في عصر التكنولوجيا والمنافسة.. هل يمكن أن نحقق التوازن بين العمل والحياة؟

يعيش العالم الحاليّ وتحديدًا المجتمعات الصناعية البحتة صراعًا بين مسؤوليات العمل والالتزامات الشخصية والعائلية، وهي مشكلة تزداد حدة كلما ازداد العالم تقدمًا وسرعةً، فقد أدت التكنولوجيا إلى زيادة المنافسة وكثافة العمل في السوق، ما يعني أن الأمر لا يقتصر فقط على ساعات دوام أطول وتغيب أكثر عن المحيط العائلي، وإنما يشير إلى التداخل الكبير بين الناحيتين، فمن الطبيعي جدًا أن تجد نفسك تجيب على الرسائل الإلكترونية في ساعات المساء أو تنجز إحدى مهمات العمل في أيام عطلتك.

نستعرض في هذا التقرير أهمية التوازن الحياتي بالنسبة للأفراد العاملين، وما انعكاسات هذه الضغوط على إنتاجيتهم وولائهم لوظيفتهم، وذلك بالاستشهاد ببعض الأبحاث والدراسات والمحاضرات التي تفسر لنا عواقب هذا الخلل وأنسب الحلول لخلق نمط حياة صحي ومريح على قدر الإمكان.

كيف تؤثر ضغوط العمل على صحتنا ومزاجنا المهني؟

تسبب ضغوط العمل المتزايدة والمفرطة أجواءً سلبية داخل بيئة العمل تتراوح بين الشعور بالإحباط وتقلب المزاج وردود الفعل المتسرعة والانفعالية، ما يؤدي تدريجيًا إلى انخفاض الإنتاجية في العمل

في العقود الأخيرة، اكتسب هذا المصطلح شعبية واسعة بين القوى العاملة من جيل الألفية، نظرًا لأهميته في خلق بيئة عمل صحية خالية من الإرهاق والإجهاد النفسي الذي أصبح واحدًا من أكثر المشكلات الصحية شيوعًا في أماكن العمل وقد يتسبب أحيانًا بأمراض جسدية مثل ارتفاع ضغط الدم ومشاكل في الجهاز الهضمي، عدا عن تأثيره على الصحة العقلية المرتبطة بالاكتئاب والقلق والأرق.

حيث وجدت إحدى الدراسات أن التكاليف الطبية للموظفين الذين يعانون من إجهاد مرتفع أو متوسط أكثر بنسبة 26% من الموظفين الآخرين، ويبدو أن هذه المشكلة تتزايد مع مرور الوقت بسبب ارتفاع معدل مشاركة المرأة في قوة العمل أكثر من أي وقت مضى، ما زاد من ثقل المسؤوليات المتنوعة بين العمل والمنزل والأطفال والزوج ورعاية المسنين، إضافة إلى الاحتياجات الفردية التي تستلزم غذاءً فكريًا وعاطفيًا وروحيًا وجسديًا.

من جانب آخر، تسبب ضغوط العمل المتزايدة والمفرطة أجواءً سلبية داخل بيئة العمل تتراوح بين الشعور بالإحباط وتقلب المزاج وردود الفعل المتسرعة والانفعالية، ما يؤدي تدريجيًا إلى انخفاض الإنتاجية وجودة العمل وتدهور العلاقات بين الزملاء والمديرين.

في هذا الخصوص، تشير بعض الأبحاث العلمية إلى أن سلوك رئيس العمل قادر على المساعدة في نجاح أو  فشل هذا التوازن، إذ يشرك بعض أرباب العمل موظفيهم في نوادي الألعاب الرياضية كجزء من المزايا الوظيفية أو تدعو بعض الشركات مدربي اللياقة البدنية إلى المكتب لعقد أنشطة ترفيهية خلال ساعات الغذاء، أو للحديث عن عادات الأكل الصحية التي تحفز الطاقة الجسدية والفكرية.

