاحها، يؤكد وفقًا لعدد من المتابعين للشأن الليبي عدم إيلاء السلطات الفرنسية أي أهمية لليبيين ومستقبلهم، ذلك أن إجراء هذه الانتخابات في هذا الموعد سيزيد من حدة الانقسام الحاصل في البلاد.

وسبق أن شهدت ليبيا في 7 من يوليو/تموز 2012 انتخابات المؤتمر الوطني الليبي، وبعدها انتخابات مجلس النواب عام 2014، غير أن تلك الانتخابات لم تعزز سوى الانقسام والفرقة في البلاد، ولم تساهم في وجود مؤسسات تتمتع بمصداقية من جميع الأطراف والقوى السياسية هناك.

ويرى محللون أن إعلان سلامة الأخير الذي تزامن مع تصريح المسؤول الإفريقي بشأن ليبيا، كان بمثابة رصاصة الرحمة التي أكدت فشل الخطة الفرنسية في هذا البلد العربي، ويعود هذا الفشل إلى محاولة باريس تغليب طرف على طرف رغم يقينها بخطورة تلك الخطوات.

تصر فرنسا على دعم حفتر رغم ادعاء الحياد

ما فتئت فرنسا تدعي الحياد ووقوفها على مسافة واحدة بين جميع الفرقاء الليبيين، وتقود الوساطات بينهم، غير أن موقفها على الأرض كان عكس ذلك، فباريس لا تخفي دعمها لللواء المتقاعد خليفة حفتر الذي تُتهم قواته بارتكاب جرائم حرب، على حساب رئيس الوزراء المعترف به أمميًا فايز السراج الذي تسيطر قواته على العاصمة الليبية طرابلس وعلى غرب البلاد.

ومنذ البداية كانت فرنسا تسعى لإجراء الانتخابات دون دستور لتمكين حلفائها من العسكر من السلطة وإلى الأبد، وتخشى فرنسا من أن إقرار هذا الدستور سيعجل بنهاية حليفها اللواء المتقاعد خليفة حفتر، فالدستور الجديد يمنعه والعديد من القيادات من الترشح للمناصب السياسية المقبلة.

نجاح إيطالي

هذا الفشل الفرنسي قابله نجاح إيطالي حتى وإن كان نسبيًا، فروما تسعى منذ فترة إلى تأجيل الانتخابات ريثما تتوافر فعليًا الظروف الملائمة لإجرائها، وفي الـ12 من شهر سبتمبر/أيلول الماضي أعلن وزير الخارجية الإيطالي إنزو موافيرو ميلانيزي أن بلاده تعارض إجراء انتخابات في ليبيا في 10 من ديسمبر/كانون الأول كما تطالب بذلك فرنسا.

وقال الوزير الإيطالي أمام لجنتي الشؤون الخارجية في مجلسي الشيوخ والنواب إن بلاده تريد تنظيم مؤتمر بشأن ليبيا في النصف الأول من نوفمبر/تشرين الثاني في صقلية، الجزيرة التي ترمز إلى "اليد الممدودة إلى ما وراء المتوسط"، وأوضح أن روما ستدعو إلى هذا المؤتمر كل أطراف النزاع في ليبيا إضافة إلى دول أوروبية محددة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية والأمم المتحدة.

وترى فرنسا أن إجراء الانتخابات في القريب العاجل السبيل الوحيد لإخراج ليبيا من الوضع الراهن، إلا أن إيطاليا تعارضها التوجه وترى ضرورة إحلال الأمن والاستقرار في البلاد قبل الحديث عن أي انتخابات قادمة، حتى لا يحصل نفس ما حصل سنتي 2012 و2014.

هذا الفشل الفرنسي والنجاح الإيطالي في تمرير أجندتهما في ليبيا لم يكن يومًا في صالح الليبيين

من المقرر أن يتبين الموعد الثاني للانتخابات خلال مؤتمر روما المقرر عقده في أكتوبر/تشرين الأول المقبل، وكان كونتي قد أعلن في 12 من الشهر الماضي عزم بلاده تنظيم مؤتمر دولي عن ليبيا الخريف المقبل في روما، لمناقشة جملة من الملفات المتعلقة بالهجرة غير الشرعية والإصلاحات الاقتصادية والوضع السياسي.

وتخشى إيطاليا من أن إجراء الانتخابات في الموعد الذي حددته فرنسا سيؤدي حتمًا إلى فوز حلفاء باريس من العسكر على رأسهم حفتر، لذلك فهي تسعى إلى تأجيل الانتخابات لحين إقرار الدستور الذي يحدد صراحة الشروط اللازم توافرها في متقلدي المناصب، وأقلها ألا يكون المترشح عسكريًا وألا تكون له جنسية أخرى.

وخلال قيام الثورة الليبية في 2011، قادت فرنسا التحالف الدولي الذي تشكل حينها للإطاحة بنظام معمر القذافي، ولعبت باريس دورًا مركزيًا في الأزمة الليبية سياسيًا وحتى عسكريًا، من خلال نشاط قواتها الخاصة في مدينة بنغازي ومنطقة جنوب غربي ليبيا التي تنشط بها جماعات مسلحة لها امتدادات في شمالي مالي والنيجر، حيث توجد قوات ومصالح فرنسية في هذه المنطقة.

فشل سلامة في مهمته

الفشل لم يكن نصيب الخطة الفرنسية فقط، بل كان نصيب المبعوث الأممي غسان سلامة أيضًا، ويعتبر تأكيد الأخير صعوبة تنظيم الانتخابات في هذا الموعد إقرارًا ضمنيًا منه بفشله في مهمته التي جاء من أجلها إلى ليبيا في يونيو/حزيران 2017.

خريطة المبعوث الأممي غسان سلامة التي أعلنها في 20 من سبتمبر/أيلول 2017 ترتكز على 3 مراحل رئيسية، تشمل تعديل الاتفاق السياسي وعقد مؤتمر وطني يهدف لفتح الباب أمام المستبعدين من جولات الحوار السابق، وإجراء استفتاء لاعتماد الدستور وانتخابات برلمانية ورئاسية، غير أنه لم يفلح في أي مرحلة منها.

أظهر غسان سلامة انحيازه لفرنسا على حساب باقي القوى

فشل غسان سلامة في مهمته في ليبيا يرجع وفقًا لعدد من الخبراء إلى ابتعاده عن الخطة التي جاء بها أول مرة التي كانت تحظى بدعم دولي كبير، وتوجهه نحو دعم الخطة الفرنسية والعمل على إنجاحها رغم المعارضة المحلية والخارجية الكبيرة لهذه الخطة.

هذا الفشل الفرنسي والنجاح الإيطالي في تمرير أجندتهما في ليبيا لم يكن يومًا في صالح الليبيين، فكلاهما متهمان بمحاولة سرقة ثروات البلاد خاصة النفطية منها، فالبلدان يريدان ضمان مصالح اقتصادية وإستراتيجية في ليبيا الغنية بالمواد الطبيعية ومكانها الجغرافي الإستراتيجي المطل على البحر المتوسط.