غالبًا ما يأنف الأطفال الكثير من أصناف الطعام ويرفضون تناولها، لا سيّما الأكل الصحي، بحيث ينجذبون بشكلٍ أكبر إلى الوجبات السريعة أو الطعام غير الصحيّ على اختلاف أنواعه كالحلويات والسكّريات وما إلى ذلك. ولذلك قد يتساءل الكثير من الآباء عن طرق تساعدهم في التخلّص من المشاكل المتعلّقة بالأكل عند أطفالهم.

فضغط الأقران والإعلانات التلفزيونية للأطعمة السريعة يمكن أن يجعل أطفالك يأكلون الكثير ممّا هو غير صحّي وتفضيلهم على غيره، إضافةً لانشغالك بالعمل والمهام الأخرى التي قد تصعّب عملية تعليمك لهم للتعوّد على الطعام الصحي وتقبّله. وتمامًا مثل الكثير من الأوقات والحالات، يمكننا اللجوء لعلم النفس ونظريّاته للتعامل مع مثل هذه المشاكل ومحاولة حلّها أو التخلّص منها. ولعلّ الإجابة تكون أكثر بساطةً ممّا نتوقع أو نعتقد بشكلٍ عام. وهذا ما تُشير إليه النظريات السلوكية وتركّز عليه، بأنّ الدماغ البشري مصمّم أو مهيّئ للاستجابة أو الردّ على الأشياء من حوله بطرقٍ معيّنة.

يعتقد العلماء السلوكيّون أنّ ما نقوم به في حياتنا عبارة عن تصرّفات وسلوكيّات تمّ اكتسابها عن طريق التعلّم والتكرار للتكيّف مع البيئة المحيطة بنا. وبالتالي، فإنّ أيًّا من سلوكيّاتنا هو نتيجة تفاعلنا مع البيئة إمّا للحصول على جائزة معيّنة أو للنجاة من عقابٍ ما. وقد أثبتت هذه النظريات نجاعها في مجالات تربية الأطفال والتعليم وعلاج العديد من الاضطرابات النفسية عن طريق تغيير أنماط السلوك أو تعديل البيئة.

لذلك، من المهم أن تتذكر أن أطفالك لا يولدون مع الرغبة في تناول البطاطس المقلية والبيتزا والحلويات تمامًا كما لا يودون مع النفور من البروكلي والجزر والحليب. يحدث هذا التكييف بمرور الوقت حين يتعرّض الأطفال للمزيد والمزيد من الخيارات الغذائية غير الصحية. ومع ذلك، من الممكن إعادة برمجة ذوق الطعام لدى أطفالك حتى يتسنّى لهم تناول الأطعمة الصحية بدلًا من ذلك. فكلما قدمت خيارات صحية ومغذية في الوجبات الغذائية لهم، كان من الأسهل تطوير علاقة صحية مع الطعام يمكن أن تدوم مدى الحياة في المراحل العمرية اللاحقة.

التكرار قد يكون الخطوة الأولى

ترى بعض النظريات أنّ السلوكيات غالبًا ما يتمّ تعلّمها أو اكتسابها من خلال التكرار المستمر. وبالتالي، يمكننا القول بأنّ الطفل بإمكانه أنْ يحبّ طعامًا لم يعتد على حبّه من خلال تكراره لتناوله أو تجربته. فحبّ نوعٍ معين من الطعام وتفضيله ليس فطريًا، وإن كانت الجينات والبيولوجيا تلعب دورًا في ذلك، إلا أنه سلوكٌ يحتاج إلى التعلّم والتدريب من خلال التكرار والإعادة.

وبالفعل، فقد أثبتت دراسة أُجريت عام 1990 أنّ الأطفال بحاجةٍ إلى تجربة طعامٍ معيّن ما بين 8 إلى 15 مرة حتى يعتادوا عليه ويتقبّلوا تناوله، وبمجرد حدوث ذلك، لن يكتفوا بتناوله بل سيقومون باختياره وطلب تناوله من تلقاء أنفسهم. وفي دراسةٍ حديثة أخرى، هدفت لدراسة العلاقة الوضع الاقتصادي للأسرة وتفضيلات الطعام للأطفال، تبيّن أيضًا أنّ الأطفال يحتاجون بالفعل ذلك العدد من المرّات، أي من 8 إلى 15، ليتقبّلوا نوعًا معيّنًا من الطعام ويصبح جزءًا من عاداتهم الغذائية.

