جولتنا اليوم في مدينة تاريخية، من أقدم مدن المغرب وأكثرها أهمية، تعتبر متحفًا أثريًا طبيعيًا لما فيها من معالم وأوابد أثرية مهمة، إنها مدينة آسفي، أغنى المدن الأثرية التي ازدهرت فيها الحضارات المختلفة التي مرّت على المغرب، بناها الأمازيغ وسكنها العرب واحتلها البرتغاليون وأحبها الفرنسيون، إنها مدينة حيرت الدارسين والمحبين لها، هي مربط القارات ومعبَر الرحلات ورمز للحضارة والمدنية والسلام، إنها بتعبير أفلاطون المدينة الفاضلة.

آسفي واحدة من أجمل المدن المغربية، التي وصفها الرحالة والمؤرخ المغربي"ابن بطوطة" بمدينة السمك والخزف وحاضرة المحيط، وتبعد عن العاصمة الاقتصادية بنحو 236 كيلومترًا تقريبًا، ولها طرق تذهب إليها إما عن طريق الساحل انطلاقًا من الجديدية مرورًا بالوليدية ثم إليها، والطريق الآخر عن طريق الخميس زمامرة وزاوية إسماعيل، ثم ثلاثاء بوكدرة ثم آسفي.

آسفي عبر التاريخ

مدينة آسفي

يعود اسم آسفي إلى اللغة الأمازيغية، وهناك اختلاف في تفسيره، فبعض الباحثين فسروه على أنه "أسف" أو "المصب" التي تعني مجرى مائي، وبالفعل فإنها مدينة يخترقها وادي الشعبة (أسيف) ويصب فيها، والبعض الآخر فسر الاسم على أنه "منارة الضوء"، وربط الإدريسي أصل اسم المدينة في كتابه المشهور "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق"  بقصة فتية سماهم المغررين، خرجوا من أشبونة (لشبونة) وركبوا البحر المظلم ليقفوا على نهايته فوصلوا إلى موضع أسفي، ولما رآهم جماعة من الأمازيغ، وعرفوا أمرهم، قال زعيمهم وا آسفي تحسرًا على ما قاسوه فسمي المكان بتلك الكلمة.

وقد ظلت ذكرى الفتية المغررين محفوظة في ذاكرة لشبونة، يشهد عليها حي سمي باسمهم، بيد أنه من الجدير التنبيه إلى أن القصة المتعلقة بهؤلاء الفتية لم ترد عند الإدريسي في معرض ذكر آسفي، وإنما اكتفى بالإشارة إلى علاقة اسم هذه المدينة بتلك القصة، وقال إنه سيذكرها في مكانها اللائق، ويجوز على هذا الأساس أن نفهم أن صحة علاقة هذه القصة بآسفي أو عدم صحتها، لم تكن محط نظر هذا الجغرافي الفذ، وإنما كان اهتمامه منصرفًا لما هو أعظم من ذلك، وهو قصة الكشف الجغرافي عامة والبحري خاصة.

وتقع مدينة آسفي على ساحل المحيط الأطلسي، بين مدينتي الجديدة والصويرة، وأراضي الإقليم تغطي مساحة 6344 كيلومترًا مربعًا، وتتميز المنطقة نسبيًا بتضاريس منبسطة، لا يزيد ارتفاعها عن سطح البحر إلا بـ500 متر.

واختلف الباحثون والمؤرخون في أصل نشأتها وعلى يد من تم بناؤها، فمن قائل إنها مدينة بربرية، وقائل إنها مدينة فينيقية، وقائل إنها مدينة كنعانية، وقائل إنها مدينة إسلامية، وآخر أنها مدينة إفريقية، غير أن المتعارف عليه تاريخيًا أن منطقة آسفي كانت مسكونة منذ القدم من طرف قبائل مصمودية بربرية، وفي هذا المجال يشير ابن خلدون إلى أن استقرار البربر بالمنطقة كان منذ أحقاب متطاولة لا يعلم قدرها إلا الله، وكانت آسفي مركز إشعاع حضاري وثقافي وعلمي، ومركزًا للعديد من الدويلات الإسلامية، وأشهرها الموحدين والمرينيين، حيث عرفت في عصرهم حركية علمية وأدبية متميزة، وقد اتسعت دائرتها في القرن الثامن الهجري من خلال زيارة اثنين من الأعلام خلداها بكلام يعطينا صورة جميلة عن المدينة، يتعلق الأمر بلسان الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله المشهور بابن الخطيب السلماني، وكذا بأبي العباس بن حسن القسنطيني المشهور بابن قنفذ.

