يوم الإثنين الـ12 من نوفمبر 2018، اجتمع خالد اليماني وزير الخارجية اليمني مع المبعوث الأممي إلى اليمن البريطاني مارتن غريفيث بعد أربعة أيام من تهديد الأخير للحكومة اليمنية باستخدام القوة إن لم تتوقف المقاومة اليمنية عن مواصلة تحرير مدينة الحديدة.

ودعا المبعوث الأممي جميع أطراف النزاع في اليمن لوقف الحرب والعودة إلى المفاوضات، واصفًا الحوثيين بأنهم جزء من المجتمع اليمني وحزب له الحق في المشاركة بالدولة اليمنية حسب تصريحه لقناة الحرة الأمريكية، محذرًا من لجوء الأمم المتحدة للقوة لفرض وقف إطلاق النار والعودة للمفاوضات.

تصريحات وتحركات المبعوث الأممي إلى اليمن جاءت بعد أسبوعين من إطلاق قوات المقاومة الوطنية المشتركة وبدعم من تحالف دعم الشرعية عملية عسكرية واسعة في محافظات الحديدة والضالع والبيضاء وصعدة، وتمكنها خلال بضعة أيام من تحقيق انتصارات واسعة وتقهقر مليشيات الحوثيين في معظم الجبهات وخاصة جبهتي الحديدة والضالع.

واستطاعت المقاومة الوطنية المشتركة خلال خمسة أيام من معركة تحرير الحديدة تشكيل عملية أشبه بالفك المفترس لتطويق ميناء الحديدة، وتمكنت من تحرير مناطق واسعة ابتداءً بدوار الكيلو 16 والمطاحن، والالتفاف على مطار الحديدة، ثم شارع صنعاء وتحرير مدينة الصالح وكلية الهندسة، والوصول إلى طريق الشام القريب من الميناء الحديدة بنحو 5 كيلومترات.

العملية العسكرية التي أطلقتها المقاومة الوطنية المشتركة لتحرير مدينة الحديدة

بعد التقدم السريع للجيش الوطني في كل من صعدة ودمت والبيضاء والحديدة، بدأ المبعوث الأممي مارتن غريفيث يتحرك ويقدم المبادرات تلو الأخرى وتارة مهددًا باستخدام القوة، بهدف وقف الحرب المؤقتة في الحديدة واستمرار المعارك في معظم الجبهات المشتعلة، وهو ما يعزز مصداقية الاتهامات التي يوجهها اليمنيون للمبعوث الأممي الذي يسعى بكل السبل لإنقاذ الحوثيين من الهزيمة المحققة.

ويوم الإثنين 12 من نوفمبر 2018، حمل خالد اليماني وزير الخارجية اليمني، رسالة إلى قيادة التحالف العربي في المملكة العربية السعودية وأبلغ أيضًا المقاومة الوطنية المشتركة بإحياء المبادرة التي رفضها الحوثيون في يوليو الماضي والقاضية بتسليم ميناء الحديدة للأمم المتحدة لإدارته مقابل بقاء المليشيات الحوثية فيه، وهي مبادرة كانت الحكومة اليمنية ترفض التعاطي معها عندما كانت المقاومة الوطنية المشتركة على مشارف الحديدة.

كان المبعوث الأممي مارتن غريفيث أول من أطلق مبادرة تدويل إدارة ميناء الحديدة ونزع صلاحية الحكومة اليمنية منه

خالد اليماني أبلغ ذلك أيضًا للمقاومة الوطنية المشتركة التي بدورها رفضت ذلك العرض، معتبرة أن التوقف في الوقت الحاليّ هو خيانة للدماء التي سالت من أجل تحرير الميناء واليمن، مصرة على استكمال مسيرة التحرير للميناء والمحافظة بشكل كامل، معتبرة أن توقف التقدم في الحديدة سيعيد المعارك إلى الصفر.

لمحة عن المبادرة

كان المبعوث الأممي مارتن غريفيث أول من أطلق مبادرة تدويل إدارة ميناء الحديدة، ونزع صلاحية الحكومة اليمنية منه وقطع الطريق عليها للاستفادة منه وتسليم وارداته إلى البنك المركزي اليمني، وصاغ مبادرة تضمن بقاء الحوثيين في الحديدة ووقف القتال فيها.

