برزت أطماع إمبراطوريات العالم التي تعاقبت على احتلال الأرض الفلسطينية عبر التاريخ من خلال بوابة غزة حتى عصرنا الحاليّ، لبُعدها الجغرافي والاقتصادي، ولا سيما الحضاري.

من أهم المعالم الحضارية بمدينة غزة موقع "البلاخية" على شاطئ بحر غزة، الذي يحتوي على أول وأقدم ميناء في العالم سمي بميناء "الأنثيدون"، وكذلك يضم بأسفله أول قصر بالعالم، كشف أنقاضه المنخفض الجوي المسمى بـ"هدى" عام 2013، بل إن صح القول فهو أول قصر بُني تحت الأرض أيضًا، بطريقة هندسية تُظهر الإعجاز الكنعاني والفلسطيني من ناحية معمارية.

هذا الموقع الذي يحوي بداخله ميناءً، احتوى على العديد من المعالم السياحية والتاريخية وصنفته اليونسكو ضمن المواقع التراثية، وفي عام 2013 بدأت أولى مهمات التنقيب عنه من البعثة الفرنسية، وأهم ما وجد فيه بقايا سور طوله 150 مترًا، في كل 50 مترًا له يضم برجًا استعمل كمنارة أو محطة مراقبة، ويُعتقد أنها تعود للعصر الإسلامي بقيادة الأيوبيين، كما وجدت فيها جداريات لُونت بالفوريسكو (التصوير الجصي) ويعتقد أنها بقايا قصور قديمة تعتبر الأولى من نوعها في العالم، وكانت مخصصة لأسياد التجارة أو الملوك، وتعود للعصر الروماني بالقرن الرابع الميلادي.

فواخير قديمة وأنتيكا وفسيفسائيات تعود للعصور الرومانية واليونانية أيضًا كانت من اكتشافات البعثة الفرنسية للتنقيب عن الآثار، وعظام للجمال ومقابر للعبيد من مقدونيا ورومانيا واليونان دُفنوا فيها استعملهم الملوك قديمًا لتشييد هذا الميناء، واحتوى الموقع أيضًا على معابد قديمة أهمها للوثنيين والمسيحيين، وقطع ذهبية ومقام للقديسة الرومانية هيلانا التي اكتشفت بنفسها الصليب الذي يُقال إن سيدنا عيسى أعدم عليه.

يعود بناء موقع "البلاخية" إلى 800  عام  قبل الميلاد على يد الكنعانيين وهم أول سكان لفلسطين

هذا الميناء لم يكن تجاريًا فحسب، بل لو استطاع الغزاة من أوروبا الهجوم على مصر وبلاد الشام عبر البحر فإن قواتهم يجب أن ترسو بغزة عبر هذا الميناء أو العكس تمامًا، فقد استطاع اليونانيون احتلال عدة بلدان أوروبية بشحن جنودهم وقواته عبر هذا الميناء، وذلك عندما كانت معقل قواتهم وعاصمتهم مصر.

تاريخ الميناء وصراع الإسكندر والفرس عليه

يعود بناء موقع "البلاخية" إلى 800 عام  قبل الميلاد على يد الكنعانيين وهم أول سكان لفلسطين، واشتهر بعام 332 قبل الميلاد، خلال الحكم اليوناني للعالم الشرقي بقيادة الإسكندر الأكبر الذي تفرد بالسيطرة على عدة بلدان بعد هزيمة الفرس، وامتد نفوذه من شمال إفريقيا وصولاً لبلاد الشام وتركيا والعراق وبلاد فارس، وكذلك دول الهند وغرب الصين، إلا مدينة غزة التي كانت تتمتع بحكم ذاتي حينها ولها أبنائها الذين يدافعون عنها، ولها عملتها الخاصة من الفضة أيضًا، ولهم الميناء الوحيد الذي يصلهم بالعالم الغربي، وكان ذلك عاملاً رئيسيًا لتوجيه الغزاة أنظارهم ومطامعهم نحو غزة.

