تتغزل الأشعار باسم جمنة وتتغنى بسحر كثبانها الرملية وعراجينها العسلية الممتدى على قدر رحابة صدر سكانها وحسن ضيافتهم. وبقدر تفرد جمنة بين واحات الجمهورية التونسية، تميز مواطنوها بأن أثبتوا أن الأفعال أبلغ من الأقوال، وبأن التواكل ليس من شيم من اعتاد افتراش الرمل تحت جذوع النخيل.

وجمنة هي بلدة تابعة لولاية قبلي جنوب البلاد، تقع على الطريق الرابط بين ولاية قبلي ومدينة دوز التاريخية، لا يكاد عدد سكانها يتجاوز 6000 حسب آخر الإحصائيات سنة 2014، لها تاريخ يمتد إلى لآلاف السنين، حيث يربط الجمنيون قصة تأسيس بلدتهم بالصحابي المقداد بن الأسود الكندي، ويربطون تاريخ ازدهارها بقدوم جدهم "سيدي عبد الله الحاج" إلى مدينة نفزاوة في منتصف القرن الثاني للهجرة، الذي دعا الله أن أن يرزق أهلها ماء طاهرا قائلا "جمي ببركة الله"، فاستجاب الله دعاءه وأصبح ماء البلدة طاهرة وأصبح اسمها "جمنة".

وعقب الثورة التونسية، وفي حين توجهت الأضواء إلى مناطق التجمهر والمظاهرات، كانت بلدة جمنة تعيش تحركا مجتمعيا ديمقراطيا تشاركيا فريدا من نوعه، وذلك بمنأى عن جميع الاعتبارات السياسية والتدخلات الخارجية. وفي حال حللت ضيفا على أهالي جمنة، ستجد أنهم يتحدثون بحماس عن تجربتهم الفريدة في استرجاع أراضيهم بأنفسهم واستراتيجياتهم المدروسة لاستغلالها ونسيان أزمتهم التي امتدت على فترة تقارب القرن من الزمن.

الجذور التاريخية للأزمة

وتعود أصول أزمة أهالي جمنة إلى عشرينات القرن الماضي، عندما عمد المُستعمِر الفرنسي إلى إنشاء "الشركة التجارية والفلاحية للجنوب التونسي" والإستيلاء على أراضي الفلاحين في جمنة واستغلالها لعقود من الزمن، ليلقى كل من يعارض هذا التمشي السجن والتعذيب من طرف السلطات الاستعمارية آنذاك. وعقب استقلال تونس والجلاء الزراعي للمستعمر في 12 أيار/ مايو 1964 وتوجه الحكومة نحو إعادة الأمور إلى نصابها، تمكن أصحاب الأراضي المنهوبة في جمنة من استرداد ممتلكاتهم مقابل دفع مبلغ 40 ألف دينار (13724 دولار)، وهو ما يمثل نصف المبلغ المتفق عليه مع الحكومة حديثة العهد آنذاك.

بعد إفلاس الشركة التونسية التي كانت تستغل أراضيهم لعقود، تواصل حرمان أهالي جمنة من حقوقهم

على ضوء هذه الصفقة، قامت السلطة باعتماد المبالغ التي تحصلت عليها من الفلاحين في مشاريع جهوية تنموية تهدف لخدمة اقتصاد الولاية، عوضا عن استثمارها في تحسين البنية التحتية للبلدة أو تطوير الواحات وتحسينها. ثم في منتصف السبعينات، فرطت الحكومة في هذه الأراضي لصالح الشركة التونسية لصناعة الحليب، وهنا يدعي فلاحو جمنة أنهم تعرضو للخداع من قبل السلطة أولا، ثم باتت تتلقفهم أمواج التحيل من كل حدب وصوب.

وحتى بعد إفلاس الشركة التونسية التي كانت تستغل أراضيهم لعقود، تواصل حرمان أهالي جمنة من حقوقهم، حيث عمدت السلطة سنة 2002 إلى تأجير الواحات كثيفة الإنتاج إلى مستثمرَين اثنين مقابل مبلغ مالي ضئيل جدا في إطار صفقة سياسية، وهكذا لم يبقى أمام جمنة سوى التحرك الاجتماعي للدفاع عن حقوقهم.

تحرك شعبي لاسترداد الحق المنهوب

في الثاني عشر من شهر كانون الثاني/ يناير من سنة 2011، وقبيل فرار الرئيس التونسي زين العابدين بن علي من جحافل المحتجين وتخليه عن دفة قيادة البلاد، بدأت مطالب استرجاع الأراض التي نُهبت من طرف المستعمر الفرنسي والدولة التونسية وبعض المستثمرين غير القانونيين توالياً، ليتوجهوا لإجراء اعتصام مفتوح دام 99 يوما على أرض تقع قبالة الواحات المراد استرجاعها في انتظار صدور القرار الحاسم في قضيتهم.

