نجحت مسيرات العودة وكسر الحصار في المحافظة على استمرارية الفعاليات والاحتجاجات السلمية على الحدود

نجحت مسيرات العودة وكسر الحصار في المحافظة على استمرارية الفعاليات والاحتجاجات السلمية على الحدود الفاصلة بين قطاع غزة ودولة الاحتلال الإسرائيلي على المحاور البرية والبحرية كافة وفي مختلف الأوقات نهارية وليلية، واستطاعت أن تستقطب الناس وتحفزهم على اختلاف توجهاتهم السياسية وانتماءاتهم الحزبية ومرجعياتهم الفكرية ومكانتهم الاجتماعية والعلمية على الانخراط في مسيرات العودة وفعالياتها المختلفة، ومازالت جذوة المسيرات مشتعلة ومتقدة وتتمتع بالقبول والمصداقية لدي الشريحة الأوسع في الشارع الغزي.

صراع خفي يمكن ملاحظته بين قيادة العدو الإسرائيلي السياسية والعسكرية، وبين الهيئة الوطنية العليا لمسيرات العودة وكسر الحصار فالأولى تحاول من خلال تصرفاتها القمعية والرد العنيف والإجرامي على المتظاهرين أن تخفض عدد المشاركين وتكبح رغبتهم في المشاركة في المسيرات، في حين أن الهيئة الوطنية تحاول أن تزيد من المشاركين وتحفزهم بكل الوسائل الممكنة للمشاركة الفاعلة والدائمة في الفعاليات، وتحاول دون كلل أن تُجدد الزخم الثوري في كل فعالية من فعالياتها وتَقوية صفها بأوسع مشاركة جماهيرية ممكنة حتى تحقق أهدافها وتطلعاتها الثورية، وإن كان أخطر ما يمكن أن يواجه الثورة  -أي ثورة كانت - هو انفضاض الناس عنها وعزوفهم عن الانخراط في صفوفها.

لم تكن المحافظة على زخم المشاركة الشعبية في مسيرات العودة وكسر الحصار أمرًا اعتباطيًا ولا نتيجة للصدفة، بل هو نتيجة للتخطيط المدروس والترتيبات المتتابعة حسب التطورات الميدانية، وإن كان الوازع الأقوى الذي يدفع الجماهير الفلسطينية للمشاركة في المسيرات هو إيمانهم بعدالة قضيتهم وشعورهم بالمظلومية وسعيهم لتحصيل حقوقهم المشروعة ونيل حريتهم وخلاصهم من الاحتلال الإسرائيلي وجبروته.

أعادت فعاليات مسيرات العودة إلى الأذهان مشاهد الانتفاضة الأولى من حرق الإطارات واستخدام الشديدة والمقلاع والزجاجات الحارقة وجعلت من المواطن العادي شريكًا أساسيًا في الثورة

تتم دعوة الناس للمشاركة في الفعاليات عبر مكبرات الصوت في المساجد وعبر سيارات مثبت عليها سماعات ضخمة تجوب شوارع ومخيمات قطاع غزة كافة، وكذلك يُدعى الناس ويحرضوا على المشاركة من قبل خطباء وأئمة المساجد وكبار السن ومخاتير العائلات ووجهائها حيث يشرف بعضهم على تنظيم مشاركة أفراد العائلة وحثهم على التواجد في خيام تحمل أسماء بلداتهم وقراهم الأصلية التي هُجروا منها.

إضافة إلى تصميم بوسترات ويافطات يتم تعليقها على الجدران وفي الأحياء العامة تدعوا الناس للمشاركة والحشد في المسيرات، ويقوم الشباب الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي بنشر تلك التصاميم وترويجها عبر صفحاتهم الشخصية.

الإعلامي محمود الشريف قال لنون بوست أنه يقوم بشكل دائم بالدعوة إلى الفعاليات وبنشر وترويج الأعمال البطولية التي يقوم بها الشباب الثائر إيمانًا منه بسمو رسالتهم ويغطي كل ما يستطيع تغطيته من فعاليات المسيرات وأحداثها عبر صفحته الشخصية في فيسبوك، ويضيف الشريف أنه قد لمس من خلال تغطيته للأحداث أن دافعية الشاب للمشاركة تزيد وتتضاعف عندما يشاهدون إقدام الشباب الثائر وأعمالهم البطولية الشجاعة، وأن دافعية الشباب الثائر تتضاعف هي الأخرى عندما يجدون من يهتم بتضحياتهم ويوثقها وأنها لا تذهب هدرًا وتنتشر لتصل كل أنحاء العالم لتفضح الاحتلال وجرائمه.

نقل المتظاهرين المشاركين في الفعاليات بحد ذاته وسيلة قوية للتحفيز على المشاركة وقد اعتمد القائمين على تنظيم الفعاليات نقلهم في سيارات مكشوفة "شاحنات" و"تكاتك"، إضافة إلى الباصات التي يستقلها عادة كبار السن والنساء والأطفال، إذ أن مشهد الشباب وهم يتسابقون على الركوب فيها وتعلقهم على جوانبها وترديدهم الهتافات والشعارات الوطنية بحماسة ومعنويات عالية وشذوهم للأغاني الثورية والأهازيج الشعبية ورفع الأعلام الفلسطينية والتلويح بها له أثر نفسي كبير على الآخرين مما يدفعهم للمشاركة والانخراط في صفوف المتظاهرين.

