لقطة شاشة من فيديو يُظهر رجلا يجلس فوق تمثال أتاتورك في مدينة أديامان الجنوبية الشرقية.

ترجمة وتحرير: نون بوست

في 13 تشرين الثاني/ نوفمبر المنصرم، نُشر مقطع فيديو على موقع تويتر للتواصل الاجتماعي يُظهر رجلا بصدد الجلوس على رأس مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس تركيا الحديثة، في مدينة أديامان الجنوبية الشرقية. ويُشاع أن الرجل الجالس على التمثال من أصول سورية. وكتب ناشر مقطع الفيديو أن: "مهاجرا سوريا مُنع من تحطيم تمثال مؤسس الجمهورية التركية من قبل الشرطة والمواطنين".

انتشر مقطع الفيديو مثل النار في الهشيم وشاهده أكثر من 330 ألف مستخدم، كما نشرته الصفحة التركية ذات التوجهات الوطنية المتطرفة، "أويان توريك" أي "صباح الخير، تركيا" على موقع فيسبوك، ليشاهده حوالي 190 ألف شخص خلال 18 ساعة فقط. كما عمد حوالي خمسة آلاف مستخدم على الفيسبوك إلى مشاركة مقطع الفيديو على حساباتهم وصفحاتهم الشخصية.

عقب نشر مقطع الفيديو على العديد من مواقع التواصل الاجتماعي، بلغ عدد التعليقات 12 ألف تعليق، تضمن أغلبها عبارات مسيئة وتهديدات عديدة. ومن بين أول الأشخاص الذين قاموا بمشاركة مقطع الفيديو، كان عضو البرلمان التركي عن حزب الشعب الجمهوري المعارض والصحفي السابق، باريش ياركاداش، الذي قال إن رئيس مكتب حزب الشعب الجمهوري في منطقة أديامان المركزية شارك هذا الفيديو معه.

https://twitter.com/barisyarkadas/status/1062330851478921217

بعد مضي أسبوعين من رواج مقطع الفيديو، وتحديدا في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر، قام موقع منظمة تايت التركية المتخصصة في فحص الحقائق في تركيا ومنع انتشار الأخبار الكاذبة على الإنترنت، بالكشف عن زيف مقطع الفيديو والتأكيد على أنه خبر كاذب من خلال منشور تحت عنوان "ادعاء/ مقطع فيديو: الرجل السوري الذي هاجم تمثال أتاتورك في أديامان: خاطئ".

عقب التحدث إلى رجال الشرطة في مدينة أديامان، والاطلاع على شهادات حية لأشخاص كانوا على عين المكان، اكتشف موقع المنظمة التركية أن الشخص الذي يظهر في مقطع الفيديو مجرد مدمن مخدرات تركي حاول تسلق التمثال قبل سنتين من الآن. وفي ذلك الوقت، مثلت القصة خبرا حقيقيا، حيث تحدث المدمن لوسائل الإعلام وقال إنه حاول تسلق التمثال والجلوس على كتفيه لإظهار محبته لمصطفى كمال أتاتورك.

بالنسبة للكثير من المواطنين الأتراك، يمثل أتاتورك تجسيدا للوطنية، مما يجعل أي هجوم على تمثاله غير مقبول على الإطلاق. علاوة على ذلك، يشدد القانون التركي على احترام مكانته، وهو ما يجعل كل من يرتكب أي أعمال محرمة ضده عرضة لمواجهة أحكام بالسجن. وتجدر الإشارة إلى أن مقطع الفيديو نُشر بعد يومين فقط من الذكرى 80 لوفاة أتاتورك، التي شهدت مناقشات حامية الوطيس بسبب مزاعم الأتراك العلمانيين أن حزب العدالة والتنمية الحاكم لا يحترم أتاتورك كما يجب.

لا تعتبر الأخبار الزائفة نادرة الحدوث في تركيا، ولا تقتصر على القصص المتعلقة بالسوريين فقط

من شأن هذه التوترات الشعبية أن تفسر سبب انتشار مقطع الفيديو على نطاق واسع، فضلا عن بيان المخاطر الكامنة التي تشكلها مثل هذه الأخبار الزائفة على حياة 3.5 مليون لاجئ سوري في تركيا. ومن جهتها، صرحت رئيسة تحرير موقع منظمة تايت.أورغ، غولين تشافوش، خلال حديثها لصالح موقع ميدل إيست آي، أن "الأخبار الزائفة تسببت في قتل الناس في المكسيك والهند، لكن ذلك لم يحدث في تركيا حتى الآن، ولكن ذلك لا يعني أنه غير وارد الحدوث".

