تتعالى أصوات برلمانيين واقتصاديين في الجزائر لمطالبة الحكومة بالتخلي عن طبع النقود في موازنة 2019 التي سيصادق عليها البرلمان في الأيام المقبلة، لكن هذا الطلب قد يصطدم برؤية الوزير الأول أحمد أويحيى التي تميل إلى الإبقاء على هذا التوجه لتغطية العجز التجاري رغم ارتفاع أسعار البترول إلى أكثر من 70 دولارًا للبرميل.

وقررت الحكومة العام الماضي اللجوء إلى التمويل غير التقليدي بطبع النقود في قانون مالية 2018 بحجة تراجع مداخيل البلاد المالية جراء تهاوي أسعار النفط، رغم معارضة بعض الاقتصاديين الذين دعوا إلى الاستعانة باحتياطي الصرف الذي كان يبلغ وقتها قرابة 100 مليار دولار، غير أن أويحيى لم يلتفت إلى هذه الدعوات ونفذ قرار طبع النقود.

ومكن القانون المتمم والمعدل للأمر المتعلق بالقرض والنقد المصادق عليه في 2017 بالترخيص لبنك الجزائر خلال مدة أقصاها خمس سنوات، القيام بالشراء المباشر للسندات الصادرة عن الخزينة العمومية قصد تغطية حاجيات تمويل الخزينة والصندوق الوطني للاستثمار، وتمويل تسديد الدين العمومي وإعادة شراء الدين البنكي لمجمعي "سونلغاز" و"سوناطراك" أكبر شركتين نفطيتين في البلاد.

تحرك برلماني  

شدد نواب بالمجلس الشعبي الوطني (البرلمان) أعضاء في لجنة المالية والميزانية على ضرورة رفع السعر المرجعي لبرميل النفط المعتمد في مشروع الميزانية والحد من اللجوء إلى التمويل غير التقليدي ما دامت أسعار النفط العالمية في انتعاش. 

وفي جلسة مع وزير المالية عبد الرحمان راوية الذي قدم مشروع قانون المالية لسنة 2019 للجنة، استغرب النائب هشام رحيم المنتمي للحزب الحاكم جبهة التحرير الوطني الذي يرأسه الرئيس عبد العزيز بوتفليقة سبب اعتماد سعر مرجعي لبرميل النفط بـ50 دولارًا، رغم أن سعر الذهب الأسود قارب 80 دولارًا هذه السنة.

يتخوف البعض من أن يتسبب اللجوء المستمر للتمويل غير التقليدي في رهن مستقبل الأجيال القادمة التي ستجد نفسها مضطرة لمواجهة ديون البنك المركز الجزائري تجاه الخزينة العمومية

ودعا رحيم حكومة أحمد أويحيى إلى اعتماد سعر مرجعي بـ60 دولارًا لبرميل النفط، وتبني الجزائر دومًا موازنتها على أساس سعر البترول، بما أن الجباية البترولية تشكل أكثر من 95% من مداخيل البلاد المالية، وجعل ارتفاع أسعار النفط النائب عن حزب العمال نعوم بلخضر يدعو إلى إعادة النظر في التمويل غير التقليدي بما أن أسعار النفط تحسنت وفاقت 70 دولارًا للبرميل.

وتوجه انتقادات لعملية الاعتماد على التمويل غير التقليدي لأويحيى ليس من طرف نواب المعارضة فقط، إنما أيضًا من أصوات داخل الموالاة، وبالنسبة لعقيلة رابحي المنتمية إلى حزب الرئيس بوتفليقة، فإن قرار طبع النقود قد تسبب في رفع نسبة التضخم "و لم يذهب إلى مشاريع استثمارية بل وجه لتمويل الأجور فقط". 

وقال زميلها في الحزب تيغرسي الهواري: "بدأنا بـ570 مليار دينار سنة 2017 لنصل اليوم إلى 3500 مليار دينار، وهو رقم خطير، أخشى أن نصل إلى أرقام أكبر بكثير سنة 2022"، مضيفًا "بما أن أسعار المحروقات تعرف تحسنًا فعلينا تقليص طبع النقود". 

ويتخوف البعض من أن يتسبب اللجوء المستمر للتمويل غير التقليدي في رهن مستقبل الأجيال القادمة التي ستجد نفسها مضطرة لمواجهة ديون البنك المركز الجزائري تجاه الخزينة العمومية، وهو ما قد يجعل البلاد تعيش وضعًا ماليًا صعبًا شبيهًا بما عاشته في فترة التسعينيات حتى ولو كانت الاستدانة داخلية وليست خارجية.

