عادة ما تعتمد تفضيلاتنا الغذائية اليومية على قرارات فورية وعشوائية دون أن نعي أن لهذه الخيارات تأثيرًا ليس فقط على صحتنا الشخصية، وإنما على البيئة من حولنا أيضًا، لكن إذا أعدنا التفكير مرتين بنظامنا الغذائي وتكلفته الحقيقية على مواردنا الطبيعية، قد نقلل من كمية الاستهلاك أو نبدل الأنواع المضرة بأخرى أقل تلويثًا وإضرارًا بالماء والهواء، فكيف يمكن أن تتسبب المواد الغذائية بفوضى عارمة في محيطنا؟

ما علاقة طعامنا بالتوازن البيئي؟


يواجه العالم الحالي مشكلات بيئية عدة وبعضها حادة، ترتبط معظمها بأنشطة المجتمعات وأنظمتها الاقتصادية التي تدير عملياتها الصناعية والزراعية، وأبرز هذه الظواهر هي الاحترار العالمي الذي يتأثر بشكل كبير من انبعاثات الكربونات التي تنتج عن الغذاء الذي نستهلكه، فعملية الزراعة والإنتاج والتصنيع والتعبئة، تعمل من خلال احتراق الوقود الأحفوري الذي يطلق غازات دفيئة تؤدي إلى احتباس الحرارة في الجو، إذ يقيس العلماء تأثير هذه الأنشطة من خلال ما تخلفه من غاز الكربون في الجو أو ما يُسمى بـ "بصمة الكربون"، والتي تُقاس عادة عند استهلاك كل 100 جرام من الطعام، وعلى هذا الأساس يمكن أن نتصور تأثير كل كمية من الطعام على البيئة.

تسبب اللحوم ومنتجات الألبان أكبر نسبة من الضرر البيئي، وهذا على العكس من الفواكه والخضراوات التي تعتبر مأكولات صديقة للبيئة

وإذا صنفنا الأطعمة بشكل هرمي بناءً على مدى ضررها أو منفعتها للبيئة، فسنجد أن اللحوم ومنتجات الألبان تأتي في القاعدة، لأنها تسبب بأكبر نسبة من الأذى البيئي، وهذا على العكس من الفواكه والخضراوات التي تتسلق قمة الهرم على اعتبار أنها مأكولات صديقة للبيئة وتساعد على نظافتها ومواردها بشكل كبير، أما فيما يتعلق بالحبوب والمخبوزات والحلوى فتقع في منتصف الهرم. يعتمد هذا الترتيب على درجة الضرر البيئي الذي تسببت به هذه المواد عند استهلاكها وبدايةً من مرحلة الزراعة ومرورًا بالتصنيع ووصولًا إلى نقلها وتوزيعها على الموردين والبائعين.

بمعنى آخر، لا ترتكز هذه الحسبة على كمية الطاقة التي يمتصها الجسم من الأغذية فقط، فعلى سبيل المثال، يحتاج الجسم إلى تناول كمية كبيرة من الخس من أجل الحصول على نفس عدد السعرات الحرارية التي يمكن أن تحصل عليها من تناول شريحة اللحم المقدد لكن هذه الشريحة تخلف 3 أضعاف غازات دفيئة مقارنة مع نفس كمية الطاقة التي يوفرها نبات الخس، وفي أحيانٍ أخرى قد تخلف نسب أعلى من الغازات في حالة إن كانت هذه المواد معلبة ومستوردة وانتقلت من مكان إلى مكان آخر أكثر من مرة، حيث تنتج حوالي 787 جرامًا من ثاني أكسيد الكربون لكل 100 سعرة حرارية نتناوله منها.

ولا بد الأخذ بالاعتبار جميع الأسمدة والمواد الكيمائية التي استخدمت أثناء الزراعة بهدف محاربة الآفات والحشرات، إضافة إلى أطنان البنزين والديزل التي تستهلكها المحاريث والشاحنات في نقل البضائع إلى السوق، وبالإجمال تتسبب الأغذية التي نتناولها بنسبة 25% من الغازات الدفيئة وهذا مؤشر عال نسبيًا ويمكن التحكم به عن طريق تبديل عاداتنا الغذائية وإجراء تغيرات حاسمة للحد من هذا الضرر، ولتحقيق ذلك، كشفت دراسة بريطانية عن المؤشرات الرئيسية التي تعكس تأثير النظام الغذائي على البيئة وحددتها بانبعاثات الغازات الدفيئة والتوسع في استخدام الأراضي الزراعية واستخدام المياه العذبة والجوفية واستعمال النيتروجين والفوسفور.

تتسبب الأغذية التي نتناولها بنسبة 25% من الغازات الدفيئة وهذا مؤشر عال نسبيًا ويمكن التحكم به عن طريق تبديل عاداتنا الغذائية وإجراء تغيرات حاسمة للحد من هذا الضرر

وبناءً على هذه المعطيات، أكد الباحثون القائمون على الدراسة أن هذه المؤشرات ستزيد التأثير السلبي على البيئة بنسبة تتراوح بين 50% إلى 92% وبما أن معدلات إنتاج الطعام واستهلاكه تختلف وتتزايد كنتيجة للتطورات الاجتماعية الاقتصادية والزيادة السكانية فإن درجة تهديد المؤشرات الخمسة سترتفع وستزداد نسبة الانبعاثات الغازية بنحو 87% وزيادة الطلب على المناطق الزراعية بمعدل 67% ومياه الشرب ما يقرب بـ 65% واستعمال الفوسفور بنسبة 54% والنيتروجين بمعدل 51%، وهي عوامل تزعزع التوازن البيئي وتهدد الحياة البرية والتنوع الحيوي.


وللحد من هذه التأثيرات السلبية، تقول اللجنة الحكومية للتغير المناخي إن علينا استهلاك كميات أقل من المنتجات الحيوانية والألبان واستبدالها بالأطعمة الموسمية المنتجة محليًا، فبحسب دراسة جامعة أكسفورد فإن تجنب تناول اللحوم والألبان قد يخفض ما ننتجه من غازات الاحتباس (أو بصمتنا الكربونية) من الطعام بحوالي الثلثين.

إذ تسبب لحوم الأبقار بـ41% من غازات الاحتباس الحراري، بينما تمثل الألبان حوالي 19% ومن شأن ذلك أن يخفض مساحات الأراضي الضرورية لإنتاج الطعام بنسبة 75% وبالتالي تقل احتمالية فقدان المزيد من الغابات والمساحات الخضراء ويقل بالطبع تلوث الهواء.

يمكن الاعتماد على بدائل أخرى مثل حليب اللوز وفول الصويا والفواكه والخضراوات الطازجة والأسماك

في المقابل، يمكن الاعتماد على بدائل أخرى مثل حليب اللوز وفول الصويا والفواكه والخضراوات الطازجة والأسماك، فمع استمرار استهلاك الناس حوالي 75 رطلًا من اللحوم للشخص الواحد سنويًا لا يعد بالتغيرات الكبيرة التي تبحث وتشير إليها المنظمات الزراعية والبيئية، ولذلك من المهم أن نتذكر أن خياراتنا الغذائية هي جزء من العالم وقضاياها، وجميعنا يتحمل هذه المسؤولية.