لم يعمد معتصمو جمنة إلى عمليات تخريب وإفساد وترهيب للحكومة، بل حرصوا على أن تكون مبادرتهم سلمية وشعاراتهم موجهة لمطالب جلية مثل: "لا تفريط في القضية" و"استقلال القضاء يرفض ظلم الأثرياء"، طامحين إلى تحويل خيرات جمنة من حسابات الأثرياء إلى مشاريع تنموية تعود بالفائدة على المنطقة وتُنصف أهاليها.

جمعية حماية واحات جمنة .. اللبنة الأولى في صرح تجربة غير مسبوقة

أنشأ أهالي جمنة "جمعية حماية واحات جمنة"، لتكون الخطوة الأولى نحو إضفاء طابع رسمي على تحركهم الموحد ضد المظلمة التي يعانون منها. ونظرا لكون أنشطتها تهدف إلى تحقيق الفائدة القصوى لصالح القرية، عملت الجمعية على استغلال واحات جمنة بالنيابة عن أهالي المدينة.

رئيس جمعية حماية واحات جمنة الطاهر الطاهري خلال أحد الاحتجاجات ضد تدخل السلطة لافتكاك واحات القرية

وبحلول موعد تلقيح النخيل في واحات جمنة، وهي عملية بسيطة تتطلب نقل حبوب اللقاح من ذكور النخيل إلى إناثها لإتمام عملية الإخصاب وتكوين الثمار، قام الأهالي الرابضين قبالة الواحات من خلال الجمعية ورئيسها الطاهر الطاهري، بتنظيم حملة لجمع التبرعات لتمويل عمليات تلقيح أشجار النخيل، فامتدت السواعد لجمع التبرعات من الأهالي أنفسهم وتجار التمور في المنطقة والاقتراض جمعيات أخرى في جمنة.

تكدست الأموال داخل صناديق التبرعات والهبات والقروض، فبادر أعضاء الجمعية إلى احتسابها ليجدوا أنها كافية ليباشروا بوضع استراتيجية لتلقيح أشجار النخيل البالغ عددها 11 ألف نخلة. وبقدر ما قد يبدو هذا العدد كبيرا، إلا أن مثابرة أهالي جمنة وسعيهم الدءوب لقيادة إحدى أبرز المبادرات التشاركية في البلاد سمح لهم بتلقيح النخيل في الوقت المناسب، تاركين زمام الأمور للطبيعة الأم لتنتج لهم محصولا طال انتظاره.

ولا بد من الإشارة هنا إلى أن جمعية حماية واحات جمنة لم تكن تتصرف في كامل الأراضي التابعة للدولة في القرية، حيث كانت تستأثر بحوالي 185 هكتارا (457 فدان) من الأراضي التي كانت تمتد على مساحة 306 هكتار (756 فدان)، لكنها اعتمدت هذه الأراضي كانطلاقة فعلية لعملها نحو إنجاح مبادرة الأهالي. وحملت الجمعية على عاتقها مسؤولية تحويل آمال وتطلعات مواطني جمنة إلى واقع ومنوال يحتذى به.

جني محصول تمور واحات جمنة.

الأرقام لا تكذب

منذ سنة 2002، لم تكن تكلفة تأجير النخلة الواحدة تتجاوز ربع دولار في السنة الواحدة، وهو ما اعتبره رئيس الجمعية والأستاذ المتقاعد، الطاهر الطاهري، استغلالا مجحفا لثروات جمنة ومبلغا لا يعكس الواقع، حيث يمكن لإنتاج النخلة الواحدة أن تتجاوز قيمته 100 دولار سنويا. وتفيد هذه الأرقام بأن المرابيح كانت تصب في جيوب المستثمرين ولا تعود بالنفع على أهالي جمنة، وهو ما أدى إلى تدارك الأمر وتكاتف الجهود من أجل تحويل وجهة هذه المرابيح.

في ظل الآراء المتضاربة حول الاستراتيجية المثلى التي يجدر بهم اتباعها، اقترح بعض الفلاحين قسمة الأراضي في ما بينهم واستغلالها على نحو فردي، لكن الجمعية لم تجد بدا لذلك، وعملت على إقناعهم بأن ما بدأوه معا يجب أن ينتهي كما بدأ، أي باعتباره مشروعا اشتراكيا تضامنيا بين جميع الأهالي، مع تسيير أعضاء الجمعية لجميع العمليات المتعلقة بالإنتاج والبيع والصيانة بصفة تطوعية ودون تلقي أي مبلغ مالي.

