يعتقد كثيرون أن الأزمة التي يمر بها البرلمان ستكون آخر مسمار يغرس في نعش "المجلس الشعبي الوطني"

يواصل رئيس المجلس الشعبي الوطني (البرلمان) في الجزائر، السعيد بوحجة، رفضه لدعوات الاستقالة من منصبه، لتستمر بذلك أكبر أزمة تعرفها المؤسسة التشريعية الجزائرية خلال الألفية الحالية بتجميد نشاط البرلمان الذي يمر بأصعب اختبار له حول حقيقة استقلاليته وفصل السلطات في البلاد، وهو الجانب الذي صار على المحك بعد دخول الوزير الأول أحمد أويحي الخط كطرف مؤيد لخصوم الرجل الثالث في الدولة.

ويعيش البرلمان الجزائري حالة جمود منذ عدة أيام حينما دعا رؤساء المجموعات البرلمانية المنتمية لحزب "جبهة التحرير الوطني" الحاكم الذي ينتمي إليه بوحجة و"التجمع الوطني الديمقراطي" و"الحركة الشعبية الجزائرية" و"تجمع أمل الجزائر والأحرار (المستقلين)" إلى سحب الثقة من بوحجة ومطالبته بالاستقالة من رئاسة المجلس.

وتتهم الكتل البرلمانية بوحجة بحدوث "تجاوزات وخروقات" خلال فترة تسييره التي بدأها في صيف 2017، وحصرتها في "التهميش المفضوح وتعمد تأخير المصادقة على النظام الداخلي للمجلس، وتهميش أعضاء لجنة الشؤون القانونية وسوء تسيير شؤون المجلس ومصاريف مبالغ فيها وصرفها على غير وجه حق، وتجاهل توزيع المهام  إلى الخارج على أساس التمثيل النسبي والتوظيف المشبوه والعشوائي".

لا رضوخ

بعد تردد أخبار متوالية حول قرار بوحجة بمغادرة البرلمان رسميا وخضوعه لمطالب حلفائه السابقين، خرج الرجل في تصريح مقتضب مفندا كل تلك المعلومات ومؤكدا تشبثه بمنصبه. وقال بوحجة عبر صفحته الرسمية في فايسبوك "أقول لمن يريدون تخويفي، بأن المجاهد لا يخاف، كما أنه لا يخضع للضغوط". وأضاف "أنا رجل نظيف، ورجل دولة، وأطبق سياسة الدولة". وأوضح بوحجة في مقابلة مع موقع "كل شء عن الجزائر" إن أغلبية النواب معه ومن يتمسكون بمطلب رحيله لا يشكلون سوى أقلية محدودة .

يبدو في الوقت الحالي أن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لا يريد دخول هذه المعركة بالنظر إلى أنها قد تعود سلبًا عليه

وحسب رئيس المجلس الشعبي الوطني، فإن "النواب الحقيقيون يعملون الآن في الميدان وينتظرون استئناف أشغال المجلس، لأنهم أدركوا أن الوقوف ضدي ليس له أساس قانوني، ومن المستحيل بالنسبة لي أن أرد على فعل غير قانوني وغير شرعي". ويستند بوحجة في تمسكه بمنصبه بشرعيته القانونية، حيث يحدد الدستور الجزائري رحيل رئيس المجلس في حالات ثلاث تتعلق بالاستقالة أو العجز أو الموت، وهو ما لا ينطبق على الرجل الثالث في الدولة الحالي الذي لا يرغب في الاستقالة.

ويبقى الحل الوحيد لمن يطالبون برحيله هو تدخل رئاسة الجمهورية بحل البرلمان في حالة تواصل حالة الانسداد التي قد تعطل سير مصالح الدولة بعدم مناقشة عدة مشاريع قوانين. ويبدو في الوقت الحالي أن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لا يريد دخول هذه المعركة بالنظر إلى أنها قد تعود سلبا عليه، ما قد يفسر على أنه تدخل من السلطة التنفيذية في عمل السلطة التشريعية وهو ما يعد انتهاكا لمواد الدستور التي تؤكد على ضرورة الفصل بين السلطات القضائية والتشريعية والتنفيذية، خاصة وأن بوحجة مسؤول منتخب .

وتختلف القراءات السياسية بشأن موقف بوتفليقة مما يتعرض له بوحجة، فالأخير يؤكد أنه يلقى دعما كبيرا من رئاسة الجمهورية، في حين يزعم خصومه أن الرجل صار منبوذا لدى رئيس البلاد ورفع يد دعمه له.

الوساطة مرفوضة

تقدم حزب التحالف الوطني الجمهوري الذي يرأسه بلقاسم ساحلي الوزير السابق المكلف بالجالية وأحد الداعمين لبوتفليقة بمبادرة وساطة بين بوحجة وخصومه لإيجاد حل للأزمة التي يعيشها البرلمان، إلا أن هذه الخطوة قوبلت بالرفض من قبل الكتل البرلمانية الخمس رغم موافقة بوحجة عليها. وبنيت المبادرة على أربع نقاط تلخصت في إعلاء مصلحة البلاد على المصالح الأخرى، ووقف التراشق الإعلامي، وجلوس الطرفين إلى طاولة الحوار، وتقديم تنازلات من كل طرف لتجاوز الأزمة.

