لم تنجح "بي إن سبورت"، التي تضم 60 قناة، تبث بـ7 لغات مختلفة لنحو 43 دولة عبر القارات الخمسة، في حصولها على أجهزة حديثة تواجه بشكل قوي عمليات قرصنة المحتوى

لم يمر نحو 60 يومًا، على إعلان السعودية، فسخ التعاقد مع شركة "beIN SPORTS" القطرية، وتحريك الهيئة العامة للمنافسة السعودية، دعوى جزائية بزعم ارتكابها عدد من الممارسات المخالفة لنظام المنافسة منذ عام 2016، حتى أعدت وزارة الاقتصاد القطرية ملفًا كاملاً، وقدمته أول أمس رسميًا، لمنظمة التجارة العالمية، واتهمت فيه المملكة بانتهاك حقوق ملكيتها الفكرية، وليس هذا فقط، بل وطالبت محاسبتها على السلبية المفتعلة أمام قرصنة محتوى القناة بداية من فعاليات مباريات كأس العالم لكرة القدم الماضية. 

وتعتمد قطر على الاتهامات الموثقة من "الفيفا" الاتحاد الدولي لكرة القدم، والعديد من الهيئات الرياضية التي أدانت سطو قناة "بي أوت كيو" التي ظهرت فجأة بمحتوى سياسي كيدي فج، خلال منافسات كأس العالم الماضية، قالت قطر وقتها إنها تبث من داخل السعودية بطريقة غير قانونية، للسطو على حقوق "بي إن سبورت".

اتهامات كيدية.. هل تفلح مع المجتمع الدولي؟

في الأسباب المعلنة، استندت السعودية إلى بعض الشكاوى من مواطنيها لنزع الغطاء كاملاً عن القناة القطرية، وقالت إنها أجبرت المشاهدين على الاشتراك في باقة أخرى تتضمن قنوات غير رياضية، بجانب تجديد اشتراكهم في الباقة الأساسية لمدة سنة كاملة أخرى، كشرط لمشاهدة بطولة كأس الأمم الأوروبية "يورو 2016"، وكأن السعودية تذكرت فجأة أن هناك حقوقًا انتهكت قبل عامين، وممارسات احتكارية مخلة تمت بحق حقوق مواطنيها، ويجب تخليص تارها في كأس العالم الماضية.

معروف عالميًا أن عملية بيع حقوق البث للمباريات، لها نظام خاص ويطبق بتفاصيل معلنة لدول العالم أجمع منذ أكثر من عقدين

تحركت المملكة عربيًا لتحصين نفسها بقرارات أممية، وطرحت مشروع قرار بجامعة الدول العربية، لإقرار ميثاق خاص يمنح المواطن العربي حق متابعة الأحداث الرياضية الكبرى التي تشارك فيها الفرق العربية عبر البث المفتوح، وهو منطق يعارض توجهات العالم الحديث الذي يخضع لمعيار العرض والطلب والسوق الحرة المفتوحة.

مضيت المملكة في مشروعها وأقرت القانون الذي رسم تفاصيله وزير الثقافة والإعلام السعودية عواد بن صالح العواد، واختار لإخراجه طريقة تقليدية وقديمة في محاربة الواقع والتحايل عليه، وهي دائمًا بالمناسبة صناعة عربية بامتياز، بدلاً من الانصهار في العولمة والتحدث بلغة العالم، فحديث الستينيات عن الاحتكار وحقوق المواطن العربي، أمر لا يمكن الإقرار به لائحيًا من أي منظمة مسؤولة عن حقوق البث في العالم. 

ومعروف عالميًا أن عملية بيع حقوق البث للمباريات، لها نظام خاص ويطبق بتفاصيل معلنة لدول العالم أجمع منذ أكثر من عقدين، وعمليًا "beIN SPORTS" دخلت السوق كأي شركة تزاحم وتنافس على حقوق البث، ونجحت في الحصول على حق النقل الحصري لكأس العالم روسيا 2018، في منطقتي الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ولا يمكن إدانتها دوليًا في ذلك.

أما الأسباب الخفية لقرصنة حقوق "beIN SPORTS " ومنعها من العمل في السوق السعودية، فلم تعد تخفى على أحد، وعلى رأسها تدهور علاقة المملكة بالشركة القطرية وحجبها في السعودية بداية من عام 2017 وفور إعلان تدشين التحالف الرباعي على قطر، ولا يزال الحظر مستمرًا حتى الآن، لتقرر الشركة القطرية التي تعد حاليًّا من أكبر مالكي حقوق البث للأحداث الرياضية في العالم، الاستعداد جيدًا لخوض معركة متوقعة على جميع المستويات السياسية والرياضية والاقتصادية والقانونية لاسترداد حقوقها.

دعمت الشركة القطرية قضيتها التي رفعتها أمام منظمة التجارة العالمية، بملف متكامل عن سلسلة الإجراءات التصاعدية التي أقدمت عليها، طوال الفترات الماضية، وعمليات القرصنة التي تصاعدت بشكل متعمد

استندت "beIN SPORTS" إلى أسباب قانونية دولية، تجعلها حال اللجوء للتحكيم الدولي على ثقة بالحصول على تعويض من المملكة العربية السعودية، بقيمة مليار دولار أمريكي، بما يضمن لها خسائرها من إخراجها من السوق السعودية بشكل غير قانوني، بجانب الحصول على حقها المادي والمعنوي من  تعرضها لأكبر عملية قرصنة، في وقت لا يسمح بهذه المهاترات، وتتخذ إزائها المؤسسات المعنية، مواقف حاسمة لا رحمة فيها. 