تابعت تشافوش تحذيرها قائلة: "تعتبر تركيا ناجحة للغاية عندما يتعلق الأمر باستضافة الأجانب واللاجئين مقارنة ببعض الدول الأخرى، لكن المعلومات الكاذبة يمكن أن تؤدي إلى إثارة التوتر الذي من شأنه أن يقود إلى اندلاع عنف جسدي أو مواجهات تتدخل بموجبها قوات الأمن".

مجتمع مُستقطَب

لا تعتبر الأخبار الزائفة نادرة الحدوث في تركيا، ولا تقتصر على القصص المتعلقة بالسوريين فقط. ووفقا لتقرير الأخبار الرقمية الصادر عن معهد رويترز سنة 2018، يعتقد واحد من بين كل مستخدمَين لمواقع التواصل الاجتماعي أنه يتعرض لأخبار زائفة مرة واحدة في الأسبوع على الأقل، مما يجعل هذا المعدل هو الأعلى من بين 37 دولة مدرجة في التقرير.

منذ تأسيسها قبل سنتين، عملت منظمة تايت.أورغ على التحقيق فيما يقارب 700 محتوى رقمي مشبوه على مواقع التواصل الاجتماعي، وهو ما أسفر عن كشف حوالي 500 مادة إخبارية كاذبة تماما، بالإضافة إلى 60 مادة أخرى تجمع ما بين الزيف والحقائق. ولم تتمكن المنظمة من التحقق من المواد الإخبارية المتبقية بشكل كامل، وذلك على الرغم من أن المحررين قد عدوا على التدقيق في هذه القصص مرة أخرى على أمل أن يكشفوا الحقيقة.

في الوقت الذي تشير فيه الإحصائيات الواردة من موقع تايت.أورغ إلى أن الأتراك ربما يكونون على حق في التحفظ على المعلومات الخاطئة ضمن آخر الأخبار، تجعل الانقسامات السياسية العميقة في البلاد الأفراد أكثر ميلا لمشاركة المعلومات التي تدعم وجهة نظرهم الخاصة

قالت تشافوش لموقع ميدل إيست آي إنه على الرغم من عدم امتلاكها لإحصائيات حول عدد القصص الزائفة المتعلقة باللاجئين السوريين، إلا أن نظرة سريعة على صفحتها على الويب أظهرت أن الأخبار الكاذبة بشأنهم عديدة. في هذا السياق، أفادت تشافوش، أنه "على الرغم من العدد الكبير لهذه الأخبار الزائفة، لكن التفاعلات تعد الجانب الأكثر الأهمية في مثل هذه المواقف. فغالبا ما يقع مشاركة المنشورات التي تحتوي على معلومات حول اللاجئين السوريين على نطاق واسع كما أنها تٌقرأ بشكل مكثف وتخضع للمناقشة".

وفقاً لما صرحت به تشافوش، يكمن السبب الرئيسي الذي يجعل المستخدمين يعتقدون أنهم تعرضوا لأخبار زائفة في الانقسام الذي يشهده المجتمع التركي، الذي ينظر إلى قضية اللاجئين السوريين بشكل متزايد على أنها سياسية وليست إنسانية. وأضافت تشافوش، أنه "في تركيا، معظمنا لا نناقش قضية اللاجئين السوريين على أنها مسألة مستقلة في حد ذاتها، ولكننا نتطرق لها كجزء من هذا الانقسام الذي نعيشه. ويعزز هذا الانقسام موقف حزب العدالة والتنمية أو حزب المعارضة، حيث باتت القضية السورية قيد المناقشة على اعتبارها جزءا من النقاش حول السياسة الخارجية لحزب العدالة والتنمية".

في الوقت الذي تشير فيه الإحصائيات الواردة من موقع تايت.أورغ إلى أن الأتراك ربما يكونون على حق في التحفظ على المعلومات الخاطئة ضمن آخر الأخبار، تجعل الانقسامات السياسية العميقة في البلاد الأفراد أكثر ميلا لمشاركة المعلومات التي تدعم وجهة نظرهم الخاصة، في حين يتجاهلون كل الأخبار التي تتناقض معها ويقولون إنها زائفة.

