في رسالتها الأخيرة إلى زوجها لويس كارلوس بريستيس وابنتها أنيتا، قبل شهرين من وفاتها عام 1942، كتبت أولجا بيناريو بريستس: "حاربت من أجل الخير والعطاء؛ لجعل العالم أفضل، وإذا كان لا بد لي الآن أن أقول وداعًا، فإني أعدكم بأنني لن أعطيكم أي سبب لكي تخجلوا مني حتى أنفاسي الأخيرة".  

ألمحت كلمات الشيوعية الألمانية أولجا بيناريو إلى كفاحها مدى الحياة ضد الفاشية، وبعد فترة وجيزة من بلوغها سن الـ34، قُتلت في أحد مراكز القتل الرحيم النازية، إنها قصة الشجاعة والمقاومة التي تركت إرثًا في ألمانيا والبرازيل وخارجهما.

وبالنسبة إلى ابنتها، أنيتا ليوكاديا بريستس، التي أصبحت اليوم أستاذًا متقاعدًا ومؤرخة تعيش في ريو دي جانيرو، إنه إرث لا بد من تذكره، وبحسب قولها: "من المهم نشر محاربين مثل أولجا بيناريو حتى يفهم الناس أنه من الضروري وقف صعود الفاشية ومنع حدوث مآسٍ مماثلة، أمثالها مصدر إلهام للشباب الذين يريدون القتال ضد الفاشية ومن أجل العدالة الاجتماعية والحرية".

دروس في مقاومة الفاشية

وُلدت أولجا عام 1908 لعائلة يهودية من الطبقة المتوسطة في ميونخ، كانت أصغر أشقائها، وكانت والدتها أوجيني جزءًا من المجتمع البافاري الراقي، في حين كان والدها محاميًا وعضوًا في الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني، وغالبًا ما يدافع عن عمال المصانع الفقراء مجانًا، تعلمت أولجا من خلاله لأول مرة معنى العدالة الاجتماعية، لكن علاقتها بوالدتها كانت متوترة، لرفضها منذ صغرها وسائل الراحة التي جاءت مع نشأة والدتها في الطبقة المتوسطة.

 

أولجا بيناريو بريستيز في أثناء سجنها بالبرازيل عام 1936

في عام 1923، وفي نفس العام الذي بدأ فيه النمساوي المسمى أدولف هتلر محاولةً انقلابية فاشلة مع حزب العمال الألماني الاشتراكي الوطني "الحزب النازي" للإطاحة بجمهورية فايمار في ميونيخ - الجمهورية التي نشأت في ألمانيا في الفترة من 1919 إلى 1933 كنتيجة الحرب العالمية الأولى وخسارة ألمانيا - انضمت بيناريو، البالغة من العمر 15 عامًا إلى منظمة الشباب الشيوعية السرية "KJVD".  

أدت أنشطتها مع المجموعة، بما في ذلك وضع ملصقات ثورية غير قانونية في جميع أنحاء المدينة، إلى قيام الشرطة المحلية بتسجيلها على أنها "محرض شيوعي".  

سرعان ما دخلت في علاقة مع أوتو براون، وهو زميل شيوعي، وعندما كانت أولجا في الثامنة عشر من عمرها، غادر الزوجان للانضمام إلى الحركة الشيوعية الأكبر في برلين، وتولت القيام بأنشطة مماثلة في دورها كعضو رائد في منظمة "KJVD" في حي نيوكولن للطبقة العاملة.  

اعتقالها بتهم "الاستعدادات للخيانة العظمى"، يليها محاولتها الناجحة في تهريب براون من السجن عام 1928، جعل أولجا شخصية معروفة في جميع أنحاء المدينة

اعتقالها بتهم "الاستعدادات للخيانة العظمى"، يليها محاولتها الناجحة في تهريب براون من السجن عام 1928، جعل أولجا شخصية معروفة في جميع أنحاء المدينة، وكانت ملصقات البحث عنها في كل مكان، وصورها تظهر قبل العروض السينمائية التي تعرض أموالاً كثيرة للعثور عليها.

أصبح القبض عليها هدفًا بالنسبة للسلطات، لكن العديد من العمال أعطوها منزلاً وساعدوها على الفرار، وتوجه الزوجان إلى الاتحاد السوفييتي، حيث انضمت أولجا إلى منظمة شباب الشيوعية الدولية، وهي فرع من فروع الأممية الشيوعية "الكومنترن".   