ودعمت الشركة القطرية قضيتها التي رفعتها أمام منظمة التجارة العالمية، بملف متكامل عن سلسلة الإجراءات التصاعدية التي أقدمت عليها، طوال الفترات الماضية، وعمليات القرصنة التي تصاعدت بشكل متعمد، بداية من نهائيات كأس العالم 2018 في روسيا، لتمتد عمليات القرصنة لتشمل بطولات أوروبا لكرة القدم في الموسم الجديد، بجانب أحداث رياضية أخرى، بجانب تعهد الفيفا، باتخاذ إجراءات قانونية، ضد الشركة التي تنكر السعودية مسؤوليها عنها "بي أوت كيو".

المثير أنه حتى هذه اللحظة، لم تتمكن المؤسسات المعنية في العالم، من توضيح لمن تعود ملكية قناة "بي أوت كيو"، أو أين يقع مقرها الرئيسي، رغم إثبات بثها من المملكة، بل والاحتفاء الغامض بها من أغلب وسائل الإعلام السعودية التي تراجعت سريعًا بعد علمها توثيق المؤسسات المعنية في الدوحة، لجميع الإعلانات التي تمت للقناة، بما يعني أنها إدانة رسمية واعتراف بدعم القناة المقرصنة، لتضطر نفس وسائل الإعلام لإصدار بيانات شبه موحدة تؤكد التزامهم واحترامهم للقانون، بعد الشكاوى الدولية التي قدمتها بي إن سبورت، بقرصنة محتواها وحقوقها، كما وثقت السعودية عبر مسؤوليها عملية مصادرتها لنحو 12 ألف جهاز قرصنة من السوق.

تاريخ القرصنة لا يشفع للسكوت عنها

خلال الأعوام الماضية، كانت قرصنة حقوق البث التليفزيوني، مصدر إزعاج كبير للجهات الدولية المعنية بالرياضة، خاصة بعد انتشارها بشدة خلال العشرين عامًا الماضية، وتطورت لتواكب الطفرة التكنولوجية، حتى أنها أصبحت تستخدم بشكل خفي وكسلاح انتقامي من المتنافسين الذين فشلوا في الحصول على العطاءات وحقوق البث للفعاليات الرياضية الكبرى في العالم.  

الاستثمار الرياضي الذي برعت فيه "beIN SPORTS " ووصول عدد قنواتها إلى 60 قناة، تبث بـ7 لغات مختلفة لنحو 43 دولة عبر القارات الخمسة، خلال السنوات الماضية، ولم يفلح حصولها على أجهزة حديثة تواجه بشكل قوي عمليات قرصنة المحتوى

وبسبب ارتفاع فاتورة حقوق البث التليفزيوني التي تصل إلى مليارات الدولارات سنويًا، تتحرك الجهات والمؤسسات الرياضية المالكة أو المنظمة للفعاليات الرياضية الكبيرة للتعامل فورًا مع أي شكوى من القرصنة، حتى تحافظ على سلسلة الارتفاع الكبير في إيراداتها المالية، من بيع حقوق بث البطولات والمباريات الرياضية الكبرى.

وربحت "الفيفا" ما يقرب من 230 مليون دولار العام الماضي من عائدات حقوق البث التليفزيوني فقط، وارتفعت إيرادات المؤسسة الرياضية الأولى في العالم بذلك، لتحقق نموًا وصل إلى 140.54%، إذا ما قارنا بين أرباحهاها العام الماضي، مقارنة بعام 2016 الذي ربحت فيه عن نفس الحقوق التليفزيونية نحو 96 مليون دولار، في الوقت الذي لم تتخط تكلفة التسويق للبث التليفزيوني أكثر من 37 مليون دولار، وتهدف إلى رفع مكاسبها من عوائد البث إلى 6 مليارات دولار بنهاية 2018، لذا تشكل لها قضايا القرصنة هاجسًا طوال الوقت، وقضية شخصية لا تهاون فيها.

الاستثمار الرياضي الذي برعت فيه "beIN SPORTS" ووصول عدد قنواتها إلى 60 قناة، تبث بـ7 لغات مختلفة لنحو 43 دولة عبر القارات الخمسة، خلال السنوات الماضية، لم يفلح حصولها على أجهزة حديثة تواجه بشكل قوي عمليات قرصنة المحتوى، وأثبتت فعاليات كأس العالم الأخيرة، أن وسائل المقاومة الذاتية لن تجدي، والحل الأمثل في اللجوء للتقاضي والحصول على الحقوق كاملة، من المؤسسات المعنية بذلك التي يجب عليها تحمل مسؤولياتها وحدها في مواجهة هذا السرطان الذي يستفحل عامًا بعد الآخر.

وبحسب المعلومات المتوافرة، تتجه الفيفا إلى تشكيل فريق تحريات على أعلى مستوى يكون تابعًا لها، وتحدد له صلاحيات كاملة في الملاحقة المباشرة لكل عملية سطو قد تحدث إزاء حقوق الملكية الفكرية والإضرار العمد بمصالح الاتحادات أو القنوات الرياضية التي تدفع ملايين الدولارات سنويًا لنقل المباريات، بما يضمن تعظيم الاستثمار في هذا المجال وتحصينه بالقانون والعقوبات الرادعة، حتى لا يصبح المجال على المستوى البعيد مسكونًا بالأشباح، وترتفع مخاطر الاقتراب منه، بما يمنع أي مستثمر قوي من المزاحمة عليه.