أغاني الثورة الفلسطينية قديمة وحديثة، تعتبر من أهم مكونات التحفيز على مقاومة الاحتلال ومواجهته طوال مسيرة النضال الفلسطيني

الهيئة الوطنية العليا لمسيرات العودة وكسر الحصار بدورها، اجتهدت في أن تجعل من مخيمات العودة على الحدود منطقة استثنائية تختصر الذات الفلسطينية بكل مكوناتها وألوانها، وأن تشمل على ما يجذب الناس ويشجعهم على الحضور والمشاركة هم وعائلاتهم وأطفالهم، كما يقول أحمد شاهين، قائد مخيم العودة شمال قطاع غزة في حديث خاص بنون بوست.

ويضيف شاهين: "صممنا برامج فنية وتراثية وخطابية سلمية ومدنية متنوعة على هامش كل فعالية من فُلكُلُور فلسطيني ودحية بدوية ودبكة شعبية ونشيد وشعر وطني وعروض فرق الكشافة وألعاب الكونفو القتالية، ولم يفوتنا تعليق الأعلام الفلسطينية وصور الشهداء على أعمدة الإنارة وفي كل ساحات ومرافق المخيم، لتأثيرها الإيجابي على معنويات المتظاهرين، مؤكدًا حرصهم على ترك الباب مفتوحًا أمام الاجتهادات والاقتراحات الشخصية للمشاركين والاستماع لهم والأخذ بنصائحهم في كل ما يمكن أن يطور ويحسن المخيمات في سبيل تحقيق الأهداف الوطنية المرجوة منها".

ما يقوم به الشباب الثائر من "وحدة الكوشوك" و"وحدة البلالين الحارقة" و"وحدة قص السلك" وغيرها من الوحدات، من أعمال ثورية كالتجول في موكب الكوشوك في أحياء قطاع غزة أو قيامهم برص الإطارات على شكل خريطة فلسطين أو مفتاح العودة في أرض المخيم، واستعراضهم للوسائل السلمية التي اخترعوها من العدم لمشاغلة العدو وقهره، يزيد من حماسة المتظاهرين وإعجابهم بما لدى هؤلاء الشباب من عزيمة وإصرار ويدفع بهم لمحاكاتهم ومشاركتهم اعمالهم.

سبق أن طالبت الحكومة الإسرائيلية من السلطة الفلسطينية منع بث الأغاني الوطنية في وسائل الإعلام الفلسطينية لما لها من دور واضح وملموس في تحميس قلوب الشباب وتحريضهم على المقاومة

أغاني الثورة الفلسطينية قديمة وحديثة، تعتبر من أهم مكونات التحفيز على مقاومة الاحتلال ومواجهته طوال مسيرة النضال الفلسطيني والتي تبث مع انطلاق فعاليات مسيرات العودة عبر موجات البث الإذاعي على محطات الراديو المحلية وتفتح عبر أجهزة مكبرات الصوت على مفترقات الشوارع الرئيسية وبثها عبر "ميكروفونات" في داخل مخيمات العودة، فمن الأغاني القديمة التي لها صدى كبير في نفوس الفلسطينيين واستخدمت في مسيرات العودة "طل سلاحي من جراحي" و"طالعك يا عدوي طالع" ومن الحديث "دحية العودة" و"يلا امشوا معانا على فلسطين"، وقد سبق أن طالبت الحكومة الإسرائيلية من السلطة الفلسطينية منع بث الأغاني الوطنية في وسائل الإعلام الفلسطينية لما لها من دور واضح وملموس في تحميس قلوب الشباب وتحريضهم على الانخراط في عمليات المقاومة.

أعادت فعاليات مسيرات العودة إلى الأذهان مشاهد الانتفاضة الأولى من حرق الإطارات واستخدام الشديدة والمقلاع والزجاجات الحارقة وجعلت من المواطن العادي شريكًا أساسيًا في الثورة وفعالياتها ومنحته حصته وفرصته في العمل النضالي والثوري، مما حث الكثير من كبار السن على المشاركة لاستعادة ذكريات الانتفاضة التي اُشعلت بأيديهم ولتتمتع بمشاهدة ربوع بلادهم المحتلة والتي لا يفصلهم عنها إلا سلك شائك ورصاص قناصة عدو متغطرس، ومكنت الشباب الثائر من لمس السلك وهزه وخلعه وقد كان ذلك من المحرمات وهذا يبعث الأمل عند المتظاهرين في تجاوز هذا السلك والعودة لقراهم وبلداتهم. تبقى الدماء الزكية التي نزفت فداء للوطن والأرواح الشابة التي فاضت قربانًا للحرية، أكبر حافز على مواصلة الثورة وبذل كل غالٍ في سبيلها.