في هذا الصدد، أفاد أكين أونفر، وهو أستاذ مشارك في العلاقات الدولية في جامعة قادر هاس، وباحث مشارك في مركز التكنولوجيا والشؤون العالمية في جامعة أكسفورد، لصالح موقع ميدل إيست آي، أن "المعلومات الكاذبة حول اللاجئين والمهاجرين في تركيا تنتشر لنفس السبب الذي تنتشر بموجبه في أي مكان آخر، حيث تغذي الخطابات اليمينية المتطرفة المناهضة للهجرة فضلا عن جاذبيتها الشعبية".

التحول نحو مناهضة اللاجئين

شدد أونفر على أن السوريين يعتبرون ضحايا هذه التجاذبات السياسية، الأمر الذي ترتب عنه في نهاية المطاف عدة أضرار جانبية رقمية، مضيفا أنه "لا توجد فجوة أيديولوجية أو حزبية واضحة يمكن ملاحظتها رقميًا حول قضية اللاجئين في تركيا. في المقابل، هناك تحول واضح نحو مناهضة اللاجئين ضمن كل المجموعات الأيديولوجية على وسائل التواصل الاجتماعي".

قال أكين  أونفر، أنه "عوضا عن أن يمثل هذا الموقف المناهض للاجئين أرضية مشتركة، لا يؤدي العداء المشترك تجاه السوريين لا إلا إلى تعميق الانقسامات السياسية وتأجيج التوترات

كما أكد أونفر على أن المعلومات الخاطئة المناهضة للاجئين باتت منتشرة في تركيا تماما كما هو الحال في الدول الغربية، ولنفس السبب، حيث أن "الهجرة واللاجئين تعد عناصر مهمة في الأجندة السياسية في جميع الأنظمة السياسية في العالم تقريبًا. في العصر الحالي، باتت الأخبار الزائفة حول اللاجئين، بما في ذلك عددهم، هدفهم ومكان إقامتهم، تحظى بشعبية كبيرة في الغرب".

في هذا الإطار، أضاف أونفر، أنه "عوضا عن أن يمثل هذا الموقف المناهض للاجئين أرضية مشتركة، لا يؤدي العداء المشترك تجاه السوريين لا إلا إلى تعميق الانقسامات السياسية وتأجيج التوترات، في ظل اختلاف الفصائل السياسية ذات المصالح الخاصة، وتحول السوريين إلى هدف سهل للعدوان والمعلومات الخاطئة". وأورد أونفر، أنه "من السهل اختلاق معلومات خاطئة عن اللاجئين ونشرها، نظرا لحقيقة أن اللاجئين أنفسهم لا يملكون سوى وسائل محدودة للتثبت من هذه البيانات والتحقق منها. كما أنه ليس لديهم ممثل منتخب للقيام بهذه الإجراءات نيابة عنهم".

في الواقع، أوردت تشافوش، محررة تقرير تحت عنوان "كيف تستخدم المعلومات الكاذبة في جميع أنحاء العالم لاستهداف اللاجئين؟"، أن هناك فئات مختلفة من الأخبار الزائفة المتعلقة باللاجئين. ومن بين الأخبار الأكثر شيوعاً، الادعاءات التي تشير إلى تورط اللاجئين في أعمال تنم عن عدم احترام ثقافة البلد المضيف؛ وأنهم إرهابيون متنكرون في زي لاجئين؛ وأنهم ينشرون المرض؛ أو أنهم جزء من نظرية المؤامرة.

أضافت تشافوش أنه "من بين كل هذه المواضيع، يمكن القول إن الأخبار الزائفة حول اللاجئين تتعلق معظمها بقضايا جنائية. وينتج عن هذه القضايا الجنائية بروز ادعاءات تفيد بأن الحكومات تفضل اللاجئين وتمنحهم امتيازات أكثر من مواطنيها. وتعد هذه الفئة الأخيرة من الأخبار شائعة بشكل كبير في تركيا". ووفقًا لتحليل قام به موقع تايت.أورغ، تندرج 6 من أصل 13 ادعاء كاذبا على الشبكات الاجتماعية تحت هذه الفئة.

من بين المشاكل الأخرى التي تتسبب في انتشار الأخبار الزائفة حول اللاجئين السوريين في تركيا، ضعف الثقافة الإعلامية لدى سكان البلاد، وهو ما أظهرته العديد من التقارير

في هذا الصدد، أوضحت تشافوش، قائلة: "نحن نتحقق من هذه الأخبار، ثم نكذبها، لكنها مثل الأشباح تعود لتظهر من جديد". كما أشارت أيضا إلى أن هناك فئة أخرى من الأخبار حول السوريين تتعلق بمزاعم تفيد بأنه بإمكانهم التصويت في تركيا. والجدير بالذكر أن هذا الخبر الزائف يظهر بشكل دائم عند اقتراب موعد إجراء الانتخابات في تركيا.

