بات الكثير من الأشخاص في وقتنا الحاضر، ولا سيّما الشباب، ينظرون للسفر بمستوىً أعمق من كونه وسيلةً للاستجمام والمتعة، فقد أصبح طريقًا تساعدهم في البحث عن ذواتهم والتغيير من شخصيّاتهم في الوقت الذي يعجزون فيه عن تغييرها في البيئة التي يعيشون فيها أو تلك التي ترعرعوا فيها لسنواتٍ طويلة.

ولعلّ الأمر يرجع بشكلٍ أو بآخر إلى أنّ السفر إلى كلّ تلك الأماكن غير المألوفة تجعل من الشخص أكثر انفتاحًا وصراحةً مع نفسه، إذ يجدها خارج مجتمعه ودائرته التي كانت تقيّده وتُخضعه لقوانينها وعاداتها وقواعدها المختلفة التي ولا بدّ قد لا يجد نفسه تنتمي إليها لكنّه لا يستطيع الفكاك منها. فيجد نفسه حرًا في ذاته وقراراته وخياراته وأفعاله وعلاقاته بالأخرين من حوله، على عكس ما قد يجد نفسه عليها في بلدته أو موطنه.

هل يؤثّر السفر على شخصيّتك حقًّا؟

عام 2013، نشرت مجلة الشخصية وعلم النفس الاجتماعي ورقةً بحثية أجراها كلٌّ من لجوليا زيمرمان وفرانز نيير محاوليْن عن طريقها الإجابة عن سؤال كيف أثّر السفر الطويل على تطوّر شخصية عددٍ من طلّاب الجامعات الألمانية من خلال مقارنة عيّنة منهم ممّن سافر للدراسة لفترة ممتدة من الزمن، فصل دراسي واحد أو اثنين، مع عيّنة لم تسافر وبقيت في بيئتها الجامعية.

اهتمّ الباحثان بالكيفية التي أثّرت بها هذه الفترة من السفر الطويل على شخصيات الطلاب، وكذلك على الطريقة التي أثّرت بها شبكة التواصل الاجتماعي الجديدة التي في أي تغيرات شخصية تمت ملاحظتها.

خضع جميع الطلاب المشاركين في الدراسة لاختبار أبعاد الشخصية، أو ما يُعرف بالأبعاد الخمسة الكبرى وهي: الانبساط والتوافقيّة والانفتاح على التجربة والوعي ، والاستقرار العاطفي أو كما يُسمّى أحيانًا العصابية. كما قدّم المشاركون قائمة موسعة بشبكتهم الاجتماعية. أُعيد الاختبار ثانيةً بعد العودة من السفر لفحص تلك الأبعاد مرّةً أخرى.

توصّلت الدراسة إلى وجود رابط إيجابيّ واضح وجليّ بالتغييرات الحاصلة في شخصية المشاركين بالتغييرات الحاصلة في البيئة والشبكات الاجتماعية لهم نتيجة السفر

المشاركون الذين اختاروا الدراسة في الخارج سجّلوا ارتفاعًا في صفة الانبساط، والتي تعكس بدورها الحاجة إلى الانخراط في التفاعلات الاجتماعية، من أولئك الطلّاب الذين لم يسافروا. والطلاب الذين ذهبوا في رحلة لفصل دراسي واحد كانوا يميلون إلى أن يكونوا أعلى في صفة الضمير، والتي تعكس الحاجة إلى اتباع القواعد وإتمام المهام وضبط النفس، من أولئك الذين لم يسافروا. أمّا أولئك الذين ذهبوا في رحلة لمدة عام كامل سجّلوا درجاتٍ أعلى بشكل عام في صفة الانفتاح على التجربة من غيرهم. كما مال الطلّاب الذين سافروا إلى إظهار زيادة في صفة التوافقية، التي تعكس الحاجة إلى التوافق مع أشخاص آخرين، وصفة الاستقرار العاطفي، مقارنةً مع الذين لم يسافروا.

ترتبط هذه التغييرات الإيجابية الحاصلة في الشخصية بالتغييرات الحاصلة في البيئة والشبكات الاجتماعية للأشخاص نتيجة السفر. فكما هو معلوم، فإن الطلّاب الذين لم يسافروا حافظوا على شبكة اجتماعية مماثلة خلال فترة الدراسة. وعلى النقيض من ذلك، حصل الطلّاب الذين سافروا على فرصة مقابلة الكثير من الأشخاص الجدد في البلد الجديد وفقدان الاتصال بشكلٍ أو بآخر بشبكاتهم الاجتماعية في بلدهم الأصلي.

ما الذي يشكّل الشخصية بالأساس؟

هناك العديد من العوامل المحتملة التي تشارك في تشكيل شخصيةِ كلّ فردٍ منّا، وغالبًا ما يُنظر إليها على أنها مزيجٌ مشترك من كلٍ من الوراثة والبيئة. فالبحوث التي أجراها علماء النفس على مدى العقود الماضية أثبتت بالفعل أنّ الشخصية هي نتاج كلٍ من العوامل الوراثية والجينية من جهة، إضافةً للعوامل البيئية والاجتماعية بما فيها من قيم ومعتقدات وتوقّعات ناتجة عن الاختلاط الاجتماعيّ والتجارب الشخصية.

