يتساءل الشارع الجزائري إن كان مضمون الرسالة الأخيرة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة إعلانًا أوليًا عن نيته الترشح لولاية خامسة، أم أنها مجرد خطاب عادي يمجد الاستمرارية في البرنامج الذي بدأه منذ 1999 ويحذر من دعوات المعارضة المطالبة بانتخابات مسبقة والذهاب نحو مجلس تأسيسي يضع ورقة طريق لخروج البلاد من الأزمة التي يتحدث عنها خصومه، وتراها الموالاة مجرد مناورات سياسية.

وحمل خطاب بوتفليقة كلمات نارية وتهجمية لم يعتد رئيس البلاد على إيرادها في رسائله الموجهة للجزائريين، ما جعل الجميع يطرح عدة تساؤلات عن خلفياتها، خاصة أنها جاءت في ندوة الحكومة والولاة التي غاب عنها الوزير الأول أحمد أويحيى.

وقرأ رسالة بوتفليقة نيابة عنه الأمين العام لرئاسة الجمهورية حبة العقبي وهو إجراء اعتاده الجزائريون بسبب الوضع الصحي للرجل الأول في البلاد الذي جعل ظهوره نادرًا وكلامه منعدمًا منذ النوبة الأقفارية التي تعرض لها في نيسان/أبريل 2013.

تذكير

حرص بوتفليقة في رسالته على تعداد ما أنجزه طيلة ولاياته الرئاسية الأربعة، ونجاحه في إخراج البلاد من نار الفتنة التي عاشتها طيلة عشرية التسعينيات.

وخاطب بوتفليقة ولاة البلاد قائلاً: "العقدان المنصرمان (فترة رئاسة بوتفليقة) من حياة أمتنا لم يكونا هينين، ولقد كان للعديد منكم شرف مرافقتي في هذه المسيرة في مختلف مستويات المسؤولية وأبليتم البلاء الحسن وقمتم بتضحيات وإنجازات عظام، فلقد سعينا بصدق وإخلاص إلى إخراج أبناء هذه الأمة من فتنة التناحر وكابوس الهمجية الذي استحكم فيها، مستلهمين عزمنا من قيم نوفمبر الخالدة وشيم التسامح والأخوة والوئام".

حسب الرئيس الجزائري، فإن ما أنجزه "على الصعيدين الأمني والتنموي بفضل التضحيات الجسام التي قدمها هؤلاء وأولئك، بات محلاً لإعجاب الشعوب الشقيقة والصديقة، يرون فيه مثالاً لتنمية اجتماعية شاملة، أعادت الاعتبار للإنسان بوضعه في قلب المقاربة التنموية"

وأضاف بوتفليقة في عد إنجازاته قائلاً: "وعملنا على العودة بالبلاد من جديد إلى جادة التنمية، بإعادة بناء ما أمعنت في تهديمه قوى الشر والدمار، وتحقيق إنجازات عمومية كبرى في مدة لا مكان فيها للتواني، مدة شققنا فيها الطرق وربطنا القرى والمداشر والمدن بمختلف الشبكات، وشيدنا أقطابًا جديدة ومرافق عمومية شاهدة على جهود هذا الشعب وقدرته على تجاوز أعتى الأزمات والمحن".

وحسب الرئيس الجزائري، فإن ما أنجزه "على الصعيدين الأمني والتنموي بفضل التضحيات الجسام التي قدمها هؤلاء وأولئك، بات محلاً لإعجاب الشعوب الشقيقة والصديقة، يرون فيه مثالاً لتنمية اجتماعية شاملة، أعادت الاعتبار للإنسان بوضعه في قلب المقاربة التنموية".

وأردف "على الصعيد الأمني، أضحت المصالحة الوطنية والعيش معًا بسلام عنوانين رئيسين لمقاربة إستراتيجية دولية لمحاربة الراديكالية والتطرف في العالم، إستراتيجية ولدت من رحم معاناة هذا الشعب الأبي الذي أعطى بالأمس درسًا للعالم في التضحية والانعتاق وصار اليوم، بفضل تضحياته وتبصر أبنائه ورشدهم، مرجعًا في إخماد الفتنة ورأب الفرقة والقضاء على منطق الكراهية".

ويمكن تصنيف هذا التذكير على أنه رد لأول مرة من بوتفليقة على خطاب المعارضة الذي يصف إنجازاته بالسلبية، ويتساءل دومًا عن مصير ألف مليار دولار التي أنفقها بوتفليقة وحكوماته المتعاقبة خلال ولاياته الرئاسية الأربعة.

