لم تنته مأساة العفرينيين بعد، هذا ما تؤكده الصور القادمة من مخيمات النزوح في ريف حلب الشمالي بالمناطق الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية.

المخيمات التي تستقبل الآلاف من مهجري مدينة عفرين الذين اضطروا في وقت سابق للخروج من بلداتهم ومدنهم هائمين على وجوههم، هربًا من المعارك التي اندلعت بين قوات سوريا الديمقراطية من جهة وفصائل المعارضة السورية المدعومة تركيًا من جهة إبان إطلاق الجيش التركي لمعركة غصن الزيتون.

قدرت الأمم المتحدة حينها أعداد النازحين بما يقارب المئتي ألف نازح، توزعوا في مخيمات ومدن الريف الحلبي في الشمال السوري، فمنهم من استطاع الولوج إلى مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية في منبج ومنطقة شرق الفرات، ومنهم من استطاع الوصول إلى مناطق سيطرة قوات النظام السوري بعد دفع إتاوات ورشاوى للحواجز الأمنية والعسكرية، أما من لم يكن لديه القدرة المالية فقد اضطر للجوء إلى مخيمات أعدتها الإدارة الذاتية التابعة لحركة المجتمع الديمقراطي في ريف مدينة تل رفعت.

كما اعتاد السوريون طوال ثماني سنوات من ثورتهم التي أحالها النظام السوري ببطشه لسنوات من القهر، لم تلق المناشدة آذانًا صاغية، رغم أن عفرين والوضع الذي تعيشه المدينة من فوضى أمنية، سلعة ذات قيمة لكل من يريد الاتجار بحالهم ومأساتهم

في تقرير سابق كنت قد أعددته لموقع تليفزيون سوريا خريف هذا العام أكدت الإدارية في مخيم "العصر" هيفين رشيد أن النازحين تم توزيعهم على ثلاثة مخيمات وهي عفرين والعصر ومخيم المقاومة، وأن عدد النازحين في مخيّم العصر 2925 شخصًا ومخيّم عفرين 490 شخصًا، مخيّم الشهباء 900 شخص ومخيّم المقاومة 3025 شخصًا، مضيفة "بالنسبة لمخيّم العصر، سيتم توسيعه إلى ألف خيمة، ولدينا الإمكانات لتنفيذ ذلك، وأنهينا أعمالاً واسعة منه".

في ذات التقرير ناشدت رشيد المنظمات الدولية والمحلية للتدخل ومساعدة النازحين الذين يقطنون في مخيمات لن تقيهم برد الشتاء، خاصة أن المخيمات بدائية جدًا، وكما اعتاد السوريون طوال ثماني سنوات من ثورتهم التي أحالها النظام السوري ببطشه لسنوات من القهر، لم تلق المناشدة آذانًا صاغية، رغم أن عفرين والوضع الذي تعيشه المدينة من فوضى أمنية وانتهاكات مستمرة بحق أهل المدينة، سلعة ذات قيمة لكل من يريد الاتجار بحالهم ومأساتهم.

نازحون فارون من عفرين بسبب عملية غصن الزيتون

وما يزيد الطين الذي تفترشه خيم العفرينيين بلة، هو الحصار الذي يعيشونه داخل هذه المخيمات التي تحولت يومًا بعد آخر لسجن كبير، لا يتوافر لهم فيها أدنى حقوقهم حتى كسجناء، فالنظام السوري وميليشياته المتمركزة في ريف حلب الشمالي، ما انفكوا يبتزون النازحين العفرينيين الراغبين في الدخول لمناطقهم، فعدا عن المبالغ الطائلة التي يضطر الراغب في العبور لمناطق النظام لدفعها، فهم معرضون للاعتقال والسوق لجبهات النظام السوري مع فصائل المعارضة، أيضًا يمنع النظام وميليشياته دخول المعونات الشحيحة المقدمة للنازحين، وهذا ما أكده أكثر من مصدر في الإدارة الذاتية.

