تتميز السياحة في المملكة المغربية بثرائها وتنوعها، إذ نجد معظم أنواع السياحة، بداية من السياحة الشاطئية والسياحة الصحراوية والجبلية مرورًا بالسياحة الثقافية والرياضية والاستشفائية وصولاً إلى السياحة الدينية التي عرفت رواجًا كبيرًا نتيجة ثراء البلاد وامتلاكها العديد من الأماكن الدينية التي يحج إلى السياح من كل فج لاكتشافها والتمتع بجمالها والتقرب إلى الله، في هذا التقرير سنحط الرحال في أبرز هذه الأماكن التي تجمع كل الأديان.

جامع القرويين

تعتبر مدينة فاس "العاصمة الروحية" للمغرب، ذلك أنها تمتلك العديد من المعالم الروحية، أهمها جامع القرويين الذي بني في أول أيام شهر رمضان الكريم من سنة 245 هجريًا، الموافق 30 من نوفمبر 859 ميلاديًا، خلال حكم الأدارسة، على يد فاطمة بنت محمد الفهرية القرشية المعروفة بـ"أم البنين".

يُعد مسجد الحسن الثاني في الدار البيضاء القلب الرمزي للمدينة

بعد وفاة فاطمة سنة 878 ميلاديًا، تكفل السلاطين الذين حكموا البلاد برعاية المسجد، فتحول من مسجد صغير إلى منشأة ضخمة متعددة المرافق بفضل عمليات التوسيع والترميم الكثيرة، ابتداءً بالأدارسة ووصولاً إلى الدولة العلوية.

كان جامع القرويين في البداية يتسم بالبساطة في عمارته وزخرفته وبنائه، فقد كان مربعًا على نحو ما عرف في المساجد الإسلامية الأولى إلا أنه تم تطويره وتوسيعه مع مرور الزمان وتغير حكام المغرب نظرًا لما كان يشكو منه من ضيق، فتفنن المعماريون في صنع القباب ووضع الأقواس ونقش آيات القرآن والأدعية، خاصة في عهد المرابطين، حيث يشهد منبر المسجد الذي ما زال قائمًا إلى اليوم على القفزة العمرانية التي شهدها المسجد.

بعد ذلك قام الموحدون بوضع الثريا الكبرى التي تزين المسجد إلى اليوم، شاهدة على الحضارة الموحدية وروعة الفن المغربي، وازدان الجامع عبر العصور اللاحقة بمختلف أشكال الثريات والساعات الشمسية والرملية، إضافة إلى مرافق ضرورية مثل غرفة المؤقتين ومقصورة القاضي وخزانة الكتب والمصاحف وغير ذلك، وتعتبر المئذنة المربعة الواسعة التي لا تزال قائمة إلى الآن من يوم توسعة الأمراء الزناتيين أقدم منارة مربعة ثبتت في الغرب الإسلامي.

جامع الكتبية

وسط المدينة العتيقة لمراكش، عاصمة المرابطين، والمدينة ذات الثقل التاريخي والإشعاع الثقافي والسياحي، يقع مسجد الكتبية الأثري، الذي يعد من أعرق المساجد المغربية الموجودة الآن، إذ بُني سنة 1147 ميلاديًا على أنقاض قصر الحجر المرابطي الذي كشفت التنقيبات الأثرية بناياته ومكوناته المعمارية.

https://www.youtube.com/watch?v=IY7HlWQV5cQ

تبلغ مساحة المسجد المأخوذ اسمه من بيع الكتب، إذ كان هناك سوق كبير وشهير لبيع الكتب في منطقة المسجد، 5300 متر مربع، ويتكون من 17 جناحًا، و11 قبة مزدانة بالنقوش، ويظهر فيه بوضوح طابع العمارة الأندلسي.