وكانت غزة، بصفتها تقع في نصف مملكة الإسكندر، تعتبر فاصلاً رئيسيًا بين نفوذه في شمال إفريقيا وجنوب آسيا، وكان همه الأكبر السيطرة على ميناء "الأنثيدون" القديم المسمى بـ"البلاخية" حاليًّا.

بعد وفاة الإسكندر الأكبر، انقسمت إمبراطورتيه لمملكتين: إذ تولى "السلوقيون" حكم بلاد الشام وتركيا وبلاد فارس وشمال الهند وباكستان وصولاً لأفغانستان وغرب الصين، أما "البطالمة" المصريون فقد حكموا مصر وليبيا والسودان وإثيوبيا وساحل الحجاز واليمن المطل على البحر الأحمر

وقد صعب على الإسكندر دخولها بعد حصار امتد لأشهر، بسبب استبسال أبنائها في الدفاع عن أراضيهم، واستطاع دخولها وإحكام سيطرته عليها بعدما فقد الآلاف من جنوده على أسوارها، وجرح هو شخصيًا أعلى كتفه وذراعه، ما جعله ينتقم من أبناء المدينة، فارتكب العديد من المذابح واتبع نظام الإبادة الجماعية، وباع الآلاف منهم كعبيد.

صراع السوريين والمصريين على ميناء غزة

بعد وفاة الإسكندر الأكبر، انقسمت إمبراطورتيه لمملكتين: إذ تولى "السلوقيون" حكم بلاد الشام وتركيا وبلاد فارس وشمال الهند وباكستان وصولاً لأفغانستان وغرب الصين، أما "البطالمة" المصريون فقد حكموا مصر وليبيا والسودان وإثيوبيا وساحل الحجاز واليمن المطل على البحر الأحمر، وكذلك جزيرة قبرص وأثينا وجنوب تركيا.

ورغم المساحات الشاسعة والأراضي الواسعة التي تسيطر عليها كل من الإمبراطوريتين السورية والمصرية، فإن ذلك لم يمنع الخلاف بينهما على مدينة غزة التي كانت سببًا في إشعال فتيل الحرب بين أكبر مملكتين في العالم حينها، فالبطالمة المصريون يعتبرون غزة المنفذ البحري الوحيد نحو مستعمراتهم في قبرص وجنوب تركيا وأثينا من خلال ميناء "الأنثيدون" بصفته الميناء الوحيد في تلك الفترة الذي تستفيد من الملاحة والتجارة به  بلاد الشمال الإفريقي والشام كافة، كما أن موقع غزة كان يشكل الدرع الواقي لشمال مصر وكذلك جنوب سوريا.

استطاع السلوقيون تحت حكم الملك السوري "أنطوخيوس الثالث" طرد "البطالمة" المصريين من غزة خلال حرب اندلعت بينهما في الجنوب الفلسطيني 219 قبل الميلاد، وكانت تلك أول هزيمة للدولة البطلمية بتاريخها، واستطاع أنطوخيوس الثالث احتكار التجارة والملاحة بميناء "الأنثيدون"، حتى إن البطالمة أصبحوا يصلون لمستعمراتهم في قبرص وجنوب تركيا من خلال مقابل يدفعونه للسلوقيين مقابل السماح لهم بالسفر البحري عبر الميناء.

بسبب هذا الميناء القديم، استمرت الحروب طيلة20  عامًا، ولم تهدأ الحروب بين الآسيويين والأفارقة، إلا بعدما تصاهرت الإمبراطوريتان، حيث تزوج الملك المصري بطليموس الخامس بابنة الملك السوري كليوباترا الأولى

فضلاً عن ذلك فقد تحرك الأسطول الحربي الإفريقي لاحتلال قبرص وجنوب تركيا وأثينا عبر هذا الميناء الغزي القديم.

