تتمسك الجزائر بنظرتها المتعلقة بمعالجة ملف الهجرة الذي صار اليوم حديث الساعة في البلاد، والمتمثلة في رفضها إقامة مراكز لتجميع المهاجرين غير الشرعيين مثلما تريد دول الاتحاد الأوروبي من حكومات الشمال الإفريقي لوقف تدفق المهاجرين القادمين من الصحراء الإفريقية على الضفة الشمالية للبحر الأبيض المتوسط، لكن ذلك ليس بالتحدي السهل في ظل تواصل الضغوط الخارجية والتحديات الداخلية المتعلقة بملف الهجرة.

ومنذ أن أعلن المستشار النمساوي سيباستيان كورتز في سبتمبر/أيلول الماضي أن دول الاتحاد الأوروبي قررت فتح محادثات لتوقيع اتفاقات تعاون مع دول الشمال الإفريقي شبيهة بتلك الموقعة مع تركيا وليبيا التي مكنت من تحقيق خفض كبير لأفواج المهاجرين السريين، يكرر المسؤولون الجزائريون أن بلادهم لن تقبل بلعب دور دركي لوقف نزوح أفواج المهاجرين السريين نحو أوروبا، لكنها ستواصل التعاون مع الجميع لمكافحة هذه الظاهرة وفق رؤية عادلة، كما أنها لن ترضخ لابتزاز بعض المنظمات غير الحكومية التي تنتقد سياستها في التعامل مع من يدخلون حدودها بطريقة غير شرعية.

دون تنازل

وقال منسق المركز العملياتي الخاص بالهجرة بوزارة الداخلية حسان قاسيمي في تصريح للإذاعة الجزائرية الحكومية إن بلاده لن تقوم بأي تنازل في مجال تأمين وحماية حدودها في إطار مكافحة الهجرة غير القانونية، وحسب قاسيمي فإنه ضمن أعداد كبيرة من المهاجرين القادمين من مناطق النزاعات يتسرب إرهابيون سابقون.

تطابق التخوفات الجزائرية مع ما حذر منه منسق الأمن والسلم للاتحاد الإفريقي إسماعيل شرقي الذي أكد أنه رغم الإنجازات المسجلة في بعض المناطق الإفريقية في مجال مكافحة ظاهرة الإرهاب، ما زالت التحديات كبيرة في منطقة الساحل لا سيما مع تدهور الأوضاع الأمنية في ليبيا

وتحدث قاسيمي عن ظاهرة جديدة تتمثل في تأطير جماعات مسلحة مسالك نزوح المهاجرين غير الشرعيين الذين يأتون من دول إفريقيا جنوب الصحراء إلى الجزائر، وكذا الأمر بالنسبة لبعض المهاجرين العرب القادمين من سوريا واليمن وفلسطين، ودق قاسيمي ناقوس الخطر بشأن استغلال الجماعات الإرهابية لظاهرة الهجرة، مبررًا كلامه بأن هؤلاء المهاجرين يمرون بعواصم معروفة بأنها استغلت العديد من الملفات من أجل التحريض والإرهاب، وقال قاسمي: "الجيش الجزائري يقوم على الطرقات بتوقيف مهاجرين وإرهابيين سابقين قادمين من الساحل مثيرًا انشغالاً يجب التكفل به".

وتشير إحصاءات لوزارة الدفاع الجزائرية اطلع عليها "نون بوست" إلى توقيف الجيش الجزائري لإرهابيين بالمناطق الحدودية، إضافة إلى تسليم مسلحين سابقين أنفسهم للجيش خاصة بولايتي أدرار وتمنراست الحدوديتين مع مالي والنيجر، ويتم بالتوازي مع ذلك بشكل شبه يومي توقيف العشرات من المهاجرين غير الشرعيين القادمين من إفريقيا والساحل.

ويرى قاسيمي أنه من الضروري إيجاد توازن بين الرهان الأمني والإنساني في معالجة ظاهرة الهجرة غير الشرعية.