بُني هذا المسجد في معظمه بالحجر الأحمر، وللمسجد مئذنة واحدة، يبلغ طولها 77 مترًا، وكانت هذه المئذنة المميزة بزخارفها بمثابة المنبر لإعلان القرارات المهمة على الناس، وخصوصًا القرارات السياسية الكبرى والفرمانات الأساسية.

مسجد الحسن الثاني

يقع هذا المسجد في ساحل مدينة الدار البيضاء، وهو أكبر مسجد في البلاد، وثاني مسجد في إفريقيا، شرع في بنائه سنة 1987 ميلاديًا وتم إكمال بنائه ليلة المولد النبوي 30 من أغسطس/أب 1993، في فترة حكم ملك المغرب الحسن الثاني.

يُعد مسجد الحسن الثاني في الدار البيضاء، القلب الرمزي للمدينة، حيث يكتنز في أبهائه وحناياه إبداع الصانع المغربي في مختلف المجالات والمواد من الخشب والجبس والرخام والفسيفساء وغيرها، لذلك يحرص كثير من السياح الذين يحلون بمدينة الدار البيضاء على زيارته واكتشافه.

أقيم جزء من المسجد على المياه

يبلغ علو مئذنته الأندلسية 200 متر، وتنبعث من أعلاها أشعة الليزر التي يصل مداها إلى 30 كيلومترًا في اتجاه القبلة، ومن الأشياء التي يتميز بها المسجد سقفه الذي يفتح ويغلق بشكل آلي، فضلاً عن كون جزء مهم منه على ضفاف المحيط الأطلسي.

كنيسة القديس أندرو

المزارات الدينية في المغرب لا تقتصر على المعالم الإسلامية فقط، ففي المملكة العديد الأماكن الدينية المسيحية المنتشرة في مناطق مختلفة من البلاد، من ذلك كنيسة القديس أندرو، وهي كنيسة أنجليكانية شُيدت خلال القرن التاسع عشر في مدينة طنجة.

تعد كنيسة القلب المقدس معلمة حضارية وبناية فريدة بيضاء في مدينة الدار البيضاء

تستوحي كنيسة القديس أندرو عناصرها المعمارية والزخرفية من الطراز العربي الإسلامي، فقد بني برج الأجراس على شاكلة صوامع المساجد المغربية حيث يقدم تصميمًا مربعًا مزينًا في قاعدته بالزليج والجص، وأقواس الأبواب والنوافذ دائرية أو مكسورة في حين صنع إفريز الباب الرئيسي من الخشب المزخرف في الداخل.

تتميز الكنيسة بالطراز المعماري العربي الإسلامي

تتحدد الأروقة بواسطة أعمدة مزدوجة من الرخام، ويتم الولوج إلى خورس الكنيسة بواسطة عقد متجاوز مزخرف في جزئه العلوي بأشكال نباتية يؤطرها شريط من الكتابة الكوفية تمثل نصًا من الإنجيل، تمت تغطية الكنيسة بالقرميد الأخضر وألبس سقفها بالخشب المصبوغ، وقد زينت الحجرة الموجودة وراء المذبح بتخريم من الجص كتب عليه شعار النصريين: "لا ناصر إلا الله".

كنيسة القلب المقدس

كاتدرائية الدار البيضاء، أو كنيسة القلب المقدس، يعود تاريخها إلى ثلاثينيات القرن الماضي أي خلال فترة الحماية الفرنسية، وهي من أبرز الكنائس المتبقية بعد استقلال المغرب، وأصبحت مركزًا ثقافيًا يقصده الجميع، بناؤها مميز ورائع ذو طابع أوروبي بامتياز، حيث بُنيت وفق الأسلوب النيو - قوطي.

تعد هذه الكنيسة، معلمة حضارية وبناية فريدة بيضاء في مدينة الدار البيضاء، وحافظت الكنسية على جمالها الثقافي وأصبحت مركزًا ثقافيًا يقصده العديد من زوار المدينة والقاصدين التعرف عن قرب عن تاريخها الثقافي العريق والمتنوع.