غزة وميناؤها قُدِما كمهر لكليوباترا

بسبب هذا الميناء القديم، استمرت الحروب طيلة20  عامًا، ولم تهدأ الحروب بين الآسيويين والأفارقة، إلا بعدما تصاهرت الإمبراطوريتان، حيث تزوج الملك المصري بطليموس الخامس بابنة الملك السوري كليوباترا الأولى، وأقيم حفل الزفاف الملكي في مدينة رفح جنوب قطاع غزة، كإشارة على نهاية الخلاف بينهما عام 195 ق. م، وكان مهر كليوباترا مدينة غزة.

أصبحت كليوباترا الأولى حاكمة لبلاد مصر والشام فيما بعد، واستمرت سلالتها في الحكم حتى استولى الرومانيون على مصر وبلاد الشام.

الإمبراطور الروماني يعلن احتلاله لمصر وبلاد الشام من أرض ميناء غزة

يُقال إن الإمبراطور الروماني مومبيوس مر على مدينة غزة عقب هزيمة مملكة كليوباترا السابعة 56 ق. م، والسيطرة على مصر وبلاد الشام، وألقى خطاب النصر من على أرض موقع "البلاخية" وميناء "الأنثيدون"، كونهما عاصمتا الازدهار حينها، وأعلن من على أرض الميناء انتصار جيشه على خلفاء الإسكندر (السلوقيين والبطالمة).

لم يهتم الإسلاميون كثيرًا بأمر هذا الميناء نظرًا لانقطاع التعاملات التجارية بينهم وبين الرومان عقب هزيمتهم بغزة عام 635 بقيادة خليفة المسلمين عمر بن الخطاب

وازدهرت المدينة بعهد المسيحيين 395 ميلاديًا وأصبحت مركزًا تجاريًا مهمًا، كحلقة وصل بين آسيا وإفريقيا من ناحية تجارية عبر ميناء الأنثيدون، وقد سميت غزة حينها بـ"سيدة البخور والعطور"، فكانت قوافل البهارات والعطور التجارية تأتي عبر الجمال من مدينة صلالة اليمنية إلى ساحل حضرموت، ثم إلى ساحل الحجاز، وتحط رحالها بالبتراء الأردنية كاستراحة قبل توجهها لغزة، ثم عبر ميناء "الأنثيدون" إلى بلدان أوروبا كأثينا وجريت وروما وقبرص واليونان.

الميناء كان محطة تصدير أهالي الحجاز لمنتجاتهم نحو أوروبا

يذكر أن السيد هاشم بن عبد مناف الجد الثاني للنبي محمد عليه الصلاة والسلام كان من أسياد التجار بغزة ومن مصدري البخور والعطور إلى أوروبا عبر هذا الميناء، وما زال قبره بغزة التي عاش بها وعمل تاجرًا على أراضيها طيلة عمره.

لم يهتم الإسلاميون كثيرًا بأمر هذا الميناء نظرًا لانقطاع التعاملات التجارية بينهم وبين الرومان عقب هزيمتهم بغزة عام 635 بقيادة خليفة المسلمين عمر بن الخطاب، وظل الميناء مقطوعًا من التجارة طيلة عصر العباسيين والأمويين والفاطميين، إلا أنه كان نقطة وسط تجاري بين دمشق والقاهرة.

في عهد الصليب عمل هذا الميناء مجددًا طيلة قرن من الزمان، حتى جاء عهد الأيوبيين والممالي الذين استعملوه كثغرة لحماية شواطئ جنوب فلسطين ومصر من الغزاة، وظل مقمورًا تحت الأنقاض والتراب بسبب الحروب والصراعات حتى قامت السلطة الوطنية الفلسطينية بأول أعمال التنقيب عن آثار البلاخية 1997.

وأوضح المؤرخ الفلسطيني الدكتور سليم المبيض، أن موقع البلاخية ما زال يحتوي على كنوز أثرية أضعاف ما تم اكتشافه إذا ما تم الاجتهاد بالتنقيب عنها، فالمعبد الوثني الذي تم اكتشافه وكذلك مقام هيلانا وتاج لأحد الملوك والفسيفسائيات، وكذلك أحجار التصوير الجصي والغرف وغيرها مجرد معلم من معالم لكل أمة سكنت أو احتلت فلسطين.