خَبَرت آسفي الشأن البحري قديمه وحديثه وأهواله وفنونه وعلومه، فهو قطاع حيوي بالنسبة لسكان آسفي الذين تعلموا أصوله وورثوها لأبنائه

جاء ابن الخطيب إلى آسفي، فبهرته بجمالها وصفاء بيئتها ووعي أهلها، وبذلك وصفها من الناحية العمرانية والحضرية قائلاً: "وعليها مسحة من قبول الله، وهواؤها أطيب أهوية البلدان..."، ثم يضيف وصفًا مسجوعًا في مدينة آسفي بقوله: "لطف خفي وجناب خفي ووعد وفي، ودين ظاهره مالكي وباطنه حنفي، الدماثة والجمال والصبر والاحتمال والزهد والمال والسذاجة والجمال، قليلة الأحزان، صابرة على الاختزان، وافية المكيال والميزان، رافعة اللواء بصحة الهواء، بلد موصوف برفيع ثياب الصوف، وبه تربة الشيخ أبي محمد صالح، وهو خاتمة المراحل لمسورات ذلك الساحل".

أما ابن قنفذ القسنطيني، فقد وصف هو الآخر مدينة آسفي في كتابه "أنس الفقير" قائلاً: "وهذا البلد آخر المعمور في الأرض من الجانب الغربي، ويرده أهل الله تعالى"، وهكذا يبدو من خلال كلام هذين الأديبين الكبيرين ما كان بمدينة آسفي من حركة علمية وثقافية خلال القرنين السابع والثامن الهجريين.

آسفي حبلى بالكنوز التاريخية برًا وبحرًا

ساحل مدينة آسفي

كان تأثير البحر بارزًا في تاريخ المغرب الذي ارتبط  بالحياة البحرية أشد الارتباط، وهو ما ذكره الحسين بولقطيب في كتابه "المغرب والبحر خلال العصر الوسيط" بالقول: "لقد ارتبط تاريخ المغرب منذ أقدم حقبه وعصوره بالبحر، ولهذا السبب بالذات، فإن أي قراءة لهذا التاريخ لا تستحضر العمق البحري للمغرب تعد ناقصة إن لم تكن غير ذات جدوى".

واختارت آسفي الجوهرة الراقدة على شواطئ المحيط الأطلسي، أن تتموضع وتستقر وتتوسع عبر ما تعاقب عليها من عصور ودول، على حرف خليج بحري دائري وواسع، يطل على هذا المحيط الصاخب والمترامي الأطراف، الذي وسمته كتب الجغرافية والتاريخ غابرها وحديثها، قبل استكشاف مجاهله وقياس أبعاده، بالعديد من المسميات والنعوت، اشتهر منها: بحر الظلمات والبحر المظلم والبحر الكبير والبحر المحيط، مما جعلها تشهد رحلات واكتشافات ومغامرات بحرية، بما فيها القديمة والغابرة والحديثة، ونذكر منها ثلاث رحلات متباعدة في الزمان، وهي رحلة حانون التي كانت آسفي واحدة من محطاتها الرئيسية، ثم رحلة المُغَررين وكانت آسفي خاتمتها الحزينة، وأخيرًا رحلة رع وكانت آسفي نقطة انطلاق نجاحها.

كانت مدينة آسفي في عهد الدولة الموحدية مرفأ تجاريًا وعسكريًا مهمًا لاستقبال السفن القادمة من الأندلس

ومع توافد جالية إنجليزية كبيرة على المدينة، أقام بها الإنجليز مركزًا تجاريًا ثم أنشأوا في القرن الـ19 مخزنًا لتجميع كل ما يصدر من آسفي إلى إنجلترا، من السكر والذهب والجلود والثمر والشمع واللوز وريش النعام، يقول عبد العزيز بن عبد الله في كتابه "تاريخ المغرب": "كان ميناء آسفي مهمًا للتبادل التجاري بين المغرب والإنجليز، من أجل اقتناء الأسلحة وتوزيعها على المجاهدين ضد الوجود البرتغالي، كما كان التجار الهولنديون يقومون بنشاط تجاري مهم، يمدون المغاربة بالعتاد الحربي وقطع السفن ومدافع البارود".