تحولت الكنيسة إلى معلم ثقافي

كانت الكنيسة بمثابة المكان الرئيس للعبادة للطائفة الكاثوليكية الذين كانوا يقطنون المغرب في أثناء فترة الحماية الفرنسية على المغرب، وبقيت كذلك حتى استقلال المملكة سنة 1956، هندسة الكاتدرائية مستوحاة من الحضارة العربية الأندلسية، وتتجلى في تعدد أقواسها وجمالية فسيفسائها الزجاجي وسحر ضوئها المنبعث من جزئيات تصاميمها.

معبد بيت إيل

فضلاً عن المعالم الإسلامية والمسيحية، يوجد في المغرب أيضًا العديد من المعالم الدينية اليهودية رغم تراجع عدد اليهود في المملكة، ويعتبر معبد بيت إيل في مدينة الدار البيضاء، من أكبر المجامع اليهودية في المغرب، وتجذب نوافذ الزجاج المعشق بأسلوب مارك شاغال والعناصر الفنية الأخرى، السياح إلى هذا التاريخي.

كنيس ابن دهان

يعد هذا الكنيس واحد من أقدم وأهم المعابد اليهودية في شمال إفريقيا، يقع في قلب الملاح (الحي اليهودي) في مدينة فاس شمال المغرب يستعمله اليهود القلائل الذين بقوا في البلاد ويتمركز أغلبهم في الصويرة وفاس، ويعود تاريخ بناء المعبد إلى السلطان المغربي الرشيد بن علي الشريف، الذي رغب في إحياء التجارة في المدينة فاستقدم يهود زاوية آيت إسحاق، الواقعة في منطقة الأطلس المتوسط، فكلف الحاخام ميمون بوسيدان، أحد أعيان أيت إسحاق، ببناء الكنيس.

معظم المعابد اليهودية في المغرب أصبحت فارغة

هذا المعبد هو في الأصل في ملكية خاصة لواحدة من عائلات يهودية مغربية بارزة، تم تشييده في منتصف القرن السابع عشر وتجديده في شكله الحاليّ نهاية القرن التاسع عشر، ويحتوي المعبد على مجموعة كاملة من التجهيزات، بما فيها منصة القارئ من الخشب والحديد بمحراب مزركش.

يوجد فيه أيضًا، زوج من الألواح الخشبية المنحوتة مخصصة للتوراة -هيشال-، بُني جدار على الجانب الشرقي للمعبد وهو مزين بالبلاط المزخرف، المقاعد والكراسي الخشبية المسماة - إيليجا - هي مخصصة (لحفل ختان)، كما توجد مصابيح زيت وأعلام مطرزة.

معبد صلاة الأزمة

في مراكش أيضًا، يوجد كنيس "صلاة الأزمة" في منطقة ملاح القديمة في المدينة، وقد بُني هذا المعبد بعد طرد اليهود من إسبانيا عام 1492، حمل هذا الاسم لأن اليهود الذين جاؤوا من إسبانيا، أرادوا الصلاة ولم يتم قبولهم لأن أسلوبهم في الصلاة كان مختلفًا، فأدى الأمر إلى جدالات وخلافات كبيرة، وبما أنه لم يكن هناك مكان للصلاة فيه، بنى اليهود لهم كنيسًا وأسموه "الأزمة" أي "المنعزلين".

تساهم هذه المعالم الدينية المنتشرة في مختلف أنحاء المغرب في مزيد من دفع قطاع السياحة الذي يعتمد عليه بصورة كبيرة لخلق الثروة في البلاد، إذ تغطي عائداتها نحو 11% من الناتج المحلي الإجمالي (يبلغ 101.4 مليار دولار)، ويعتبر هذا القطاع مصدرًا مهمًا للوظائف إذ خلق 532 ألف وظيفة مباشرة عام 2017، وهو ما يمثل نحو 5% من فرص العمل في الاقتصاد ككل.