ويريد بوتفليقة من تذكير الجزائريين بما حققه إيصال فكرة مفادها أن له من الإنجازات ما يجعله الحصان الأسود في سباق الرئاسيات المقبلة الجدير بالفوز والبقاء من جديد في سدة الحكم.

مناورات

ولم يتردد بوتفليقة هذه المرة في انتقاد المعارضة بشكل علني، خاصة تلك التي تريد رسم مشهد رئاسيات 2019 وهو خالٍ من صفة الرئيس المترشح لولاية خامسة، حيث قال: "من الطبيعي اليوم أن تستهدف الدوائر المتربصة والخلايا الكامنة استقرار البلاد وتتكالب عليها قصد تثبيط همتها والنيل من عزيمة أبنائها، فما نلاحظه من مناورات سياسوية مع اقتراب كل محطة حاسمة من مسيرة الشعب الجزائري دليل واضح يفضح هذه النوايا المبيتة التي سرعان ما تختفي بعد أن يخيب الشعب الأبي سعيها".

ورغم أن بوتفليقة لم يسم جهة معينة باسمها وترك عنان الخيال للجزائريين لتصور هذه الخلايا والأيادي الخفية، فإنه قصد المعارضة المنادية بعدم ترشحه لعهدة جديدة خاصة حركة مواطنة ومن يصطف في خطابها من التيارات السياسية والشخصيات الغاضبة على حصيلة رئيس البلاد.

يمكن اعتبار ما جاء في هذا الجزء من خطاب بوتفليقة إعلان شبه رسمي لترشحه لعهدة رئاسية جديدة، كونه يتحدث عن تحديات كثيرة منتظرة وعدم العودة إلى الوراء وتعطيل مسيرته في البقاء على سدة الحكم

وحسب بوتفليقة، فإن "البعض يختزل رهانات الحاضر والمستقبل في تغير وتعاقب الوجوه والأشخاص، وهم يروجون لهذا التوجه لحاجة في نفس يعقوب، لكن أنتم من تعملون في الميدان وتغالبون التحديات الأمنية والاجتماعية والاقتصادية يوميًا، أكثر الناس دراية بأن الرهان يتجاوز ذلك بكثير"، وأضاف "المسألة تتعلق بصون وحماية الإنجازات التي حققها الشعب خلال العقدين المنصرمين وحفظها وتثمينها خدمة له، والارتقاء إلى مستوى أعلى من العمل التنموي والسياسي".

 ووصف بوتفليقة من يريدون طي صفحة عهدته الرئاسية والتأسيس لجزائر تجعل حقبته من الزمن الماضي بـ"المغامرين الذين يسوقون لثقافة النسيان والنكران والجحود، لا يمكن أن يكونوا أبدًا سواعد بناء وتشييد، فهم يخفون وراء ظهورهم معاول الهدم التي يسعون لاستخدامها من أجل الزج بالبلاد نحو المجهول".

وتابع بوتفليقة قائلاً "ما قمنا به لحد الآن ليس سوى مرحلة تليها مراحل من مسار طويل، فما زال أمامنا الكثير من التحديات، ولا يمكن، بعد ما تم من عمل أن نعود إلى الوراء ونأخذ بطروحات مثبطة انهزامية لا غاية منها سوى تعطيل مسيرتنا".

ويمكن اعتبار ما جاء في هذا الجزء من خطاب بوتفليقة إعلان شبه رسمي لترشحه لعهدة رئاسية جديدة، كونه يتحدث عن تحديات كثيرة منتظرة وعدم العودة إلى الوراء وتعطيل مسيرته في البقاء على سدة الحكم.

ويتطابق ما جاء في كلمة بوتفليقة مع ما يتحدث عنه قياديو أحزاب الموالاة بشأن الإستراتيجية الجديدة لبوتفليقة التي تستمر حتى 2030، ومنهم رئيس القيادة الحاليّة المؤقتة لحزب جبهة التحرير الحاكم معاذ بوشارب.

عرض برنامج

وبدا بوتفليقة في رسالته وكأنه يعرض برنامج حملته الرئاسية المقبلة التي ستكون استمرارًا لما وعد به سابقًا، فقد خاطب الولاة قائلاً: "الخطوط العريضة للإستراتيجية الوطنية مرسومة ومعروفة لدى الجميع وتم تداولها وتدارسها مرارًا وتكرارًا وهي بالأساس تخص التخلص من التبعية للريع النفطي وتحقيق التنويع الاقتصادي المنشود، انطلاقًا من خصوصيات الأقاليم المحلية التي تمثلونها أو تشرفون على إدارتها".