حسابات ساخرة

ومن بين المشاكل الأخرى التي تتسبب في انتشار الأخبار الزائفة حول اللاجئين السوريين في تركيا، ضعف الثقافة الإعلامية لدى سكان البلاد، وهو ما أظهرته العديد من التقارير. نتيجة لذلك، تأخذ حتى الحسابات الساخرة التي تنشر أخبار هزلية أحيانا على محمل الجد. وعلى سبيل المثال، يعمل حساب ساخر تحت اسم "أحمد الشريف، مكتب المواطنة السورية"، على نشر منشورات تغذي مشاعر معاداة السوريين في تركيا. وقد ادعى هذا الحساب أن السوريين في تركيا أقاموا مظاهرات للاحتجاج على "ميولات الأتراك المعادية للدين"، أو أن السوريين تم قبولهم في الجامعات دون الخضوع لاختبارات. ويقع تناقل هذه المنشورات وغيرها على نطاق واسع. وقد تأكدت منظمة تايت. أورغ من أن هذا الحساب يتعمد نشر أخبار زائفة.

في المقابل، يعتبر الأشخاص المطلعين على الشأن السوري وحدهم القادرين على التفطن لهذه المسألة، حيث أن أحمد الشريف ليس شخصية حقيقية، وصورة حسابه هي في الواقع تعود لرامي عبد الرحمن، مؤسس المرصد السوري لحقوق الإنسان، الذي يقع مقره في بريطانيا، والذي يشار إليه في العديد من المناسبات على أنه مصدر للأخبار في الإعلام الدولي.

من بين هذه الأخبار الكاذبة، حسب ما أثبتته منظمة تايت. أورغ، خبر ادعى وجود دعاوى قضائية تم رفعها استنادا إلى قانون جديد فرضته وزارة الداخلية، ينص على أن الأفراد الذين ينشرون مقاطع فيديو وصورا وأخبارا زائفة حول السوريين، سيتم الحكم عليهم بالسجن لمدة تصل إلى 3 سنوات. ولكن في الواقع لا توجد تقريبا أي تشريعات صارمة تتعلق بمسألة نشر الأخبار الزائفة في تركيا، حتى فيما يتعلق بجرائم الكراهية.

 أطفال سوريون يلعبون خارج منزلهم في أنقرة. ويعيش اليوم أكثر من 3.5 مليون لاجئ سوري في تركيا.

أوضحت تشافوش أن المنظمة، عوضا عن السعي لتسليط عقوبات على مرتكبي هذه التجاوزات، مهتمة أكثر بتدريب جميع مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي على التثبت من الحقائق بأنفسهم. وأضافت تشافوش أن تايت.أورغ تعتبر عضوا في شبكة عالمية للتحقق من صحة الأخبار، وواحدة من شركاء فيسبوك في حربه ضد التضليل والأخبار الزائفة. وتقوم تايت.أورغ بتحليل المحتوى الذي يتم نشره على منصات التواصل الاجتماعي، والتبليغ عن كل المواد التي تتضمن معلومات خاطئة أو مضللة. وحسب ما أكدته هذه المنظمة، تعمد شركة فيسبوك إلى غلق أو إلغاء كل الحسابات والصفحات التي تنشر معلومات مضللة أو خاطئة.

أكد كل من أونفر وتشافوش، على أنه لم يتم تكريس أي أبحاث لمعرفة من يقف وراء نشر هذه الأخبار المعادية للسوريين، أو ما إذا كانت جزءا من هجوم منسق ضدهم. وفي كل الأحوال، باتت النقاشات بشأن اللاجئين السوريين جزءا أساسيا من السياسات الداخلية في تركيا.

فيما يخص حادثة الرجل الذي صعد فوق التمثال في أديامان، نشر عضو البرلمان الذي ساهمت تغريدته في انتشار تلك القصة، باريش ياركاداش، تغريدة أخرى بعد ساعتين فقط، يقول فيها إن تغريدته الأولى كانت مبنية على "معلومات سابقة". وأضاف هذا النائب أن الرجل الذي ظهر في الفيديو كان في الواقع يدعى أحمد. ب، وهو مدمن على المخدرات عمره 30 سنة. لكن هذا النائب لم يعتذر على نشره لهذا الفيديو المضلل، وقال فقط: "أتمنى أن يتم وضع حد لمثل هذه التصرفات غير المقبولة".

المصدر: ميدل إيست آي