ترجمة وتحرير: نون بوست

تعتبر المملكة العربية السعودية من أهم القوى الموجودة في الشرق الأوسط، لما تملكه من تأثير قوي على الدول المجاورة. ومنذ تولي الملك سلمان العرش سنة 2015، طرأت على المشهد الثقافي وأولويات المملكة عدة تحولات على الصعيدين الداخلي والخارجي. فعلى مستوى السياسة الخارجية، تأثرت عملية اتخاذ القرار التي لم تعد تتسم بالبطء والحذر- مثل العديد من الجوانب الأخرى من عملية صنع القرار في المملكة - وباتت أكثر ديناميكية إن لم تكن أكثر عشوائية تحت رعاية ولي العهد محمد بن سلمان، نجل الملك الذي أصبح ممثل بلاده على الصعيد الدولي.

على الرغم من النزوات التي بات يُعرف بها ولي العهد، فإن مقتضيات السياسة الخارجية السعودية لم يطرأ عليها أي تغيير. ففي جوهرها، لا تزال المملكة عازمة على تأمين نفسها في منطقة معرضة لخطر نشوب النزاعات، وهي ترغب في الدفاع عن أمنها الداخلي ضد الفكر الجهادي والمشاعر المناهضة للحكومة، وحماية نفسها من التهديد الإيراني.

بالإضافة إلى ذلك، تسعى المملكة إلى أن تصبح طرفا استراتيجيا فاعلا في الشرق الأوسط لتحدي منافسيها (لا سيما إيران وتركيا) من خلال التعامل مع هؤلاء المنافسين باستخدام مزيج من القوة الناعمة والعسكرية، حتى لو كانت تجمعها بهم علاقات عمل عندما تقتضي الضرورة ذلك. كما تعتزم المملكة الحفاظ على مظلة أمنها تحت الولايات المتحدة بينما تعمل على تنويع شركائها الاقتصاديين والأمنيين حتى تضمن عدم اعتمادها الكلي على واشنطن.  وبعد الأحداث الأخيرة التي وضعت قيودا على سياستها الخارجية، تتطلع السعودية خلال سنة 2019 إلى تأمين نفسها من التهديدات الخارجية من دول مثل إيران، وإن كان ذلك بأقل قدر من الصخب مقارنة بسنتي 2017 و2018.

سنتان من الضغوط

بات دور ولي العهد باعتباره شخصية عامة تمثل المملكة يشكل عبئا. ففي سنة 2017، فرضت المملكة العربية السعودية حصارا على جارتها قطر، واحتجزت رئيس الوزراء اللبناني بصفة مؤقتة، وقطعت بعضا من علاقاتها الاستثمارية مع ألمانيا. ولكن بعض القضايا التي تعتبرها المملكة مسائل داخلية بحتة كان لها تأثير عميق على علاقاتها الخارجية. ولعل أهم هذه القضايا التحقيق الذي أجرته في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر سنة 2017 في إطار حملتها لمكافحة الفساد، حيث اعتقلت السلطات السعودية عددا كبيرا من رجال الأعمال ما ساهم في خلق مخاوف بشأن سيادة القانون بين المستثمرين الأجانب.

المملكة العربية السعودية لا تزال ترغب في ممارسة سلطتها على قطر، وهو ما يكشفه استمرار الحصار الذي يفرضه مجلس التعاون الخليجي ضد هذا البلد الخليجي

سنة 2018، دخلت المملكة العربية السعودية في خلاف دبلوماسي مع كندا بسبب تغريدة، لا تعتبر مؤذية نسبيًا، حول سياسات الرياض في مجال حقوق الإنسان. وبطبيعة الحال، خلفت قضية اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في إسطنبول سخطا عالميا.

في خضم محاولاتها للحد من الأضرار الناجمة عن قضية خاشقجي، سعت المملكة خلال هذه السنة إلى تهدئة بعض العواصف التي تسببت بها سنة 2017. ففي بلاد الشام، أبدت المملكة كرمها الكبير لتوفير مبلغ مالي مهم للأردن الذي كان يمر بضائقة مالية، بعد مرور سنة فقط عن رفضها تجديد حزمة من المساعدات التي كانت تقدمها إلى عمان.