وأسفر هذا التعاون الناجع عن محصول وفير من التمور، فضلا عن تشغيل حوالي 130 عامل بعد أن كان عدد العمال لا يتجاوز 20 عاملا مسؤولين عن عمليات الري فقط، وهو ما قاد الجهة إلى تحقيق انتعاشة فورية ساهمت في تمويل المشاريع التي تُعنى بتحسين البنية التحتية في البلاد. وبعد أن كان أهالي جمنة ينادون بتحسين المستشفى المحلي، باتوا قادرين على تزويده بتجهيزات عصرية وتجديده، فضلا عن تحسين بعض الطرقات ومساعدة بعض العائلات الفقيرة.

يمكن القول إن الدقلة (تمور المنطقة) باتت وقود الإصلاح في قرية عانت بشكل كبير مع إيجاد الموارد القادرة على تمويل أحلام أهاليها ودفعهم لتحقيقها على أرض الواقع. ويبدو أن جمنة كانت مثل من اكتشف النفط للمرة الأولى، حيث تمكن الأهالي من توظيف أموال الذهب العسلي اللون في تمويل العديد من المشاريع مثل تجهيز مدرسة القرية بوحدة رعاية صحية وقاعة مطالعة والعديد من القاعات الإضافية، كما نالت الجمعيات المحلية نصيبها من الأموال لتشهد القرية نشاطا ثقافيا واجتماعيا لم يسبق له مثيل.

كلما ازدادت الأصفار في مداخيل واحات جمنة، تزايدت أطماع المتربصين بها، وهو ما جعل جمعية حماية واحات جمنة ترزح تحت ضغط كبير من أجل الحفاظ على مسارها التنموي

بلغت التجربة التشاركية في جمنة عامها الثالث، وجلبت إليها أنظار الحكومة التونسية التي ما لبثت تعمل على استعادة واحات جمنة بعد أن أمست واحدة من أكثر واحات البلاد التونسية إنتاجية، لاسيما وأن إنتاجها بات يتجاوز مبلغ مليون دينار في السنة الواحدة (340 ألف دولار)، بعد أن كانت الضيعة تدر 450 ألف دينار (154 ألف دولار) في أفضل مواسمها في السابق، وهو ما أسال لعاب الأطراف التي اعتادت فرض سيطرتها المطلقة على المشاريع الناجحة.

حرب أهالي جمنة مع السلطة

كلما ازدادت الأصفار في مداخيل واحات جمنة، تزايدت أطماع المتربصين بها، وهو ما جعل جمعية حماية واحات جمنة ترزح تحت ضغط كبير من أجل الحفاظ على مسارها التنموي. ويرجع نجاح تجربة الاقتصاد التشاركي في القرية التونسية إلى صمود المشرفين عليها في وجه السلطة التي اعتبرت ما قاموا به تعديا على سيادتها، فضلا عن إعدادها لترسانة من القوانين التي جعلت من استغلال مواطني جمنة للواحات قضية رأي عام في تونس.

وعلى الرغم من شراسة المعركة بين السلطة وأهالي جمنة، لم تتمكن السلطة من وأد تجربة جمنة كتجربة اجتماعية فريدة من نوعها، حيث صمدوا ضد جميع المحاولات التي تسعى لترهيبهم، والتي ستتخذ منحى أكثر جدية وحدة في قادم السنوات.

وبشكل عام، تزامنت وطأة الضغوطات التي سلطتها السلطة على تجربة جمنة بالتزامن مع نموها واكتسابها ثقلا اقتصاديا مبهرا بمنأى عن السلطة المركزية للدولة، التي كانت أحزابها الحاكمة منزعجة بشكل كبير من تجربة الجمنيين الفريدة.

بيان أعضاء حزب نداء تونس في مجلس نواب الشعب التونسي ضد استغلال واحات جمنة

في 18 أيلول/ سبتمبر 2016، أصدرت الدولة التونسية أمرا قضائيا يمنع إقامة مزاد عمومي لبيع محصول التمور الذي جمعه أهالي جمنة، ليكون لهم ما أرادوا وليفوزوا بإحدى المعارك في حربهم على تجربة الجمنيين الاشتراكية. ومن جهتها، عملت جمعية حماية واحات جمنة على إثارة قضيتها وحث التونسيين على دعمهم، ليحظوا بتأييد العديد من السياسيين والإعلاميين في البلاد، على غرار أعضاء مجلس النواب التونسي، سامية عبو والنائب عن حركة النهضة عبد اللطيف المكي، والذي صرح أن حضوره للمزاد العمومي الذي أُقيم في 9 تشرين الأول/ أكتوبر 2016 يندرج ضمن مساعيه لمساندة هذه التجربة الناجحة وإيجاد حل قانوني وواقعي يرضي جميع الأطراف.