يشرك بعض أرباب العمل موظفيهم في نوادي الألعاب الرياضية كجزء من المزايا الوظيفية أو تدعو بعض الشركات مدربي اللياقة البدنية إلى المكتب  للحديث عن عادات الأكل الصحية التي تحفز الطاقة الجسدية والفكرية

إضافة إلى ذلك، توفر بعض أماكن العمل أوقات إجازة أطول من الفترة السنوية الإلزامية، لإعطاء الموظف الفترة الكافية لاكتساب القوة والطاقة اللازمة للعمل، وهي خطوات تؤثر بشكل ثانوي على سيرورة العمل وتزيد من الإنتاجية والولاء والرضا.

هل يمكن تحقيق هذا التوازن؟

يدعي البعض أن تحقيق التوازن بين الحياة المهنية وأسلوب الحياة مرتبط بعدد الساعات في كل مكان أو بإنجاز كل ما تحب وتريد في يوم واحد، وهناك من يرى أنها عملية غير واقعية أو ممكنة خاصةً مع التغيرات الثقافية والاقتصادية التي يشهدها سوق العمل في عصرنا الحاليّ، وللحصول على الجواب الشافي استعنا بمحاضرات تيد الشهيرة.

يقول المستشار الإداري نايجل مارش إن "الشركات والحكومات لن تحل لنا هذه المشكلة.. الأمر متروك لنا كأفراد لأخذ زمام المبادرة والمسؤولية لنوع الحياة التي نريد أن نقودها، إذا لم تصمم حياتك، شخص آخر سيصممها لك، وقد لا تعجبك فكرتهم عن التوازن، لأن الشركات التجارية مصممة بطبيعتها للحصول على أكبر قدر منك، لذلك علينا أن نكون مسؤولين عن تحديد وتعزيز الحدود التي نريدها في حياتنا".

في هذا المقطع ينفي مارش مسؤولية الشركة عن أي خلل يواجهه الفرد في حياته العملية والشخصية، ويحمّل المسؤولية كاملة للموظف، على اعتبار أن كل ما يهم الشركة هو استغلال جميع إمكانات الموظف.

مستقبل الارتباط والتوازن بين الحياة والعمل

يعطي هذا الفيديو منظورًا فريدًا للتوازن بين العمل والحياة، إذ يقدم فكرة مفادها أن أفضل طريقة للشعور بالتوازن في الحياة هي "عدم التوازن عن قصد" على أساس أن الرغبة في تحقيق التوازن أمر مثير للاهتمام لكنه غير واقعي ولا يمكن تحقيقه.

حيث يقول المؤلف دان ثورمون خلال الكلمة التي ألقاها على المنصة: "يجب علينا أن نكون خارج التوازن من أجل التعلم والنمو وتحسين الذات بكل الطرق الممكنة"، ويشير إلى ضرورة التحرر من فكرة التوازن والعمل باستمرار على قبول التحديات والمهام الجديدة التي تستلزم منا إدخال تعديلات وإجراء تصحيحات على مجريات وأولويات الحياة.

التوازن بين العمل والحياة: موازنة الوقت أو الهوية؟

 تتحدث البروفيسورة ميشيل ريان في هذا المقطع عن زاوية جديدة تهم المرأة العاملة، وهي ادعاء البعض أن العديد من النساء يختارن عدم العمل في وظائف معينة بسبب ساعات الدوام الطويلة والتضحيات التي يجب تقديمها للاستجابة لمتطلبات العمل، مما يجعل النساء يبدون أقل طموحًا وأكثر انجذابًا لفكرة التوازن بين العمل والحياة من الرجال.

على سبيل المثال، قد تتجنب المرأة العمل كممرضة في بسبب المناوبات الليلية وساعات العمل الطويلة، لكن ريان تعتقد أن مسألة التوازن تدور حول الهوية الجندرية أكثر من كونها قضية تنظيم وإدارة للوقت.