بعد ساعات قليلة من عودة الرئيس عمر البشير من زيارته المثيرة للجدل لدمشق والتي التقى خلالها نظيره السوري، بشار الأسد، شهدت بعض المدن السودانية، أمس الأربعاء 19 ديسمبر/كانون الأول 2018، عدد من التظاهرات احتجاجاً على تصاعد الأسعار وغلاء المعيشة.

حمل المتظاهرون في الاحتجاجات التي عمًت مدن عطبرة بولاية نهر النيل وولاية شمال كردفان، وبورتسودان في ولاية البحر الأحمر، التي يزورها البشير حالياً، العديد من عبارات التنديد للحكومة التي يتهمها المواطنون بأنها السبب الرئيسي وراء الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد.

لم تكن احتجاجات الأمس هي الأولى من نوعها إذ سبقها قبل أيام موجة أخرى من الاحتجاجات الطلابية لنفس الأسباب، غير أن الشعارات التي رُفعت هذه المرة والهتافات التي تم ترديدها على شاكلة "الشعب يريد إسقاط النظام" أثارت الكثير من التساؤلات والمخاوف من انتقال التظاهرات إلى العاصمة الخرطوم.

ثورة الجياع

تحت عنوان "ثورة الجياع" جاب المتظاهرون عددًا من الميادين العامة والشوارع الرئيسية في بعض المدن، رافعين لافتات عبروا من خلالها عن عدم رضاهم من المستوى المعيشية الذي وصلوا إليه نتيجة الأوضاع الاقتصادية المتردية منذ سنوات والتي أفسدت الحياة على الملايين من السودانيين.

تأتي الاحتجاجات في وقت تعاني فيه مختلف المدن السودانية من أزمات نقص الوقود والخبز، ففي العاصمة تفشت ظاهرة الطوابير أمام محطات الوقود والمخابز فيما ارتفعت أسعار المواد الغذائية في الآونة الأخيرة بنسبة 60%، هذا في الوقت الذي قفز فيه معدل التضخم إلى مستويات قياسية خلال شهر أغسطس/آب الماضي، ليصل إلى 66.82%، بعد أن سجل 63.94% في شهر يوليو/تموز السابق عليه، وذلك في ظل التدهور المستمر لسعر العملة السودانية.

نحو 300 طالب من ست مدارس ثانوية بمدينة الفاشر خرجوا في تظاهرات أحرقوا خلالها إطارات قديمة وجذوع أشجار على طريق تربط وسط المدينة بجنوبها وهم يهتفون "لا للغلاء لا للجوع"

الارتفاع الواضح في معدلات التضخم عزاها التقرير الشهري الصادر عن الجهاز المركزي للإحصاء إلى الزيادة الكبيرة التي شهدتها أسعار مجموعة الأغذية والمشروبات، حيث قفز تضخم بعض الشركات الكبيرة التي تحتل النسبة الأكبر في الاقتصاد السوداني على سبيل المثال "المجموعة" إلى 70.9%، وهي تسهم بنسبة 59.17% في معدل التضخم العام.

انتفاضة الأمس تأتي استكمالا للتظاهرات التي قام بها مئات الطلاب السودانيين، السادس عشر من الشهر الجاري،  في مدينتي الفاشر بإقليم دارفور المضطرب (غرب) والدمازين، عاصمة ولاية النيل الأزرق جنوب شرقي الخرطوم، احتجاجا على ارتفاع الأسعار.

وبحسب ما نقلته "الجزيرة" عن "وكالة الصحافة الفرنسية" فإن نحو 300 طالب من ست مدارس ثانوية بمدينة الفاشر خرجوا في تظاهرات أحرقوا خلالها إطارات قديمة وجذوع أشجار على طريق تربط وسط المدينة بجنوبها وهم يهتفون "لا للغلاء لا للجوع"، وفي الدمازين عاصمة ولاية النيل الأزرق (800 كيلومتر جنوب الخرطوم)، خرجت تظاهرات مماثلة ضد غلاء الأسعار، ووفق أحد الشهود، فإن 500 من طلاب المدارس الثانوية شاركوا في المظاهرات، وفرقتهم الشرطة أيضا بالهراوات.

بالأمس أودع وزير المالية السوادني مشروع موازنة عام 2019 بإيرادات قدرت بـ 162.8 مليار جنيه (الدولار الواحد يساوي 47.6 جنيها سودانيا) ومصروفات تبلغ 194.8 مليار جنيه، مما يعني أن العجز المتوقع يصل 32 مليار جنيه، وهو ما يعكس حجم ما وصلت إليه الأوضاع داخليًا.