هذه الأهمية لميناء آسفي يمكن استخلاصها من نص الجغرافي العربي الشريف الإدريسي في كتابه "نزهة المشتاق"، حيث قال: "آسفي عليها عمارات وبشر كثير من البربر والمراكب تحمل منها أوساقها"، وفي نفس السياق يقول المؤرخ البكري: "وتسير السفن من ساحل نول إلى سوس، ثم إلى مرسى أمكدول، ثم إلى مرسى كوز، ثم إلى آسفي".

وكانت مدينة آسفي في عهد الدولة الموحدية مرفأ تجاريًا وعسكريًا مهمًا لاستقبال السفن القادمة من الأندلس، وقد أشار الكاتب محمد عنان في كتابه "عصر المرابطين والموحدين في المغرب والأندلس" إلى ذلك بقوله: "استاق أمير موحدي أسرى مسلمين من قادس إلى ثغر آسفي، حيث قام الأهالي بافتداء الأسرى وتسريحهم".

وفي العصر المريني خلال القرن الـ14 الميلادي، أصبحت مرسى آسفي موردًا رئيسًا لبيت المال، قبلة تجار الأندلس والتجار المسيحيين، ومنهم تجار إيطاليون من جنوة وغيرها، وأصبحت آسفي بفضل حركتها التجارية مرجعًا رئيسيًا للتجار المسيحيين بالنسبة للمكاييل وعمليات صرف المسكوكات الذهبية والفضية، وغَذَت موردًا رئيسًا لتغذية بيت مال الدولة من مداخيل ضرائب التجارة، من أعشار ومكوس.

أضحت آسفي تكتسي أهمية قصوى ضمن الإمبراطورية التجارية البرتغالية على اتساعها، وازدادت مكانة آسفي التجارية لدى البرتغاليين بعد تنظيم المبادلات بساحل الذهب (اشين ولامينا)

وخلال القرنين الـ15 والـ16 أصبح مرسى آسفي من أكثر الموانئ المغربية استفادة من تجارة البرتغال مع إفريقيا السوداء، تصدر منها الحبوب والخيول والشمع والجلود والمنتجات والنيلة والصمغ، اشتهرت المدينة بالأخص بنسج الصوف أكسية وحياكا وحنابل، إذ أصبح بإمكان المدينة أن تزود كل تجارة سواحل إفريقيا بما تحتاجه من سلع، وتروج كل ما يجلب إليها عن طريق البرتغال من الهند، من صمغ وبخور ومنتجات حريرية، وبذلك تحول ميناء آسفي إلى محطة تجارية بين غانا والبرتغال، بسبب تزايد نفوذ البرتغال في عهد الملك جان الثاني، هذه الأهمية التجارية تفسر اهتمام البرتغال باحتلال آسفي.

وغذت آسفي بذلك عاصمة أقاليم الجنوب، والمُحْتكرة للتجارة الأوربية في جنوب المغرب، وقد أثارت هذه الأهمية اهتمام فرنسا وأطماعها فحاولت احتلال آسفي وموقع الصويرة والوليدية، كما أثارت اهتمام الإنجليز، فعملت على الحصول على إذن من السلطان للتجار الإنجليز باستعمال مرسى آسفي، وورد هذا الاتفاق في نص الاتفاقية المغربية الإنجليزية لسنة 1631.

الموروث الإنساني الهندسي أو التراث متعدد القيمة الرمزية والدلالة


نظرًا لأهمية الحفاظ على المناطق التراثية لدى الشعوب والأمم، كونها ذاكرة جماعية تختزل هوية الإنسان وأمجاده، لما تمثله هذه المناطق من ثروة قومية نظرًا لما تحمله من قيم تاريخية وثقافية واقتصادية واجتماعية، اعتبارًا لذلك، من الضروري حفظها وإيصالها سالمة إلى الأجيال القادمة، فهي تكتسي أهمية خاصة، لأنها تولّد فينا إحساسًا معينًا، أو لأنها تجعلنا نشعر بالانتماء إلى شيء ما، إلى وطن أو تقاليد أو نمط حياة.