فضلا عن ذلك، أكدت السعودية دعمها للبنان على الصعيدين السياسي والاقتصادي بعد الاضطرابات التي شهدتها العلاقات الثنائية بين البلدين سنة 2017. (وفي الحقيقة، إن رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، الذي حلّ ضيفا على محمد بن سلمان في وقت سابق من السنة الماضية، أشاد بفضائل العلاقات الوثيقة التي تربط بلاده بالسعودية خلال لقاءات مع وسائل الإعلام في وقت سابق من هذا الشهر).

من الواضح أن المملكة العربية السعودية لا تزال ترغب في ممارسة سلطتها على قطر، وهو ما يكشفه استمرار الحصار الذي يفرضه مجلس التعاون الخليجي ضد هذا البلد الخليجي. لكن يشير قرار الرياض باستضافة قمة مجلس التعاون الخليجي الأخيرة، على أعلى مستوى، إلى جهود المملكة لاستعادة العلاقات الإقليمية مع الدوحة على الرغم من  اختيار قطر تخفيض مستوى تمثيلها في هذه القمة.

في حين أن المملكة العربية السعودية لن تتردد في استخدام المزيد من القوة العسكرية في اليمن ضد المتمردين الحوثيين المدعومين من إيران في حال تأكدت من أنها لن تواجه أي عواقب دبلوماسية من قبل حلفائها الغربيين، فإن أهوال الحرب الأهلية قد ساهمت في خلق ضغط دولي عليها؛ مما دفع الرياض إلى الانضمام إلى محادثات السلام الأخيرة التي تدرس إمكانية التوصل إلى حل سياسي للصراع الذي طال أمده.

ما هو متوقع خلال سنة 2019؟

ستواصل المملكة العربية السعودية، خلال سنة 2019، التأكيد على علاقاتها الوثيقة مع حلفائها في الشرق الأوسط متخذةً منها درعا في مواجهتها ضد إيران. وفي خضم مساعيها لتشكيل تحالف ضد إيران، تولي المملكة أهمية كبرى لإقامة روابط مع دول عربية أخرى تشعر بالقلق إزاء تنامي النفوذ الإيراني في المنطقة. ولكن هذا لن يمنعها من تشكيل علاقات غير مألوفة في المستقبل القريب.

بات جليا أن تحالف البحر الأحمر المبهم، الذي أعلنت عنه المملكة حديثاً، هو مثال آخر يكشف رغبتها في جمع أصدقائها وحلفائها ودول الجوار معاً ضمن تكتلات عامة.

لا شك في أن العلاقة التي ستكون محور اهتمام العالم خلال السنة القادمة، هي العلاقة التي تجمع بين السعودية و"إسرائيل". ففيما مضى، كانت العلاقة بين هذين البلدين تتسم بالعداء، ولكن يبدو أنها بدأت تسير نحو التغيّر الإيجابي؛ فكلاهما يملك أسبابه الخاصة لاحتواء نفوذ إيران في المنطقة. ولكن باتت علاقتهما تتجاوز العداء المشترك لإيران، فقد عرضت "إسرائيل" على الرياض تزويدها بالتكنولوجيا وقدمت لها عروضا استثمارية.

في المقابل، كان المسؤولون وشركات القطاع الخاص في "إسرائيل" الجانب الوحيد الذي عبّر عن رغبته في الكشف عن طبيعة العلاقات القائمة بين البلدين، بينما لا تزال القنوات الرسمية وغير الرسمية في المملكة مترددة بشأن التطرق إلى موضوع العلاقات المتنامية مع "إسرائيل". وفي حال اندلع صراع بين إيران والسعودية أو "إسرائيل"، فحينها فقط ستصبح علاقات التعاون مكشوفة أكثر للعلن.