تتطابق التخوفات الجزائرية مع ما حذر منه منسق الأمن والسلم للاتحاد الإفريقي إسماعيل شرقي الذي أكد أنه رغم الإنجازات المسجلة في بعض المناطق الإفريقية في مجال مكافحة ظاهرة الإرهاب، ما زالت التحديات كبيرة في منطقة الساحل لا سيما مع تدهور الأوضاع الأمنية في ليبيا، إضافة إلى وصول المزيد من الجماعات الإرهابية إلى بوركينافاسو.

تحفظات

لا تخفي الجزائر تحفظها عما خرج به المؤتمر الدولي لاعتماد الميثاق العالمي من أجل هجرة آمنة ومنظمة ومنتظمة الذي عقد مؤخر في مدينة مراكش المغربية، وحسب قاسيمي، فإن "هذا العقد لا يميز بين الهجرة غير الشرعية والهجرة الشرعية، ليبقى لكل بلد تحديد سياسة عامة للهجرة".

صادقت الجزائر على اتفاق مراكش الذي وقع عليه 164 بلدًا، إلا أن تحقيق الأهداف التي تضمنتها بنود الاتفاق تبقى بعيدة المنال في الوقت الحاليّ في ظل وجود أجندات مختلفة للدول الغربية ونظيرتها الإفريقية

وقال: "الجزائر ترفض أن تستغل مسألة الهجرة كأداة أو أن لا تحظى بالمعالجة اللازمة، كما أنها ترفض عددًا من الاقتراحات بخصوص تغيير أماكن  المراكز أو الأرضيات الخاصة بالمهاجرين".

وخلال مؤتمر مراكش، لم يتردد وزير الداخلية والجماعات المحلية الجزائري نور الدين بدوي في إبداء رفض بلاده للضغوط الممارسة عليها بطرق غير مباشرة من بعض الحكومات الغربية والمنظمات تحت غطاء حماية حقوق المهاجرين.

وقال بدوي: "إذا كانت الجزائر تتخذ على عاتقها واجب مساعدة المهاجرين مهما كانت وضعيتهم، فهي تعتبر ذلك وقفة تضامنية تمليها اعتبارات إنسانية لا غير، ويجب ألا تُكيّف على أنها التزام رسمي يُصبح بمرور الوقت مُلزمًا قانونًا"، وأضاف "ولأن بلادنا اليوم من بين الدول الأكثر عرضة لظاهرة الهجرة غير الشرعية، فإن هذا الواقع المعقد والصعب قد يتفاقم مستقبلًا إذا لم تتخذ التدابير اللازمة والضرورية لمحاربة كل الأسباب المؤدية إلى هذه الظاهرة".

وتركز الجزائر على أن تكون آلية تنفيذ اتفاق مراكش "إرادية وتدريجية ومحل موافقة مسبقة من الدول مع الأخذ بعين الاعتبار الواقع الخاص للهجرة في كل بلد وكذا قدراته وإمكاناته مع استبعاد كل أشكال الاستغلال لملف الهجرة بهدف التدخل في الشؤون الداخلية للدول".

وأشار نور الدين بدوي إلى أن الجزائر وبعد دراسة معمقة للصيغة النهائية لنص الاتفاق الدولي لهجرات آمنة ومنتظمة، ترى أنه من الملائم تقديم جملة من الملاحظات من بينها دعم الطابع الشامل والمتعدد الأبعاد والتضامني لهذا الميثاق وكذا مبادئه التوجيهية عندما تميل إلى ترقية البُعد الإنساني للهجرة، والحق السيادي للدول في تحديد سياساتها الوطنية في هذا المجال والدور الأساسي المعترف به لها في تنفيذ ومتابعة الاتفاق والطابع غير الملزم قانونًا له، والتقاسم العادل للمسؤوليات والأعباء والتنمية المستدامة وكذا احترام حقوق الإنسان والتعاون الدولي".