احتمال

على عكس رؤية الوزير الأول أحمد أويحيى، فإن المدير العام للخزينة العمومية الجزائرية فيصل تدنيت لا يرفض مقترح النواب، في حال استمرار تحسن عائدات الاقتصاد الجزائري، وقال تدنيت: "نظرًا للمعطيات الاقتصادية الجديدة والتحسن الذي تعرفه العديد من المؤشرات الاقتصادية كارتفاع عائدات الجباية البترولية، نظرًا لتحسن أسعار النفط وكذا تحسن عائدات الجباية العادية، من المحتمل أن يتم التخلي عن اللجوء إلى التمويل غير التقليدي ابتداءً من يناير 2019، أو اللجوء إليه بصفة أقل مما كانت عليه في 2018". 

وكشف تدنيت أن الخزينة العمومية تنتظر حاليًّا الأرقام والمؤشرات الاقتصادية المتعلقة بالشهرين المتبقيين من 2018 (نوفمبر وديسمبر) لاتخاذ القرارات المناسبة بخصوص التمويل غير التقليدي مع بداية 2019. 

وحرص تدنيت على التأكيد أن عملية طبع النقود تتم في إطار شفاف، وبيّن أن كل العمليات المدرجة في إطار التمويل غير التقليدي مدروسة ومتابعة من لجنة على مستوى بنك الجزائر تضم إطارات من وزارة المالية والهيئات ذات الصلة مكلفة بمباشرة الإصلاحات الاقتصادية والهيكلية الأساسية لمرافقة هذا التمويل وإعادة التوازن إلى الميزانية. 

عدم تحمس

على عكس مدير الخزينة العمومية، يبدو أن وزير المالية ملتزم برؤية الوزير الأول، وحسب عبد الرحمان راوية فـ"الوضعية المالية للبلاد لا تزال غير مريحة واللجوء للتمويل غير التقليدي يبقى أحسن الخيارات لمواجهة هذه الوضعية". 

وقال راوية: "إذا بقيت الوضعية على حالها سنستمر في هذه الآلية ثلاث سنوات أخرى (بعد 2019) لكن إذا ما غطت مداخيل النفط حاجياتنا فحينها ستتغير وجهتنا"، ولفت راوية إلى أن التمويل غير التقليدي سمح بعدم خفض ميزانية التجهيز إلا بـ440 مليار دينار مقارنة بـ2018، وذلك بسبب تكفله بتسديد ديون سوناطراك وسونالغاز. 

مشكلة الاقتصاد الجزائري لا تتمثل في الاعتماد على التمويل غير التقليدي أو الاستعانة باحتياطي الصرف لسد العجز في الميزانية، إنما تكمن في غياب مخطط اقتصادي حقيقي يخرج البلاد من التبعية لعائدات المحروقات وينهي الاستيراد الكبير ويوقف تهاوي قيمة العملة الجزائرية

ويرى الوزير الأول أحمد أويحيى أن لجوء البلاد لطباعة النقود قد ساهم في تحسين وضعيتها المالية، وقال أويحيى مؤخرًا: "البلاد كانت تعيش العام الماضي وضعًا صعبًا من الناحية المالية، لكن هذا العام البلاد هي أفضل، حتى لو كانت بالديون (التمويل غير التقليدي)".

ونفى أويحيى في أكثر من مرة أن يكون التمويل غير التقليدي قد تسبب في ارتفاع نسبة التضخم مثلما تقول المعارضة أو بعض الاقتصاديين، ويدافع الوزير الأول الجزائري عن تمسكه بخطة طبع النقود بالنفقات الاجتماعية للبلاد، فقد روج في كثير من المرات أنه لولا هذا القرار لحُرم العمال من قبض رواتبهم، ولتوقف صندوق التقاعد عن دفع معاشات المتقاعدين.

وتتضمن موازنة 2019 المنتظر المصادقة عليها من طرف البرلمان كتلة أجور تفوق 2837 مليار دينار لتغطية رواتب 2.2 مليون موظف أغلبهم ينتمون لقطاع التوظيف العمومي.

وحسب مراقبين، فإن مشكلة الاقتصاد الجزائري لا تتمثل في الاعتماد على التمويل غير التقليدي أو الاستعانة باحتياطي الصرفة لسد العجز في الميزانية، إنما تكمن في غياب مخطط اقتصادي حقيقي يخرج البلاد من التبعية لعائدات المحروقات وينهي الاستيراد الكبير ويوقف تهاوي قيمة العملة الجزائرية، وهو المخطط الذي يبدو إلى اليوم بعيد المنال رغم الوعود التي ظل يرددها الرئيس بوتفليقة منذ نحو 20 سنة.