أيضًا لا يفوت المتابع لمتغيرات الأوضاع في منطقة تل رفعت وريفها، بأنها بالأساس غير مهيئة للحياة الطبيعية، فهذه المنطقة شهدت معارك متعاقبة طوال السنوات الماضية، فالبداية مع المعارك بين قوات النظام وفصائل المعارضة، ومن ثم المعارك بين المعارضة وداعش، تلتها المعارك بين قوات سوريا الديمقراطية وداعش، والمعارضة وقوات سوريا الديمقراطية التي كانت مدعومة حينها من الطيران الروسي، كل هذه المعارك التي شهدتها المنطقة مع تحول الثورة السورية من السلمية إلى العسكرة، جعلت تل رفعت وريفها ومعظم ريف حلب الشمالي منطقة منكوبة، وهذا ما يصعب على النازحين العفرينيين الذين لم يتوجهوا للمخيمات بل للقرى والبلدات المحيطة العيش بالحد الأدنى.

تحضر عفرين في الكلمات والخطابات والوقفات الاحتجاجية الكردية المنددة بما آلت إليه المدينة بعد عملية غصن الزيتون، كذلك تحضر في الكلمات والبيانات التركية وأيضًا تلك التي تصدرها المعارضة المسلحة عن الجنة الحاليّة حسب وجهة نظرهم في عفرين

في المقابل حيث فصائل المعارضة التي تتحمل الجزء الأكبر من معاناة النازحين من عفرين، فهي لم تستطع حتى الآن ضبط الأمن في المدينة، وأخلت بكل ما حملته من وعود للمدينة وقاطنيها، وأضحى وجودها وحالة الفوضى العارمة الناتجة عن فوضوية هذه الفصائل كابوسًا للعفرينيين وكل سكان عفرين في الوقت الحاليّ، وهذا ما تسبب بعودة عكسية للنازحين إلى المخيمات في ريف تل رفعت.

فمع بسط المعارضة المدعومة تركيًا لسيطرتها على المدينة وانخفاض وتيرة المعارك، بدأ النازحون بالعودة بشكل متواتر، لكن الفوضى الأمنية وانتشار العصابات المسلحة في عفرين وريفها، إضافة لانتهاكات الفصائل ذاتها، هنالك العديد من أهل عفرين اضطروا لاختيار النزوح حلًا، بعد أن سلبت منهم منازلهم، وأسكن فيها نازحون من باقي المدن السورية، جاءت بهم فصائل المعارضة، وأسكنتهم هذه المنازل، بحجة أنها خالية من السكان، فكل ذلك دفع بالعائدين للنزوح مرة أخرى، وتحمل مشقة النزوح من جديد.

تحضر عفرين في الكلمات والخطابات والوقفات الاحتجاجية الكردية المنددة بما آلت إليه المدينة بعد عملية غصن الزيتون، كذلك تحضر في الكلمات والبيانات التركية وأيضًا تلك التي تصدرها المعارضة المسلحة عن الجنة الحاليّة حسب وجهة نظرهم في عفرين، لكن يغيب عن الاثنين أكثر من 150 ألف مهجر من عفرين المنكوبة وعفرين الجنة، وحيدين يواجهون مصائرهم المجهولة وأطفالهم يلهون بطين يزيد كل يوم بلة.

قصارى القول، الحديث عن النازحين العفرينيين وحل قضيتهم، لا يكون فقط بتخديم المخيمات، فما كانت المخيمات يومًا موطنًا لصاحب أرض، بل يكمن الحل في عودة هؤلاء النازحين لديارهم، وتأمين بيئة مناسبة لهذه العودة، وهذه مسؤولية من يحكم عفرين اليوم، ودخلها يومًا باسم التحرير، وإلا يكون الحاكم اليوم محتلًا ومغتصبًا، ما بقي العفرينيون يقطنون الخيام على بعد كيلومترات معدودة من قراهم ومدنهم.