جدير بالذكر أن السودان منذ انفصال الجنوب عنه عام 2011، يشهد موجات من الأزمات الاقتصادية الطاحنة، هذا بخلاف القفزات الجنونية لمعدلات التضخم جراء فقدان 70% من عائدات النفط، فيما تراجعت قيمة الجنيه السوداني مقابل العملات الأجنبية بسبب شح العملات الأجنبية في بنك السودان المركزي.

إثارة الفتنة

وفق تقارير سودانية فقد أحرق المتظاهرين مقري حزب المؤتمر الوطني «الحزب الحاكم» في مدينة عطبرة، شمال البلاد، ومدينة الدامر، عاصمة ولاية نهر النيل وكانوا في طريقهم لمباني السلطات المحلية لولا أن منعتهم الشرطة، فيما شددت قوات الأمن الحماية لتامين بعض المرافق الحيوية كالميناء البري وغيره.

وعليه أعلنت سلطات ولاية نهر النيل مساء أمس فرض حالة الطوارئ وحظر التجوال في مدينة عطبرة ، فيما اتهم حزب المؤتمر في بيان له، ما أسماه "محاولات بعض القوى السياسية إثارة الفتنة وتقويض أمن واستقرار البلاد بالعمل على إثارة القلاقل ونسف الاستقرار و تخريب مقدرات الشعب وممتلكاته"، بينما قررت زارة التربية والتعليم  تعليق الدراسة في المدينة اعتبارا من اليوم الخميس وحتى إشعار آخر

الدعم الحكومي لن يرفع مرة واحدة، وإن العائلات ذات الدخل المحدود ستبقى تشتري حاجياتها بأسعار مخفضة..  رئيس الوزراء السوداني

كما نقلت وكالة السودان للأنباء عن رئيس قطاع الإعلام بالحزب، إبراهيم الصديق، قوله إن "حق التعبير  عن المواقف والآراء مكفول  بنص الدستور ولكن التخريب غير مقبول ومرفوض" مضيفًا  "أن ماجرى فى عطبرة من بعض المتظاهرين لا يتسق مع مفهوم التظاهرات السلمية ووصفه بمحاولة لزعزعة الأمن والاستقرار "

الصديق اتهم حزبا عقائديًا عجوزًا "لم يسمه" بالوقوف وراء تلك الأحداث، هدفه الأساسى " ان يعيش الوطن فى حالة من عدم الاستقرار  الأمنى والسياسي والاجتماعى، فى الوقت الذي بدأت فيه الأزمة تأخذ فى الانفراج" على حد قوله، منوها الى إن بعض الأزمات معترف بها وهناك ترتيبات وتدابير واسعة لمعالجتها .

رئيس قطاع الإعلام بالحزب الحاكم أوضح أن " ماتم لو كان مظاهرة سلمية كان يمكن ان يكون مقبولا ولكن هناك عمليات حرق وتدمير غير مقبولة بأى شكل من الأشكال مما يخرج الأحداث عن طبيعة التظاهرات السلمية المكفولة كحق قانونى فى إطار من الضوابط والإجراءات المعمول  بها" معربا عن تقديره لما أسمه "التعامل بمهنية" من قبل الشرطة والجيش مع تلك الأحداث.

وفي ذات السياق علق رئيس الوزراء، معتز موسى، على الاحتجاجات المشتعلة بقوله إن الدعم الحكومي لن يرفع مرة واحدة، وإن العائلات ذات الدخل المحدود ستبقى تشتري حاجياتها بأسعار مخفضة، معربًا عن أمله في أن يتفهم الشعب السوداني المأزق تواجه بلادهم خلال الأونة الأخيرة

عودة المهدي.. علامة استفهام

تزامنت الاحتجاجات التي شهدتها المدن السودانية بعودة زعيم "حزب الأمة" السوداني المعارض، الصادق المهدي، بعد نحو عام من المنفى الاختياري، قضاه بين القاهرة ولندن، بعدما ساءت العلاقة بين حزبه وحكومة البشير، وهو ما اعتبره البعض دلالة إيجابية يمكن العزف على وترها لتحقيق التظاهرات أهدافها.

لكن سرعان ما تبخر هذا الحلم حين أصطدم المحتجون بالمقترح الذي قدمه المهدي خلال لقاء جماهيري له مساء أمس في أم درمان، هذا المقترح الذ سمي بـ "وثيقة الخلاص الوطني" والمكون من أربع نقاط، التزام الجميع بوقف إطلاق النار والعدائيات ،ايصال المساعدات الإنسانية ، إطلاق سراح المعتقلين والأسري وكفالة الحريات العامة بضوابط و لضمان ممارستها وتكوين حكومة قومية برئاسة وفاقية مهمتها الالتزام بقومية الحكم،  وتصفية التمكين والتصدي للظروف الاقتصادية الراهنة بما  يرفع المعاناة عن الشعب بالاضافة الى  تسكين النازحين في قراهم طوعية وتحقيق العدالة الاجتماعية و الانتقالية .