وقد يكون هذا الثراث المادي منه أو اللامادي، سواء من النوع الذي يمكن حمله أو قد تكون بنايات تصلح أن تُستكشف أو أغنيات قمينة بأن تغنّى أو أقاصيص تستحق أن تروى، ولكن مهما كان الشكل الذي يتخذه هذا الثراث فهو يمثل جزءًا من حضارتنا، وهذا التراث يتطلب منا بذل جهد فعال من أجل صونه وحمايته.

تعتبر صناعة الفخار في المغرب، واحدة من أقدم الصناعات اليدوية، حيت تمزج بين التراث البربري من جهة والتراث المغاربي من جهة أخرى

وشكلت مدينة آسفي عبر العصور ملتقى لكل الثقافات العالمية، حيث تميزت بالتعددية التراثية التي ما زالت تحتفظ بها إلى اليوم انطلاقًا من التاريخ القديم مرورًا بالثقافة الأوروبية التي يجسدها البرتغال وإسبانيا وفرنسا وبالثقافة الإفريقية والأمازيغية إلى جانب الثقافة الأمريكية.

آسفي.. عاصمة الفخار المغربية


تعتبر صناعة الفخار في المغرب، واحدة من أقدم الصناعات اليدوية، حيث تمزج بين التراث البربري من جهة والتراث المغاربي من جهة أخرى، وتواصل صمودها رغم رياح التغيير، محتفظة بروادها ومستخدميها.

وتشتهر منطقة آسفي المطلة على وادي الشعبة الذي يعد منبع الطين الذي ترتكز عليه صناعة تقليدية "صناعة الفخار"، وتنتشر فيها العديد من المصانع المخصصة لمزاولة هذه المهنة، ويمارس العشرات مهنة تصنيع العديد من الأواني المصنوعة من الطين عن طريق اليد أو عن طريق العجلة وهي "آلة تدار بالقدم عن طريق السير"، كما توجد عدة تقنيات مستخدمة لتزين قطع الطين في أشكال زخارف وديكورات، حيث غزت منتجات حرفييها الذين يتوارثون هذا الفن أبًا عن جد، عدة عواصم عربية وغربية، وزينت بها قصور ملوك وأمراء، واحتلت الكثير منها جنبات المتاحف العالمية، بالإضافة إلى التجارة التي تشتهر بها المدينة منذ قرون، وبفضلها نالت لقب "عاصمة الفخار،" وكان أول من صنع الخزف بمدينة آسفي - بحسب بعض النصوص التاريخية - البحارة الفينيقيون الذين كانوا يستقرون بها، ليستمر أهل المدينة الأمازيغ والعرب منهم، بتطوير الحرفة وإدخال التعديلات عليها، من زخرفة وتلوين وتشكيل بحسب الحاجة.

ويمثل الخزف أهم الحرف التقليدية بالمدينة وتراثًا ثقافيًا وسياحيًا لها، يشغل نحو 2000 شخص بشكل مستمر وعددًا كبيرًا من العمال الموسميين، وتتمركز هذه الصناعة في حي الشعبة القريب من الوادي الذي أسس من أجل احتضان العدد المتزايد من حرفيي الخزف، حيث يوجد بها نحو 100 خزفي يمارسون عملهم في 74 ورشة مجهزة بـ130 فرنًا تقليديًا، ثم هضبة الخزف التي تعتبر أقدم حي في المدينة، بالإضافة إلى منطقة سيدي عبد الرحمان مسعود التي تتوفر على 30 ورشة موزعة على المنطقة.

وفي هذه المناطق تصنع الأواني وتنقش وتزين، في مراحل كثيرة ما يتطلب وقتًا كبيرًا، لعرضها جاهزة بأسعار أصبحت اليوم بخسة، وهو ما جعل خزف آسفي يحتل مكانة عالمية، وجعل آسفي تعتبر مدينة الخزف بامتياز في المغرب، وبين الأواني والديكورات الخزفية التي صممتها أيادي فناني المدينة، بألوان متنوعة ومتناسقة، يقف الزائر عاجزًا عن الاختيار، ويتطلب منه الأمر عدة ساعات من التفكير والتنقل من متجر إلى آخر.

يبقى الخزف الشيء الوحيد المشترك بين ماضي وحاضر هذه المدينة، وأيقونتها التي تجلب الحظ وتجذب السياح.