تمثل إيطاليا وإسبانيا الوجهتين المفضلتين للحراقة الجزائريين بالنظر إلى قربهما من البلاد، ومعبرًا لهم قبل الهجرة إلى دول أوروبية أخرى وفي مقدمتها فرنسا التي يعيش بها أكثر من 3 ملايين جزائري يسهلون اندماج هؤلاء الحراقة

ورغم هذه التحفظات، صادقت الجزائر على اتفاق مراكش الذي وقع عليه 164 بلدًا، إلا أن تحقيق الأهداف التي تضمنتها بنود الاتفاق تبقى بعيدة المنال في الوقت الحاليّ في ظل وجود أجندات مختلفة للدول الغربية ونظيرتها الإفريقية، وعلى رأسها الجزائر التي تريد أن تتحمل الدول الغربية مسؤوليتها الكاملة في النزوح المتواصل للأفارقة نحو أوروبا، بالنظر إلى أن التاريخ للاستعماري للقارة العجوز بالمنطقة له دور فيما تعيشه بلدان الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط ودول إفريقيا السوداء اليوم.

تحد داخلي

لكن مشاكل الجزائر مع ظاهرة الهجرة غير الشرعية لا تقتصر على القادمين إليها من حدودها الجنوبية، إنما يتعلق أيضًا كغيرها من دول شمال إفريقيا بأبنائها الذين يعبرون البحر بقوارب هشة نحو الضفة الجنوبية بطرق غير قانونية، وقال قاسيمي: "ملف الحراقة في الجزائر ملف مؤلم يستوقفنا، لأن هناك معاناة يجب التكفل بها".

ويطلق على المهاجرين غير الشرعيين في الجزائر اسم "الحراقة" لأنهم يحرقون وثائق هوياتهم قبل الوصول إلى الدول الأوروبية حتى لا تُكشف الدول التي ينتمون إليها ويرجعونهم إلى بلدهم الأصلي.

وأردف قاسيمي قائلاً: "لقد جرمنا هذا العمل ولكن هذا التجريم كان دون  جدوى، علينا التفكير وإيجاد حلول أخرى لمعالجة هذه الإشكالية"، ولفت إلى أن الجزائريين يمثلون أقل من 1% من مجموع المهاجرين غير الشرعيين الذين يصلون إلى إيطاليا.

الأهم في هذه الأرقام أنها مرشحة للاستمرار في السنوات المقبلة في ظل صعوبة حصول الشباب الذين يمثلون أكثر من 70% من سكان البلاد على مناصب شغل خاصة خريجي الجامعات، وإعلان الحكومة استمرار الأزمة المالية التي سببها تهاوي أسعار النفط

وتمثل إيطاليا وإسبانيا الوجهتين المفضلتين للحراقة الجزائريين بالنظر إلى قربهما من البلاد، ومعبرًا لهم قبل الهجرة إلى دول أوروبية أخرى وفي مقدمتها فرنسا التي يعيش بها أكثر من 3 ملايين جزائري يسهلون اندماج هؤلاء الحراقة، وتسوية وثائق إقامتهم هناك بمساعدتهم في الحصول على مناصب شغل وإيوائهم قبل الحصول على إقامة قانونية.

غير أن رحلة هؤلاء المهاجرين الذين ينجون من الموت غرقًا في البحر لا تكون وردية، فالعديد منهم تكون نقطة وصوله الترحيل نحو بلاده، فقد أشار تقرير  للرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان أن 5 آلاف جزائري رحلوا قسرًا من أوروبا نحو الجزائر لدخولهم القارة العجوز بطريقة غير قانونية، يضاف إليهم العشرات من المعتقلين في مراكز احتجاز المهاجرين غير القانونيين والمهددين بالترحيل القسري في أي وقت.

ونقل التقرير أرقامًا صادمة تتعلق بإحصاء أكثر من 8217 شخصًا حاولوا الهجرة منذ بداية عام 2015 إلى شهر ديسمبر/كانون الأول الحاليّ، وتسجيل 3 آلاف آخرين بين متوفين ومفقودين منذ 2009 حتى اليوم.

لكن الأهم في هذه الأرقام أنها مرشحة للاستمرار في السنوات المقبلة في ظل صعوبة حصول الشباب الذين يمثلون أكثر من 70% من سكان البلاد على مناصب شغل خاصة خريجي الجامعات، وإعلان الحكومة استمرار الأزمة المالية التي سببها تهاوي أسعار النفط، وحتمت على الجزائر اعتماد خطة تقشف منذ بداية الولاية الرابعة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة في 2014 ، الذي يبدو أنه قد يترشح لولاية خامسة في 2019.