تتضمن تلك المبادرة إشراف الأمم المتحدة بثلاثة موظفين من قبلها على واردات ميناء الحديدة مقابل انسحاب القوات المشتركة اليمنية (حراس الجمهورية وألوية العمالقة والمقاومة التهامية) من مطار الحديدة والمناطق التي تم السيطرة عليها على امتداد الشريط الساحلي للمحافظة الإستراتيجية والشريان الحيوي للحوثيين، واشترط الحوثيون شرطًا إضافيًا تمثل بأهمية مطار صنعاء الدولي أمام الرحلات المدنية ووقف القصف الجوي وتوريد مرتبات موظفي الدولة إلى البنك المركزي اليمني بالعاصمة صنعاء.

الحكومة اليمنية حينها رفضت هذه المبادرة، واعتبرت أن إدارة الميناء حق سيادي من حقوقها، مطالبة بالانسحاب الحوثي الكامل من محافظة وميناء الحديدة، لكنها أبدت ليونة في ذلك وكان من المفترض أن يتم التفاوض على ذلك في 7 من سبتمبر الماضي بجنيف ولكن الحوثيين رفضوا الحضور.

فحينها وضع الحوثي شرطًا تعجيزيًا، لأنه كان يرى أن مليشياته تسيطر على الأرض، ولا بد أن تكون شروطهم التفاوضية هي الأقوى والمتحكمة في زمام المبادرات أو المشاورات السياسية التي ستنظمها الأمم المتحدة في أي زمان ومكان.

هذا الإعلان جاء متزامنًا مع إحياء مبادرة مارتن غريفيث التي أعلنها في يوليو الماضي، بشأن ميناء الحديدة وتسليم إدارته للأمم المتحدة مقابل بقاء الحوثيين في الميناء وانسحاب المقاومة الوطنية المشتركة من محافظة الحديدة التي أوشكت على التحرير

لكن الحوثيين أعادوا هذه المبادرة مجددًا وهم في موقف المهزوم والمتذبذب، خصوصًا أن الضغط العسكري عليهم من أكثر من جهة ويتم محاصرتهم في مناطق حكمهم، مع سحب بعض المناطق من تحت أقدامهم، إضافة إلى الانشقاقات التي بدأت تصدع الحركة الحوثية.

لماذا الآن؟

أعلنت الأمم المتحدة يوم الإثنين أيضًا بحسب بي بي سي، توقف العمليات العسكرية في الحديدة من طرف واحد، لكن في الواقع لم يكن هناك أي إعلان لوقف إطلاق النار ولو لدقيقة واحدة، لكن الأمم المتحدة يبدو أن لها غرض سياسي لإعلان مثل هذا الخبر، هذا الإعلان أيضًا جاء متزامنًا مع إحياء مبادرة مارتن غريفيث التي أعلنها في يوليو الماضي، بشأن ميناء الحديدة وتسليم إدارته للأمم المتحدة مقابل بقاء الحوثيين في الميناء وانسحاب المقاومة الوطنية المشتركة من محافظة الحديدة التي أوشكت على التحرير.

ولهذا الإعلان سببان رئيسيان، أولهما تمهيد الطريق المتعرج أمام مارتن غريفيث الذي فشل حتى الآن في أن يقدم أي مستوى يثبت أنه الأفضل بين من سبقوه، لكنه يكشف يومًا بعد آخر أنه يعمل من أجل إنقاذ المليشيات الحوثية.

أولًا: يرى المبعوث الأممي أن من خلال هذا الإعلان سيتمكن من فرض وقف إطلاق النار، ومن خلالها سيلزم الأطراف السياسية بالجلوس دون أطر واضحة لمفاوضات أو مشاورات سياسية مباشرة بهدف تسجيل نقطة سياسية في سجله المليء بالتناقضات فيما يخص الأزمة اليمنية.