وفي تصريح لموقع لواء آسفي، أخبرنا سي محمد الذي  يملك محلًا لبيع القطع الخزفية في سوق الخزف بمدينة أسفي: "لقد دخلت هذه الحرفة  منذ طفولتي، وقد توارثنا هذه المهنة"، ويضيف سي محمد: "تعتمد مهنة صناعة الأواني الفخارية، على المهارة والسرعة التي يجب أن يتمتع بهما كل من يعمل في هذا المجال، وأن تكون لهم تجربة طويلة في الميدان، ويبتكرون أشكالًا جديدة مع مرور الأيام، لكن من دون أن ينسلخوا عن الجذور الأصلية التي تركها الأجداد، وجعلوها أساسًا لا يمكن المساس بها عند صناعة الخزف الآسفوي الذي يحمل طابع الأصالة المغربية التي لا تخطئها العين، إنها صناعة تقليدية لكنها تمثل جزءًا مهما من حضارة وتراث المغرب، وحتى الآن ما زالت هذه المهنة رائجة ولديها زبائن كثر.

وعن الطريقة التي يعتمدونها لصنع الأواني الفخارية من الطين، يقول المتحدث نفسه، نعتمد على مادة أساسية وهي التربة الصلصالية الذي تحول من حجر ضخم تم وضعه في أحواض وصهاريج من الماء إلى مادة لينة، ليوضع بعدها لمدة يوم وليلة تحت أشعة الشمس من أجل تجفيفه، وبعد تجهيز الطين يوضع على أحواض كبيرة، ويقسمه العمال إلى قطع بحسب الحجم المطلوب صنعه، وعند الانتهاء منها توضع القطعة في مكان مظلل لمدة يومين حتى لا تتشقق، ومن ثم توضع في فرن حراري درجته 900 ويعتمد أصحاب مصانع الفخار على أفران تعتمد في عملها على الطريقة القديمة التقليدية باستخدام الحطب، وتبنى الأفران أيضًا من الطين على شكل كوخ مغلق وبه فتحتان، إحداهما أرضية لإدخال الحطب وإشعال النار فيه، والأخرى في أعلى الفرن لإخراج الدخان، حيث تشوى فيه لمدة سبع ساعات قبل أن يطفأ الفرن، ويبقى الفخار فيه لمدة يومين أو ثلاثة أيام حتى يبرد، ومن ثم تنقل إلى الدولاب اليدوي حيث يجلس الحرفي "المعلم" ليقوم بعملية صنع الفخار، ثم عرض الأشكال الخزفية على "الزواقين"، أي الرسامين الذين يتفننون ويبدعون في رسومات تعود جذورها إلى الإرث الثقافي الإسلامي، بطريقة الحفر أو استعمال التلوين الزيتي المناسب.

ومع أن سوق الصناعات الفخارية  بالمدينة لا يزال يستقطب عددًا لا بأس به من المهتمين بالتراث والموروثات القديمة، إلا أن أصحاب المهنة   يشكون من ركود مسَّ صناعة الخزف وعدة صعوبات تتمثل في قلة العمال المهرة لمهنة تعتمد أساسًا على الخبرة والمهارة العالية، كما أن العائد المادي لصناعة الفخار لم يعد كافيًا لمواصلة هذه المهنة، إذ تباع معظم المنتجات الفخارية بأثمنة بخسة، ورغم ذلك كله، يبقى الخزف الشيء الوحيد المشترك بين ماضي وحاضر هذه المدينة وأيقونتها التي تجلب الحظ وتجذب السياح.

المعالم الأثرية لمدينة آسفي

تعتبر مدينة آسفي إحدى أقدم وأعرق المدن المغربية وإحدى أهم العواصم التاريخية التي ساهمت بقسط وافر في صنع أحداث تاريخ المغرب قبل الفتح الإسلامي ارتباطًا بالموقع الإستراتيجي المهم الذي توجد فيه والمطل مباشرة على مياه المحيط الأطلسي، حيث وصفها المؤرخ ابن خلدون بـ"حاضرة البحر المحيط"، التي كان لها الدور الكبير في قيام وسقوط الدول المتعاقبة على حكم المغرب الإسلامي.