برأي مراقبين، فإن حل هذه الأزمة ليس بين يدي طرفي النزاع، لأن ما يدور بينهما من خلاف هو في الأصل انعكاس لنزاع بين أطراف خفية لم تتحدد هويتها بوضوح حتى اللحظة

لكن كل هذه النقاط كان مصيرها الرفض من قبل المتشبثين برحيل بوحجة، فقد أكد رئيس الكتلة البرلمانية لحزب جبهة التحرير الوطني معاذ بوشارب أن جماعته تتمسك بمطلب مغادرة بوحجة رأس الهيئة التشريعية.

وقال بوشارب: "نحن عازمون على التنسيق فيما بيننا حتى الوصول إلى المبتغى وهو استقالة رئيس المجلس التي ستكون في الأيام القليلة القادمة"، وأكد بوشارب "رفض أي وساطة" بين الكتل البرلمانية ورئيس المجلس، ووصف مبادرات الوساطة أنها "ولدت ميتة". ويبدو أن الخلاف بين الطرفين وصل إلى مرحلة لا يمكن فيها أي طرف التنازل بالنظر إلى مستوى الاتهامات التي طالت بوحجة، والانتقادات التي وجهت من جهة لأخرى.

وبرأي مراقبين، فإن حل هذه الأزمة  ليس  بين يدي طرفي النزاع، لأن ما يدور بينهما من خلاف هو في الأصل انعكاس لنزاع بين أطراف خفية لم تتحدد هويتها بوضوح حتى اللحظة، خاصة الكتل الخمس التي يبدو أنها تنفذ أجندة طرف ثالث نافذ في الدولة أصبح منزعجا من بقاء بوحجة على رأس السلطة التشريعية.

آخر مسمار في نعش البرلمان

يعتقد كثيرون أن الأزمة التي يمر بها البرلمان وفي حال انتهت برحيل السعيد بوحجة ستكون آخر مسمار يغرس في نعش المجلس الشعبي الوطني الذي وصف في كثير من المرات بعدم الاستقلالية والفاقد للشرعية لأنه نتاج انتخابات غير نزيهة، حسب اتهامات المعارضة التي لطالما دعت إلى إجراء انتخابات تشريعية مسبقة في كثير من المرات بعدما تحول البرلمان إلى منبر لتمرير مشاريع قوانين الحكومة دون حق مناقشتها أو رفضها بسبب الأغلبية السلبية التي تملكها أحزاب السلطة في البرلمان.

اعتبر كثيرون قول أويحيى إن "يوحجة يملك شرعية دستورية لكن هناك شرعية الواقع" بمثابة تدخل صريح من السلطة التنفيذية في عمل السلطة التشريعية

ويتخوف البعض من أن يشكل رحيل بوحجة تكريسا حقيقيا لتدخل السلطة التنفيذية في عمل المؤسسة التشريعية، خاصة بعد التصريح الأخير للوزير الأول أحمد أويحيى الذي دعا بوحجة الذي يعلوه في سلم ترتيب رجال الدولة إلى الرحيل بحجة "تغليب المصلحة العليا للبلاد".

واعتبر كثيرون قول أويحيى إن "يوحجة يملك شرعية دستورية لكن هناك شرعية الواقع" بمثابة تدخل صريح من السلطة التنفيذية في عمل السلطة التشريعية، وهو ما يناقض روح الدستور الذي يشدد على ضرورة الفصل بين السلطات، لكنه يعكس واقعا ترفض السلطة الإقرار به وهو تدخل الحكومة في عمل جميع الهيئات الأخرى سواء التشريعية أو القضائية.

وإذا كان أويحيى لا يرى داعيا لحل البرلمان رغم الصورة القاتمة التي رسمها حول الانسداد الذي يعيشه، فإن بعض أطراف المعارضة مثل جبهة العدالة والتنمية (حزب إسلامي) التي ترفض رحيل بوحجة لا توافق الوزير الأول هذا الرأي، وتعتقد أن حل المجلس الشعبي الوطني قد يكون إحدى الحلول في حال ما سيتبع بإجراء انتخابات برلمانية مسبقة.

وبين متفائل بخروج بوحجة منتصرا من هذه المعركة ومتمنيا برحيله، يبقى الجميع يترقب إعلان الرئيس بوتفليقة موقفه من هذا الوضع، والذي قد يعرف مستقبلا بمناسبة اليوم الوطني للهجرة المصادف لـ17 أكتوبر تشرين الأول أو لدى إحياء اليوم الوطني للصحافة في الـ22 من الشهر ذاته، وهما المناسبتان اللتان دأب بوتفليقة فيهما توجيه رسالة للأمة أو المعنيين بهما تتضمن موقفه مما يدور في البلاد وخارجها، موقف قد يؤجله إلى ذكرى الثورة التحريرية المصادف للأول من نوفمبر تشرين الثاني عبر رسالة للمواطنين أو بدعوة أو عدم دعوة بوحجة للاحتفال الذي تنظمه الرئاسة ويدعى إليه كبار المسؤولين ومجاهدي الثورة والذين يعد رئيس البرلمان واحد منهم في كلا الحالتين.