فور إجراء المزاد العمومي للمرة الثانية وبيع المحصول مقابل 1.7 مليون دينار تونسي (580 ألف دولار)، حسب ما صرح به أمين أموال جمعية حماية واحات جمنة، علي حمزة، ارتأت السلطة التصعيد وقامت بتجميد الحسابات البنكية الخاصة بالتاجر الذي اشترى المحصول، فضلا عن حساب جمعية حماية واحات جمنة نظير إشرافها على المزاد، وهو ما مثل بداية مرحلة جديدة من الصراع بين الطرفين.

 ندوة صحفية بالعاصمة تونس لمساندة تجربة أهالي جمنة بتاريخ 14 تشرين الأول/ أكتوبر 2016

تحركت العديد من الأطراف على خلفية نجاح المزاد العمومي في جمنة، على غرار وزير أملاك الدولة والشؤون العقارية آنذاك، مبروك كورشيد، الذي اضطلع بالتصدي لمحاولات أهالي الجهة لإنجاح تجربتهم، كما عمد العديد من السياسيين البارزين التابعين لحزب نداء تونس باستنكار تصرفات جمعية حماية واحات جمنة والقول إنها "اعتداء فاضح على أملاك الدولة والشعب"، ضاربين بعرض الحائط جميع المشاريع التنموية التي انبثقت عن هذا "الاعتداء".

 احتجاج جمعية “حماية واحات جمنة” على قرار وزارة المالية بتجميد حساباتها البنكية 21 تشرين الأول/ أكتوبر 2016.

انتصار غير مكتمل

في ظل تعنت السلطة وسعي الكثير من السياسيين للإطاحة بمبادرة أهالي جمنة، اعتمد أعضاء جمعية حماية واحات جمنة عرض قضيتهم لدى وزارة الفلاحة، والتي قابلت مساعي الطاهر الطاهري بالتعامل الجدي، ليقود ذلك إلى انفراج جزئي أعقبه اتفاق بالنظر بصفة جدية في حل جذري يساعد على تلافي آثار هذه الأزمة. وتوصلت الوزارة في شهر نيسان/ أبريل 2017 إلى عقد اتفاق مبدئي مع الجمعية، والذي ينص على إنشاء شركة جديدة تحل محل الجمعية وتعمل بالشراكة مع ممثلين عن الحكومة التونسية على تسيير الضيعة لمدة 30 سنة قادمة.

اعتمادا على الاتفاق الأولي بينهم وبين الحكومة التونسية، عمل أهالي جمنة على مزيد تطوير الواحات وغراسة 2000 نخلة جديدة، فضلا عن تنظيم الضيعة وصيانتها بشكل مثالي، وهو ما انعكس بالإيجاب على المحصول السنوي للتمور، حيث بلغ ثمن محصول سنة 2017 مبلغ 1.541 مليون دينار، أي ما يعادل 530 ألف دولار أمريكي، وذلك في ظل معارضة بعض الأطراف للمزاد العمومي كما جرت العادة.

 المزاد العمومي لبيع محصول تمور واحات جمنة، 2 تشرين الثاني/ نوفمبر 2017.

استمرت عجلة الإصلاح في جمنة بالدوران مع استمرار نخيلها بمكافئة أهالي القرية على اهتمامهم به وصيانتهم المستمرة، حيث بلغت قيمة بيع محصول سنة 2018 مبلغ 1.7 مليون دينار (580 ألف دولار)، لتتابع جمعية حماية واحات جمنة تحسين البنية التحتية للقرية والاهتمام بشؤونها في ظل تهميش السلطة للمنطقة.

حتى يومنا هذا، لا يزال أهالي جمنة متحفظين على بعض البنود التي وردت في الاتفاق الذي جمعهم بالحكومة التونسية، لاسيما في ما يتعلق بتوزيع المرابيح على العمال وتحديد عمرهم، فضلا عن العديد من التعديلات القانونية الأخرى التي تتطلب تكاتف جهود القائمين على الواحة وقبولهم بحشر المسؤولين الحكوميين لأنوفهم في طرق الإدارة.

لم يكتمل حلم أهالي جمنة بعد، لكن صمود تجربتهم في وجه السلطة دليل على أنهم قطعوا أشواطا طويلة في مسيرتهم الاستثنائية حتى الآن، كما أن خفوت حدة الانتقادات من طرف المسؤولين الحكوميين يعد اعترافا بانتصارهم. وفي حين تغنى الشعراء قديما بنخيل جمنة وعراجينه العسلية، لعل شعراء المستقبل سيتغنون بإصرار مواطنيها ومثابرتهم لإنجاح إحدى أكثر المبادرات إلهاما، ومن يدري لعل السلطة قد تعمل على تقنين هذه التجربة وتعميمها.