كل هذا يحتم منطقيًا أن تكون مدينة المآثر التاريخية الخالدة والتراث المعماري الزاخر الناطق بعظمة الماضي وإبداع الأجداد، ذلك أن المعمار إضافة إلى كونه مجالاً تعبيريًا إبداعيًا يحمل جملة من الرموز والمصطلحات متعددة المعاني، فهو في الوقت ذاته انعكاس صادق لحياة المجتمع الذي أنتجته: السياسة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، حتى إنك قد تقف لبرهة وتطرح على نفسك ذلك السؤال التقليدي الذي خطر على ذهن العديدين ممن زاروا آسفي لأول مرةٍ، أي الحقبتين أكثر تأثيرًا في بلد لم ينس وهو يبني شوارعه وأحياءه الحديثة ويبهر العالم بإنجازات أسطوريةٍ، أن يلتفت إلى قديمه من بيوتٍ وأسواقٍ وحصونٍ ومتاحف ليعيد ترميمها وإصلاحها حتى تظل على الدوام عنوانًا للأصالة وشاهدًا على عظمة الأسلاف وملاحمهم، قديمٌ ستشعر بأهميته حتمًا وأنت تتجول بين ثنايا مدينة التراث العالمي، والغوص في المدينة القديمة ومشارف البحر التي يعود أغلبها إلى الاستعمار البرتغالي.

تلك النافذة الفريدة على تاريخ الغوص والصيد البحري بآسفي، وحلقة الوصل بين الأحفاد والأجداد، بفضل موقعٍ متميزٍ بجوار قصر البحر الذي يوجد في مواجهة المحيط الأطلسي الذي يتميز بإطلالته الرائعة على البحر وعلى ميناء الصيد البحري، تم تشييده سنة 1508 ويأخذ طابع الفن المعماري الإيمانويلي الذي يعتبر من أرقى الفنون المعمارية البرتغالية، وذلك ليكون بمثابة حماية للمدخل الشمالي للميناء، بالإضافة إلى أنّه المقر الخاص بإقامة عامل المدينة، ويتكون من ثلاثة أبراج ويظهر شامخًا في قلب المدينة القديمة على مساحة تقدر بـ3900 متر مربع، وكان يلعب إبان الاستعمار البرتغالي دور الدفاع العسكري من خلال تصميمه الذي يشبه القلعة الحربية بعدما صنف ضمن المآثر التاريخية بظهير 7 من نوفمبر 1922 الموافق 17 ربيع الأول 1341، والمنشور بالجريدة الرسمية عدد 526 بتاريخ 21 من نوفمبر 1922.

 وقد أعيد ترميم هذا القصر عام 1963، وقلعة "القشلة" التي تطل على المدينة القديمة وقصر البحر، أسست من طرف البرتغال من أجل حماية المدينة، ليصبح بذلك من المعالم الأثرية التي يأتي لزيارتها أعداد كبيرة من السائحين، كما أنه ما زال يحمل مدافع نحاسية من صنع هولندي تعود إلى القرن الـ17 وتحمل اسم السلطان مولاي زيدان.

تعتبر آسفي عاصمة للموسيقى العيطية المغربية، البدوية النشأة والكلام

من بين هاته المآثر المعروفة لدى ساكنة، والموجودة بموقع القصبة التي توجد بدورها في موقع إستراتيجي مهم وتم تشييدها في عهد الموحدين التي سبق وأن تم احتلالها من البرتغاليين في أثناء احتلالهم لآسفي بين سنتي 1508 و1514، يوجد المتحف الوطني للخزف الذي تم تشييده سنة 1990، وصومعة الجامع الكبير التي تعود إلى العهد الموحدي، وتعتبر بذلك من أقدم المباني التاريخية بآسفي، وقد تم بناؤها من جديد في عهد السلطان سيدي محمد بن عبد الله سنة 1807، ولعل أهم حدث عرفته المدينة في تاريخها ذلك المتعلق بالقائد الإسلامي عقبة ابن نافع الذي فور وصوله إليها ترك بها صديقه شاكر لتعليم الأمازيغ اللغة العربية والتعاليم الإسلامية.

تضم القصبة قصر المولى هشام ابن السلطان سيدي محمد بن عبد الله، حيث يعرف هذا القصر باسم الباهية، وباعتبار هذه المعلمة تأخذ نموذجًا يمتزج فيه الفن المعماري المغربي والأندلسي فقد أطلق عليها اسم دار السلطان، وهي من بقايا آثار الدولة الموحدية، عرفت عدة تغييرات في العهد البرتغالي وعهد الدولة العلوية، شيدت على ربوة عالية تشرف على جميع واجهات المدينة، وتضم البرج الكبير وقصر الباهية الذي يحتوي على غرفتين للملك سيدي محمد بن عبد الله العلوي.