حبّ نوعٍ معين من الطعام وتفضيله ليس فطريًا، وإن كانت الجينات والبيولوجيا تلعب دورًا في ذلك، إلا أنه سلوكٌ يحتاج إلى التعلّم والتدريب من خلال التكرار والإعادة

لكنّ الكثير من الآباء والأمّهات يستسلمون بعد ثلاث أو خمس محاولات فقط إذا لم يتقبّل طفلهم الطعام. لهذا ينصح خبراء التربية والطفل أنْ لا يحكم الوالديْن على ابنهما بأنه صعب الإرضاء أو أنّ أكله سيء وخياراته ليست صحية، فالأكل مثله مثل تعلّم القراءة أو ركوب الدراجة، سلوكٌ يحتاج للتعلّم المستمرّ.

مبدأ بريماك: تعزيز الأكل عن طريق الجوائز والمكافآت

لنفترض الآتي: أحمد طفلٌ يفضّل تناول الشيبس على أنْ يتناول وجبة الطعام التي تعدّها والدته. من أجل تحفيزه على تناول الطعام مع العائلة، أخبرته والدته أنه إذا أكل وجبته الصحية فيمكنه بعدها تناول كيسين من الشيبس المفضّل لديه. هنا تستخدم الأمّ سلوكًا ذا احتمالٍ عالٍ "أكل الشيبس" من أجل تعزيز سلوكٍ آخر ذي احتمال منخفض "تناول الطعام الصحي".

في علم النفس، يُعرف هذا الأسلوب بمبدأ بريماك، والذي يقترح أنّه بإمكان الشخص القيام بنشاطٍ غير مرغوب فيه، أو أقلّ رغبة، من خلال قيامه بنشاطٍ مرغوبٍ فيه، أو أكثر رغبة من الآخر. بمعنى أنّ النشاطات نفسها قد تكون معزّزة ومحفّزة لبعضها البعض. وبكلماتٍ أخرى، سيكون الشخص أكثر تحفيزًا للقيام بنشاطٍ معين إذا كان يعلم مسبقًا أنه سيشارك في نشاط أكثر متعةً واستحسانًا كنتيجة لذلك.

يقترح مبدأ بريماك أنّ بإمكانك تعزيز تناول الطعام  الصحّي عند طفلك من خلال تحفيزه عن طريق نشاطٍ أو سلوكٍ آخر يحبّه

يمكن استخدام مبدأ بريماك في الكثير من أساليب التربية والتعليم. كأنْ يخبر المعلّم طلّابه أنهم إذا عملوا على واجباتهم لمدة نصف ساعة على سبيل المثال، فبإمكانهم الخروج للملعب لمدة ساعة كاملة بعدها. أو أنْ تخبر الأمّ طفلها أنّ عليه إنهاء الخضار قبل أن يتمكّن من تناول المثلّجات أو الحلويات التي يشتهيها. مع مبدأ بريماك يمكن للوالديْن والمعلّمين أنْ يلجأوا لأي سلوكٍ أو نشاطٍ ليخدم كمعزّز أو محفّز لنشاطٍ آخر بشرط أن يكون أكثر احتمالًا من الآخر.

لذلك، فتشجيعك للعادات الصحية ومحاولة تكرارها مرارًا وتكرارًا تساعدك بشكلٍ كبير في خلق نظامٍ صحّي على الرغم من أنّ الأمر يبدو تحدّيًا كبيرًا للغاية. وعلى أنّه يعتمد على التعليم واستخدام أسلوب الحوافز والتعزيزات، إلا أنّ القدوة الجيدة تلعب دورًا كبيرًا في التعلّم أيضًا، وبالتالي لا تتوقّع من طفلك أنْ يأكل الوجبات التي أعددتها أو الخضار والفواكه التي تقدّمها له في حين أنك تستمرّ في تناول ما هو غير صحيّ أمامه.