لقد بات جليا أن تحالف البحر الأحمر المبهم، الذي أعلنت عنه المملكة حديثاً، هو مثال آخر يكشف رغبتها في جمع أصدقائها وحلفائها ودول الجوار معاً ضمن تكتلات عامة. وعلى الرغم من أن دول مجلس التعاون الخليجي لم تكن أبداً أداة ناجعة للتأثير في قرارات السياسة السعودية (كما يتضح من الحصار المفروض على قطر منذ سنة2017)، إلا أن السعودية ما زالت تقدر القيمة الاستراتيجية لهذه التكتلات الجغرافية. ويعتبر هذا الإعلان اعترافا من طرف  الرياض بإدراكها للمنافسة العميقة مع الصين وروسيا والولايات المتحدة ودول إقليمية أخرى على غرار تركيا وإيران، في مناطق  تحمل أهمية استراتيجية مثل البحر الأحمر.

في الوقت ذاته، ستكون المنافسة عنوان اللعبة التي ستُخاض خارج الساحل الغربي للبحر الأحمر، حيث أن المملكة العربية السعودية والدول الخليجية المجاورة لها، فضلا عن تركيا وإيران والصين وروسيا، ستتنافس جميعها على الاستثمار في الدول الإفريقية المتعطشة للتنمية.

خارج المنطقة، ما زالت المملكة العربية السعودية تواصل اتباع أسلوبها المبتذل من خلال تقديم المساعدات المالية لتحقيق التأثير السياسي في دول مثل باكستان

نظرا لاستمرار حالة عدم اليقين إزاء أسعار النفط غير المستقرة، ستعمل روسيا والمملكة العربية السعودية على تكثيف جهود التنسيق فيما بينها خلال السنة القادمة، لا سيما وأن موسكو والرياض تلعبان دورا مهما في نجاح القرار القاضي بخفض إنتاج النفط بين الدول الأعضاء في منظمة الأوبك وغير الأعضاء. وبعيدا عن مجال الطاقة، تدرك الرياض أنه يجب عليها أن تقيم علاقات وثيقة مع موسكو، خاصة وأن هذه الأخيرة تسعى إلى زيادة انتشارها ومكانتها في الشرق الأوسط.

العودة إلى النموذج؟

خارج المنطقة، ما زالت المملكة العربية السعودية تواصل اتباع أسلوبها المبتذل من خلال تقديم المساعدات المالية لتحقيق التأثير السياسي في دول مثل باكستان. ومن غير المرجح أن يتغير ذلك خلال سنة 2019. وعلى الرغم من أن إسلام أباد لم تعرض على الرياض أي سياسة خارجية أو التزامات أمنية إثر قبولها لقرض بقيمة مليارات الدولارات من السعودية في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، إلا أنها منحت الرياض أمرا لطالما رغبت به، ألا وهو بعث رسائل طمأنة حول قوة واستقرار المملكة العربية السعودية خلال مبادرة "مستقبل الاستثمار" التي عُقدت خلال هذه السنة، وهو حدث اقتصادي مهم انسحبت منه العديد من الشركات الدولية على خلفية مقتل جمال خاشقجي.

بتوجهها نحو الدول الآسيوية، فإنه من المتوقع أن تنسجم أهداف السياسة الخارجية للمملكة العربية السعودية بشكل كبير مع أهداف الإصلاح الاقتصادي التي وضعتها. ففي آسيا، تخطط الرياض لزيادة استثمارها في المشاريع المشتركة بما في ذلك خطط أرامكو السعودية لاستثمار 500 مليون دولار إلى جانب شركة بترول أبوظبي الوطنية في مصفاة نفط في الهند. في الأثناء، يعتبر الاستثمار الآسيوي في المشاريع السعودية مهما أيضا لنجاح خطط الإصلاح الاقتصادي في الرياض.

سواء كانت السعودية تسعى لإقامة علاقات خارجية تقليدية مع دول مثل باكستان أو تعزيز علاقات جديدة أو أقوى مع دول مثل "إسرائيل" وروسيا ودول البحر الأحمر، فإنها ستظل لاعبا فاعلا على الصعيد الدولي خلال سنة 2019. وعلى إثر بعض الاضطرابات التي تسبب بها ولي العهد الزئبقي، الأمير محمد بن سلمان، في العالم خلال سنتي 2018 و2019، تأمل الرياض بالتأكيد أن تكون سنة 2019 أكثر هدوءًا.

المصدر: ستراتفور