بالإضافة إلى دار البارود التي توجد على بعد 300 متر من دار السلطان، كانت مركزًا لجمع الذخيرة والمعدات الحربية، تزينها نقوش وزخارف تفصح عن قيمتها المعمارية، وأصبحت حاليًّا متحفًا لرحلة راع البحرية، بالإضافة أيضًا إلى رباط شاكر وزاوية سليمان الجزولي ودار القائد عيسى بن عمر ومدينة تغالين، وغيرها من المعالم الأثرية التي تعد  إرثًا تاريخيًا وثقافيًا يتعين حمايته من التلف والاندثار وتأهيله وترميمه من متخصصين في علم الآثار، وتحويله إلى مركز إشعاعي وثقافي واستثماره في التنمية السياحة بالمنطقة.

طرب العيطة بآسفي.. تراث فني متعدد الروافد ومتنوع الأنماط


آسفي! مدينة عشقت العزف على أوتار الماضي، فصنعت لنفسها لحنًا خلابًا يأسرك إليه بفضل ذلك المزيج الاستثنائي بين موروث قديم وحاضر معاصر، إذ تنفرد، كحاضرة متعددة الأعراق، بأشكال وتعابير موسيقية أصيلة، كافن العيطة الذي يشكل واحدًا من أهم الأحداث في تاريخ بلادنا، وتعود شهرة العيطة بآسفي إلى ارتباطها بأحداث تاريخية خلال نهاية القرن الـ19، حيث كانت منطقة عبدة تحت رحمة القايد عيسى بن عمر انطلاقًا من قصبته التي ما زالت أطلالها قائمة شمال شرق المدينة، ومن خلال ما تواتر من قصص شهيرة لشيخات مع قياد متسلطين، خلدت أحداثًا وعبرت عن نظام اجتماعي وسياسي في تلك الفترة.

تعتبر آسفي عاصمة للموسيقى العيطية المغربية، البدوية النشأة والكلام، أما كلمة العيطة فهي مأخودة من العياط، يقول سيدي عبد الرحمان المجدوب رحمه الله في كتابه: ''عيطت عيطة حنينة فيقت من كان نايم فاقوا قلوب المحنة ونعسو قلوب البهايم''، ويستفاد من كلامه أن العيطة هي النداء أو المناداة بصوت جهـوري لاستلفات اهتمام الغير، وبالعودة إلى المصادر الأولى للعيطة نجد أن كلمة عيطة أطلقت في بادئ الأمر على النداء الذي كان يعمد إليه أحد أفراد الفرقة الغنائية ليأذن بمجيء الفرقة.

ورث أهل آسفي عن الأندلس موسيقى "الآلة" التي  ظهرت داخل سور المدينة نتيجة هجرة عدد من العائلات عقب سقوط الأندلس

وقد ورث أهل آسفي عن أسلافهم هذا النوع من الموسيقى الذي حافظوا عليه لقرون، ومن بين أهم شعراء العيطة الشيخ والفنان العبدي عبد الدايم ولد الضو ابن منطقة سبت جزولة الذي ازداد سنة 1965 بآسفي واحترف في ميدان الطعريجة منذ سنة 1983.

كذلك ورث أهل آسفي عن الأندلس موسيقى "الآلة" التي  ظهرت داخل سور المدينة نتيجة هجرة عدد من العائلات عقب سقوط الأندلس، وتتكون الفرقة الموسيقية في هذا النمط من عدة عازفين على آلات متنوعة تتمثل في العود والقانون والرباب والكمان الذي يضعه العازف على الفخذ، وتشمل آلات الإيقاع كالدربكة و"الطر"، بالاضافة إلى العديد من الأنماط والإيقاعات الموسيقية للعيطة المغربية التي انفردت بخصوصياتها على الصعيد العربي كرافد من روافد الشخصية والهوية الوطنية للمغاربة.

وتنظم آسفي سنويًا مهرجانًا لموسيقى العيطة، من أجل الإبقاء على هذا التراث الموسيقي حيًا، والحفاظ عليه من الاندثار.