 لكن يعاب على هذا الوعد أن الرئيس الجزائري وحكوماته المتعاقبة لم يتمكنوا طيلة قرابة 20 سنة من تقليص ولو قليلاً من تبعية اقتصاد البلاد للريع النفطي رغم الأموال الضخمة التي صرفت خلال هذه الفترة، بل إن هذا الريع كان وسيلة لصرف المال العام ببذخ وتبذير في ظل ضعف طرق المحاسبة وبتر ورم الفساد.

ولفت بوتفليقة إلى أن إستراتيجيته تتمثل في "عصرنة إدارتنا وتأهيلها بإدماج واعٍ وهادف لتكنولوجيات الإعلام والاتصال في نموذج يكون فيه المرفق في قلب المقاربة، ومواصلة الجهد لتعزيز مكتسبات التنمية البشرية ومضاعفة الجهد من أجل الاستجابة لحاجات مواطنينا حتى في أقاصي ربوع وطننا ومرافقة الدينامية الاقتصادية بتوفير الهياكل والمرافق القاعدية الإستراتيجية اللازمة، وتعميم منافع التنمية الاقتصادية والاجتماعية على التراب الوطني كافة وفقًا لتوجهات المخطط الوطني لتهيئة الإقليم الدائمة، وذلك من خلال تنظيم إداري وإقليمي متناسق ومحكم، وتحرير الطاقات الشعبية على كل المستويات وتعبئتها حول مشروعنا الوطني من خلال مقاربات تشاركية وحوافز مقاولاتية تفتح المجال لكل شاب جزائري بحيث يكون عنصرًا فاعلاً في حاضر ومستقبل بلاده، مسموعًا ومحترمًا على كل المستويات ولدى كل الهيئات العمومية والخاصة".

وحذر بوتفليقة في خطابه من جهات تعمل على إعاقة تنفيذ برنامجه، ويفهم من كلامه أنها جناح في السلطة قد يكون حسم قراره الرافض لترشحه لولاية خامسة، ودعا الولاة للتصدي لها.

ما حملته رسالة بوتفليقة يكون قد محا آخر أمل لمن كانوا يعتقدون أن الرئيس سيزهد في الترشح لولاية خامسة استجابة لدعوات المعارضة، وهو القرار الذي لم يخيب آمال المعارضة فقط إنما حتى أطراف تحسب على الموالاة، قد يكون الوزير الأول أحمد أويحيى على رأسها

وقال بوتفليقة في هذا الشأن: "بينما تعملون أنتم جاهدين من أجل تحويل الإستراتيجيات المرسومة إلى واقع معيش، نلاحظ تفاقمًا لبعض الآفات التي تستشري في جسم المجتمع، وتتحول إلى طفيليات معوقة لكم ولأعمالكم خدمة لمقاصد خبيثة، تسخر في ذلك وبلا تورع كل مهاراتها في التعاطي لممارسات غير مطابقة مذمومة ومرفوضة قانونيًا وأخلاقيًا، مثل الرشوة والمحسوبية والمعاناة والتصرفات البيروقراطية الجائرة التي يراد بها الباطل".

وأضاف "هذه الممارسات هي أخطر ما ينخر مجتمعنا من أمراض وأعظم التحديات التي تواجهها بلادنا في الوقت الراهن، التي لا يمكن التسامح معها بل يقتضي الواجب من كل منكم محاربتها بكل ما أوتيتم من قوة وقدرة على الردع، ولكم مني كل الدعم".

وأوضح أن "المساس باستقرار مؤسسات الدولة هو مساس بالدستور وبركن من أركان هذا البيت الحصين الذي يجمعنا ويؤمننا من كيد الكائدين، لذلك فمن واجب الجميع الالتفاف حول مؤسسات الجمهورية والذود عنها ومواجهة كل محاولة لاستغلالها من أجل قضاء مآرب آثمة أو النيل من استقرارها".

والأكيد أن ما حملته رسالة بوتفليقة يكون قد محا آخر أمل لمن كانوا يعتقدون أن الرئيس سيزهد في الترشح لولاية خامسة استجابة لدعوات المعارضة، وهو القرار الذي لم يخيب آمال المعارضة فقط إنما حتى أطراف تحسب على الموالاة، قد يكون الوزير الأول أحمد أويحيى على رأسها، لذلك ربما يكون هذا سبب غيابه عن هذه الندوة الذي طرح عدة استفهامات قد تجيب الأيام القادمة عليها مع بدء العد التنازلي الحقيقي لموعد رئاسيات 2019.