ثانيًا: لا يبدو أن الحوثيين جادين في ذلك بقدر الأمم المتحدة التي تسعى لتدويل ميناء الحديدة وفرض إدارتها على جزء من اليمن ويقاتل أبناؤه لتحرير الجزء الآخر لتأتي المنظمة الدولية للسيطرة على ما تبقى منه، لكن الحوثيين يسعون لفك الحصار على مليشياتهم المحاصرة داخل أحياء محافظة الحديدة، والمراوغة من أجل إعادة ترتيب صفوفهم.

يبدو الحسم العسكري محسومًا، لضمان تحقيق السلم المحلي والإقليمي وعدم المساس بالهوية اليمنية والعربية وفقًا لتقدير التحالف العربي والحكومة الشرعية

سيراوغ الحوثيون وسيعلنون قبولهم لأي مشاورات سياسية قادمة ليس من أجل إنهاء الحرب في اليمن ولكن من أجل كسر الحصار عليهم وتخفيف وتيرة الهجوم العسكري الذي كسر دفاعاتهم وجعلهم يتقهقرون سريعًا في الجبهات.

الحوثيون مجبرون على ذلك، فالانشقاقات التي بدأت في الجماعة تشير إلى أن هناك موجة قادمة منها، وقد يعجل ذلك بانهيار الجماعة السياسي والعسكري، لذا لجأت إلى مراوغة إحياء المبادرات القديمة؛ لهذا لا نتوقع أن تقبل الحكومة اليمنية ذلك أو المقاومة الوطنية المشتركة، فالموافقة على تلك المبادرة أو وقف الحرب في هذا التوقيت قد يفقد الحكومة اليمنية الثقة الشعبية، وقد يكون لذلك نتائج عكسية على أفراد المقاومة الوطنية وعلى اليمنيين بشكل عام.

سيتولد لدى المقاومة الشعبية هزيمة معنوية، فبعد التقدم الذي أحرزته المقاومة الوطنية المشتركة، وبعد تلك الدماء التي سالت من أجل تحرير الحديدة أو أي منطقة في اليمن، يأتي التفاوض على رفاتهم، وهذا ما قد يؤثر مستقبلًا وتكون نتائجه لصالح الحوثيين الذين سيستغلون ذلك بمزيد من المراوغة والتمكن لحكم البلاد.

غريفيث والحوثيون

مرة أخرى سيفشل البمعوث الأممي وستفشل المفاوضات السياسية كافة نتيجة لما تحمله الجماعة من تقلبات في مواقفها السياسية والعسكرية منذ 2003، والشواهد والأحداث تقول إن الحوثيين لم يقدموا أي تنازلات إلا بالقوة العسكرية، لكن نستبعد أن يتم الحوار السياسي مع الجماعة الموالية لإيران، لأن هذا الطرح يحوى مجازفات عدة بأمن الخليج والسعودية على وجه الخصوص.

فاستمرار الجماعة كقوة عسكرية متحكمة في اليمن، يضع المنطقة أمام سيناريو حزب الله في لبنان، عندها يكون القبول بإيران كجار جنوبي  للمملكة أمر حتمي، والسعودية لن تسمح بتمدد إيراني، وهذا ما يتحدث عنه المسؤولون في المملكة العربية السعودية ويدركون خطر بقاء المليشيات الموالية لإيران تتحكم بمصير اليمن السياسي والعسكري.

لذلك يبدو الحسم العسكري محسومًا، لضمان تحقيق السلم المحلي والإقليمي وعدم المساس بالهوية اليمنية والعربية وفقًا لتقدير التحالف العربي والحكومة الشرعية، وذلك الحسم لن يبدأ إلا بخنق المليشيات من خلال تحرير محافظة الحديدة، وحصارها في جبال صنعاء وصعدة، وإدخالها في مرحلة استنزاف داخلي إلى أن تتوارى وتنتهي تدريجيًا، وتوقيف الحرب في الحديدة من خلال تسليم المدينة والميناء إلى الحكومة الشرعية على عكس ما يأمل به الحوثيون، سيؤدي إلى فرض التفاوض مع الحوثيين بشكل عام والقبول بالحل السياسي وهو ما سيشرعن قوتهم العسكرية ويضمن لهم حصة في الحكم دون دفع كلفة الحرب التي شنوها على اليمن واليمنيين.