تتقاعل العوامل الوراثية مع العوامل البيئية والاجتماعية التي تعمل بدورها على التغيير أو الحدّ من دور الجينات في تكوين الشخصية أو التأثير فيها

يرى الكثير من الباحثين أنّ العوامل البيئية تعدّ أكثر أهمّية في حال حديثنا عن الشخصية. ففي النقاش الكلاسيكي القديم المعروف بالطبيعة مقابل التنشئة أو الطبيعة ضدّ التنشئة، تميل النظريات البيولوجية للاعتقاد بأنّ شخصية الفرد تتشأ بفعل الطبيعة، أيْ بفعل جيناته، ولا دور للعوامل البيئية والخارجية فيها. وتستند حجّتهم على دراسة التوائم المتطابقين وشخصيّاتهم.

لكن ما هو أهمّ من ذلك، أنّ العوامل الوراثية تلك تتفاعل بكلّ تأكيد مع العوامل البيئية والاجتماعية التي تعمل بدورها على التغيير أو الحدّ من دور الجينات الوراثة في تكوين الشخصية. فعلى سبيل المثال، في حال كنتَ ضعيفًا في المهارات الرياضية أو اللغوية وتحصل على درجاتٍ سيئة في المدرسة بشكلٍ منتظم، فمن المحتمل أنْ يصنّفك مَن حولك بأنّك شخص ضعيف أو غبي أو فاشل أو أيٍّ من تلك الصفات الشبيهة.

تصبح تلك التصنيفات نبوءةً تحقّق ذاتها بناءً على تصوّرك لنفسك بشكلٍ متزايد بتلك الطريقة. وبكلماتٍ أخرى، الطريقة التي يراك فيها مَن حولك والتوقّعات المرتبطة بها قد تعلب دورًا كبيرًا في بناء شخصيّتك والطريقة التي تنظر بها إلى نفسك.

كيف يلعب السفر دورًا إذن؟

تتفاعل الشخصية مع البيئات الاجتماعية بطرقٍ مختلفة، واحدة منها تُعرف بمصطلح الاستفزاز أو Evocation. فبمجرّد تواجدك داخل بيئة اجتماعية سيعمل الآخرون من حولك على توقّع ردود أفعالك والتنبّؤ بها، كما أنّك ستبدأ بتوقّع تصرّفات الآخرين وشخصيّاتهم بناءً على شخصيتك أنت. فإذا كنتَ سريع الانفعال أو عدوانيًا فإنك ستقوم بتفسير سلوكيات من حولك بناءً على مدى انفعالك أو عدوانيتك.

يخرجك السفر من منطقة الراحة التي رُسمت لك من خلال بيئتك القديمة، ما يستدعي منك التكيّف مع بيئتك الجديدة حيث الأشخاص الجدد والممارسات أو الانطباعات الثقافية والاجتماعية الجديدة 

أيْ أنّ الشخصية التي تُظهرها للآخرين مبنية على توقّعاتك عنهم وعن ما يعتقدونه عنك. فإذا كنتَ في وسطٍ يرى أنّك متسلّط أو بليد أو غاضب أو أنانيّ، فإنك مع الوقت ستبدأ بالتصرّف بحسب توقّعاتهم عنك حتى في حال رغبتك بمخالفتك إياها. كما أنّ توقعاتك عمّن حولك ستنعكس أيضًا بالطريقة التي تظهر فيها شخصيتك.

لذلك، ففي حال سفرك إلى بلدٍ أو مكانٍ لا يعرفك فيه أحد حيث بإمكانك تغيير شبكتك الاجتماعية بشكلٍ كلّي دون توقعاتٍ مسبقة أو تنبّؤات عن السلوك والشخصية، فيصبح بإمكانك التغيير من صفات شخصيتك التي تنعكس بدورها على سلوكياتك وتصرفاتك وأفكارك ومبادئك.

ربما نحتاج إلى البدء في النظر إلى السفر كأداة تعليمية ووسيلة تنموية إلى جانب المتعة المرتبطة به لما فيه من تأثيرات إيجابية على الشخصية والهوية الفردية وغيرها من الجوانب

من جهةٍ أخرى، يُخرجك السفر من منطقة الراحة التي رُسمت لك من خلال بيئتك القديمة، ما يستدعي منك التكيّف مع بيئتك الجديدة حيث الأشخاص الجدد والممارسات أو الانطباعات الثقافية والاجتماعية الجديدة مثل اللغة والمعتقدات والقيم والتوقعات وما إلى ذلك. وكلّما تفاعلت مع هذه الجوانب الجديدة، زادت فرصتك لتصبح أكثر انفتاحًا وتقبّلًا لما هو مختلف، الأمر الذي يساعدك في اكتساب مفهوم آخر للحياة والعالم.

كما أنّ اختفاء التوقّعات أو انخفاضها سيزيد من استقرارك العاطفيّ ويقلّل من عصابيّتك وتحيّزاتك وتوتّراتك. وبالتالي، كلّما قابلت شخصًا قد عاد لتوّه من رحلة سفرٍ طويلة، سواء لأسباب دراسية أو عملية أو استجمامية، فتوقّع أنْ تلتمس بعض أو الكثير من التغييرات في شخصيّته. وتأكد أيضًا أنّك إنْ رغبت بتغيير جزءٍ من ملامح شخصيّتك التي تحافظ عليها منذ سنوات أو عقود، فالسفر أو الغرفة قد يساعدانك بكلّ تأكيد على ذلك. لذلك، ربما نحتاج إلى البدء في النظر إلى السفر كأداة تعليمية ووسيلة تنموية إلى جانب المتعة المرتبطة به لما فيه من تأثيرات إيجابية على الشخصية والهوية الفردية وغيرها من الجوانب.