نبحث عن الخروج من التعليق على اليومي المتشابه، إذ تفاجائنا وقائع  محبطة مثل واقعة المفكر الذي مثل بنفسه في الأردن "مؤمنون بلا حدود" لينال شهرة أو مالاً من جهة ممولة، فنال تعاطفًا كبيرًا ثم انكشفت الخديعة الفضيحة، فمثل هذه المسرحيات تقطع شهية الكتابة.

لكن يظل السؤال معلقًا.. لماذا يحصل هذا الآن وهنا؟

هناك فكر (أو أسلوب في التفكير) مات ويرفض أن يدفن ويطلق روائح خانقة تمنع التفكير في المستقبل، المستقبل كما نتوقعه أو نتمناه، ففي الكتابة دومًا منطقة للتمني هي الخروج من دوغمائيات القرن العشرين الأيديولوجية التي سادت العالم وانتقلت بالتثاقف العفوي والواعي أحيانًا أو بالتقليد الغبي أحيانًا أخرى إلى المنطقة العربية، فبنت للتفكير أسوارًا عالية وقسمت الناس إلى شيع وأحزاب وصار تجاوز هذه الأسوار معضلة في ذاتها.

أوجست كونت التبسيطي

لقد حدثت ثورة في المنطقة العربية في مفتتح القرن الـ21 أنكرها البعض وآمن بها آخرون وقد فشلت في التقدم وإنجاز التغيير المطلوب في مناطق وهي موشكة على النكسة في مناطق أخرى وذلك بسبب هذه الأسوار الأيديولوجية الراجعة إلى قوالب التفكير في القرن العشرين، وبالتحديد تقسيم العالم طبقًا لفكر أوجست كونت الوضعي التبسيطي.

وقع مفكرون عرب في أسر هذه الترسيمة السهلة، متجاهلين كل تنوع وتعدد في الفكر عبر التاريخ الثقافي للعالم

العالم عند كونت مقسم إلى رجعيين (لاهوتيين) وتقدميين (وضعيين)، كانت تلك إحدى أهم ثمرات فكر الثورة الفرنسية التي قادت العالم إلى حرب دينية جديدة وإن أنكرت دينيتها، لقد قتلت ربًا وخلقت آخر، وقالت إن الرب الجديد هو المستقبل في العلم ومنها توالدت أفكار كثيرة وتقسيمات فكرية جعلت كل أصيل رجعي وكل لا ديني تقدمي، وكان اليسار في العالم عصب الفكر اللاديني الذي سيحتكر في لحظة من القرن العشرين صفة التقدمية وينزعها عن كل خصم ويصمه بالرجعية والتخلف والظلامية وهي مصطلحات تتوالد من بعضها بروح إقصائية.

وقع مفكرون عرب في أسر هذه الترسيمة السهلة، متجاهلين كل تنوع وتعدد في الفكر عبر التاريخ الثقافي للعالم، فكان أن انقسمت الساحات الفكرية العربية إلى تقدميين يملكون الحقيقة ويمسكون مفاتيح أبواب المستقبل ورجعيين عليهم أن يموتوا ليفسحوا المجال للمستقبل.

سرقت الأنظمة العربية التي حكمت في النصف الثاني من القرن العشرين الكثير من تقدمية التقدميين ومارست بها سلطة إقصائية على اليسار التقدمي وعلى اليمين (الموصوم بالرجعية)، ولكن الأنظمة وصلت نهاية سرديتها وسقطت أخلاقيًا وفكريًا وبقي التقسيم رغم ذلك بين معارضي الأنظمة يقصون بعضهم بعضًا، فتجد فلول الأنظمة وسيلة عيش في اختلافهما حول المعاني وحول الأفعال المؤدية فعلاً إلى المستقبل.

قدم الموصومون بالرجعية حججًا كثيرة لخصومهم دللت على أنهم يعيشون فعلاً خارج القرن العشرين، وكان لأنظمة النفط نصيب وافر من تلك الحجج ليس أدناها منع المرأة من قيادة السيارة (لا نجد غضاضة في مقارنة أنظمة الخليج العربية وخاصة نظام آل سعود بنظم الكنيسة المسيحية في العصور الوسطى الظلامية فعلاً).

صار من الضروري الدخول الجدي في مرحلة نقد التقسيمات الأيديولوجية التي سادت القرن العشرين عربيًا

في المقابل قدم مالكو الفكر التقدمي حججًا وافرة على عدم احتمالهم أي نقاش مع تراث شعوبهم التاريخي، لقد تكبروا على كل أصيل وحسموا المعركة قبل خوضها مما جعلهم يعيشون في برج عاجي تقدمي طاهر من كل لوثة دينية (ظلامية)، فكانت القطيعة الكاملة لمدة نصف قرن بين كل تقدمي مزعوم ورجعي موصوم، فلما أن أربعت وظن الناس أنهم قاطفو ثمرة الحرية تبين أن التقسيم السابق لا يزال أقوى من كل ثورة بل إنه موطن الثورة الحقيقي، إذ لم تكن الأنظمة الحاكمة إلا عمالقة من كرتون سقطت بأول نفخة ريح ثورية.

وكان من نتائج التقسيم انحياز التقدميين للأنظمة الساقطة نكاية في الرجعيين الظلاميين حتى لم نعد نعرف من الرجعي فعلاً ومن التقدمي، ووصل الأمر بالتقدميين العرب إلى مسرحة يونس قنديل ومسرحية التعاطف معه عبر الوطن العربي.