رئيس حزب الامة القومي، ناشد جميع القوي السياسيه و المدنية الأكاديمية والقبلية للتجاوب مع المقترح  والمشاركه في تقديمه، وهو ما فسره المتظاهرون بالخذلان وتجاهل الواقع المتدني الذي يحياه السودانيون خلال السنوات الماضية والذي أودى بالملايين منهم إلى ما دون خط الفقر.

هناك من ربط بين تلك التحركات ومساعي النظام الحاكم تعديل الدستور تمهيدًا لفتح الباب أمام إعادة انتخاب البشير لدورات رئاسية قادمة، وهو الربط الذي فسره البعض بأنه إعلان صريح لرفض مثل هذه المساعي

هذا الخطاب تسبب وفق مدير البرنامج الأفريقي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية الدكتورة أماني الطويل، في إحداث انقسامات وانسحابات من حزب الأمة، بسبب أنهم أعتبروه خطابا متساهلا مع الحكومة بينما الشارع يغلي ،لافتة إلى أن الصادق يفضل كعادته حل متفق عليه حتي لاتصل السودان الي فوضي كما يقول لكن يبدو ان صبر السودانيين وصل للحلقوم.

الطويل في ردها على سؤال بشأن احتمالية انتقال تلك الاحتجاجات إلى الخرطوم، لم تستبعد الوصول إلى هذه المرحلة خاصة وأن الشعارات المرفوعة تجاوزات السقف المحدد سلفًا، معربة عن أمنيتها أن يتجاوز السودان تلك المرحلة التي وصفتها بـ "الحرجة" وأن ينجو من العنف المتوقع.

علاوة على ذلك فهناك من ربط بين تلك التحركات ومساعي النظام الحاكم تعديل الدستور تمهيدًا لفتح الباب أمام إعادة انتخاب البشير لدورات رئاسية قادمة، وهو الربط الذي فسره البعض بأنه إعلان صريح لرفض مثل هذه المساعي التي تتنافى مع بنود الدستور المتفق عليه سلفًا، ورفض مقنع لترشح البشير وإن ارتدى عباءة اقتصادية وهو ما تجسده بعض الشعارات المرفوعة والتي تطالب بإسقاط النظام.

الطوابير أمام منافذ بيع الخبز

السوشيال يشتعل

تفاعل العديد من السودانيين والمهتمين بالشأن السوداني مع تلك الاحتجاجات حيث عبروا عن دعمهم لها عبر نشر بعض الصور والفيديوهات التي تعكس حجم التظاهرات وقوة الشعارات المرفوعة، وذلك عبر الهاشتاذ الذي دشنه رواد مواقع التواصل الاجتماعي تحت عنوان #مدن_السودان_تنتفض

الدكتور أحمد مقلد، الذي أعلن عن ترشحه للرئاسة خلال الانتخابات القادمة، وصف ما يقوم به المتظاهرون بأنه "غناء للحرية"، وهو الذي اتهم قبل ذلك المهدي بأنه أحد الأسباب وراء إطالة أمد البشير على حد قوله.

أما الدكتور محمد مختار الشنقيطي،أستاذ الأخلاق السياسية وتاريخ الأديان بجامعة حمَد بن خليفة في قطر، فأستنكر عدم تعلم البشير من سقوط الرئيسين السابقين، عبود والنميري، ولم يستفد من زهد وكرامة سوار الذهب، متهمًا الحركة الإسلامية بأنها كانت مطية للرئيس للاستمرار في الحكم.

فيما وصف المعارض السعودي تركي الشلهوب تلك الاحتجاجات بأنها إرهاصات لما أسماه "الربيع السوداني" لافتًا إلى أن من وصفهم بـ "الطغاة" ظنوا أن زمن الثورات قد ولي، وهو ما لم يحدث بحسب ما أكده الشارع السوداني خلال الأيام الماضية.

ورغم أنها ليست المرة الأولى التي تشهد فيها السودان مثل تلك الاحتجاجات، إذ سبقتها موجات متتالية لعل أبرزها ماحدث في سبتمبر 2013 والتي سقط فيها قرابة 60 سودانيًا في أعقاب قرار رفع أسعار الوقود، تلاها مظاهر احتجاجية أخرى، غير أن المستجدات الأخيرة ربما تدفع للتساؤل حول قدرة الحكومة السودانية احتواء تلك الانتفاضة التي يبدوا أنها ستمتد إلى مدن ومناطق أخرى.. هذا ما ستجيب عنه الأيام المقبلة.