كسر الأسوار للخروج من القرن العشرين الأيديولوجي

لقد صار من الضروري الدخول الجدي في مرحلة نقد التقسيمات الأيديولوجية التي سادت القرن العشرين عربيًا، مثلما تفعل ذلك مركزيات الفكر في العالم، حيث لم تعد تلك التقسيمات فعالة وصار الحديث عن الحداثة السائلة والثقافة السائلة أفق تفكير جديد ومختلف يفرض المراجعة من الأساس.

اللحظة الراهنة تثبت لنا أن التقدمي لم يعد تقدميًا والرجعي (الظلامي) لم يعد وتد الشد إلى الوراء كما ساد في التقسيمات السابقة، فانهيار الثورة المصرية تحت البوط العسكري والمال النفطي كشف أن التقدميين العرب لم يفلحوا في الخروج من قوقعتهم الأيديولوجية بل تراجعوا إلى أدنى من خدم العسكر المبررين لكل المظالم، وذهب بهم الأمر إلى إنكار جرائم آل سعود (وآخرها جريمة خاشقجي) لأن خصمهم الأيديولوجي (الذي انحصر في تيار الإخوان المسلمين ومن معهم ولم يعد كل فكر ديني رجعي كما كان سائدًا في خطابهم طيلة القرن العشرين) خسر في هذه المعركة وهم يسعون إلى المزيد من خسارته ولو خسروا بالتبعية كل مصداقية لخطابهم التقدمي.

كان الربيع العربي على وشك وضع الأسوار الفكرية القائمة في موضع الهدم (جدار برلين العربي) وكان الشارع العفوي قد جاء بمعاوله لكن الحواجز الأيديولوجية (التي لها مبان حزبية) وقفت حائلاً بينه وبين مستقبله

هذا الاصطفاف ليس تقدميًا ولا حرًا، بل رجعية جديدة بلباس تقدمي يساري غالبًا وليبرالي أحيانًا، فالمهم هو المعركة الحزبية السياسية المباشرة (كطريق للسلطة ومنافعها) دون مشروع حقيقي للتقدم.

على الجانب الآخر لا يفلح تيار التأصيل (الهوية) في الخروج إلى حالة فكرية جديدة تأخذ بعين الاعتبار أن حاجة الناس اليومية (الغذاء والأمن والحرية) مقدمة على تطهير السلوك التعبدي (الإيماني) الذي كان ركيزة الخطاب الديني والسياسي لهذا التيار، حيث تكلست حركات سياسية ومفكرون كثر في نقطة (حفرة) واحدة جعل الناس مؤمنين ولو بقوا فقراء ومرعوبين ومقهورين، هذا الاصطفاف بدوره رجعي ومتخلف عن المرحلة وحاجاتها فهو ثقافة صلبة لا سائلة على رأي بومنت.

كان الربيع العربي على وشك وضع الأسوار الفكرية القائمة في موضع الهدم (جدار برلين العربي) وكان الشارع العفوي قد جاء بمعاوله لكن الحواجز الأيديولوجية (التي لها مبان حزبية) وقفت حائلاً بينه وبين مستقبله، فوجد نفسه يرتد إلى صراعات القرن العشرين برمتها، فأجبر على تناسي مستقبله لينشغل مرة أخرى بماضيه.

ما يجري الآن في تونس ومصر وسوريا وليبيا هو صراع قديم مميت لكل أمل، إنه بكل بساطة يحمل أسلحة القرن العشرين المدمرة، بخلفية أوجست كونت لا بعقل زيجمونت بومون.

تسييل الحواجز

انتهت المقولات الكبرى إلى الفشل وشهد الربيع العربي على ذلك (بهذا المعنى هو ثورة فكري تقدمية)، فالتيارات الفكرية العربية الأربعة كما يصفها الجابري (اليسار والقوميين والإسلاميين والليبراليين) فشلت كلها في التقدم بشعوبها كل من موقعه، وتصر على الفشل في مرحلة تقتضي مراجعة المسلمات وقواعد التفكير في المستقبل.

ما يجري الآن في تونس ومصر وسوريا وليبيا هو صراع قديم مميت لكل أمل، إنه بكل بساطة يحمل أسلحة القرن العشرين المدمرة، بخلفية أوجست

يعرف هؤلاء أن التقدم بهذه الطريقة مستحيل والجميع يقول في سره (وهذا حسن ظن مني) إن المراجعة صارت ضرورية لأن الجميع يختفي خلف مكتسباته منتظر أن يتغير الآخرون في اتجاهه وهكذا لا تولد تلك الحالة الشجاعة للبدء في التغيير وتسييل الحواجز للسماح للناس بالمرور بين التيارات واختبار الأفضل منها والعمل معه وله لبناء المستقبل معه.

إنها لحظة فارقة لن يجدي فيها مسرحة الأمل على طريقة يونس قنديل المؤمن بلا حدود بمال إماراتي نفطي رجعي.

هنا نقطة بداية، هنا ينتظر الناس (وقود الثورات) أن تفعل النخب المفكرة شيئًا يستحق الاحترام، حتى اللحظة لا نجد إلا حيل السيد قنديل وموجة التعاطف الحداثي معه في أوساط جامعية تبيع أوجست كونت وتقسيماته المفوتة، وتخشى أن تختفي القواقع فتنكشف ظهورها للبرد والريح والتغيير، ولعل في قصر الكذبة وسرعة انكشافها دليل على طريقة عمل النخب التقدمية المتكلسة.

لقد كتبنا كثيرًا عن الأمل في انهيار الحواجز، ولكن أعتقد أن الأمل معقود بفناء نخبة وميلاد أخرى خارج فكر كونت والثورة الفرنسية التي تلح في البقاء في زمن سائل لم يعد يقر لأحد بمجد إلا مجد الفعل والإنجاز.