انتهت علاقتها مع براون بعد فترة قصيرة، وخضعت لفترة مكثفة من التدريب العسكري والإستراتيجي، ومجموعة المهارات التي تضمنت تعلم اللغة الإنجليزية والفرنسية والروسية، بالإضافة إلى القفز بالمظلات وركوب الخيل، كما أثبتت نفسها مع البعثات الدولية الناجحة إلى أوروبا الغربية، واعتقلت في باريس ولندن لدورها في الاحتجاجات.

هدية لهتلر

عام 1934، في موسكو، تم تكليف أولجا بمرافقة الزعيم الشيوعي البرازيلي لويس كارلوس بريستيس الذي كان في المنفى بموسكو، خلال العودة إلى البرازيل.   

أُلقي القبض على أولغا في نهاية المطاف، وأُعيدت إلى ألمانيا في سفينة "كهدية" لهتلر

كان من المقرر أن تكون أولجا حارسه الشخصي وسط الاستعدادات للإطاحة بالزعيم البرازيلي جيتوليو فارجاس الذي بدا وكأنه ينزلق نحو الديكتاتورية، فتخفيا كزوجين برتغاليين خلال رحلتهم الطويلة هناك حتى وصلا إلى أمريكا الجنوبية كحبيبين، لكن الثورة ضد جيتوليو فارجاس في عام 1935، فشلت وأُلقي القبض على أولغا في نهاية المطاف، وأعادها إلى ألمانيا في سفينة كـ"هدية" لهتلر. 

كتب المؤرخ السويسري الألماني روبرت كوهين ثلاثة كتب عن أولغا بيناريو، الأحدث بينهم كان بعنوان "عملية بيناريو، ملف الجستابو 1936-1942"، وقام فيه بفحص 2000 ملف لجهاز المخابرات الألماني، الذين ظهروا للعلن قبل ثلاث سنوات، ووفقًا لكوهين، من المرجح أن يكون ذلك أكبر ملف لضحايا محرقة "الهولولكوست".

الزعيم الشيوعي البرازيلي لويس كارلوس بريستيس

"الغستابو" جهاز مخابرات ألماني سري، أسسه أدولف هتلر من ضباط الشرطة المحترفين، وهو أكثر أجهزة الأمن الألمانية شهرة وسرية وكفاءة، ويُتهم بتدبير عمليات الاعتقال والاغتيال لمئات آلاف الأشخاص في عهد الحكم النازي، إلى أن انتهت أسطورة جهاز "الغستابو" بإعلان حله يوم 8 من مايو/أيار 1945، إثر هزيمة هتلر في الحرب العالمية الثانية وانهيار ألمانيا النازية. 

يصف كوهين أولجا بأنها صعبة جسديًا وذهنيًا، ويقول إنه سعى لتمثيلها من منظور نسوي، ففي كتابه يقول: "أخذت أولجا أدوارًا كان من المفترض أن يقوم بها الرجال فقط، وكانت شجاعة وذات معرفة"، ويروي ما يدلل على ذلك، فعندما تم إلقاء القبض على بريستس، كان لدى الشرطة البرازيلية الأمر بإطلاق النار عليه، وبحلول تلك المرحلة، كانت بيناريو في شهرها الثاني أو الثالث من الحمل، ولكنها وقفت أمامه، ولم تعرف الشرطة ماذا تفعل، لم تفعل أولجا هذا فقط بسبب الحب، لكنها فعلت ذلك لأنها كانت وظيفتها".

معتقل رافنسبروك للسيدات في ألمانيا عام 1945

المقاومة في رافنسبروك

بعد وقت قصير من عودتها إلى ألمانيا عام 1936، أنجبت أولجا في سجن في برلين، وبعد 14 شهرًا، تم فصل الأم عن ابنتها أنيتا، وفي عام 1939، تم نقل أولجا إلى معسكر اعتقال رافنسبروك، الذي يقع على بعد 90 كيلومترًا من برلين في شمال البلاد.  

رافنسبروك، معسكر اعتقال للنساء فقط، تم بناؤه لإيواء السجناء الذين يعتبرون "منحرفين"، حتى إغلاقه في عام 1945، وتم احتجاز أكثر من 130 ألف امرأة وطفل، بما في ذلك السجناء السياسيين والأرستقراطيين والجواسيس، وكانت أولجا ضمن الدفعة الأولى من النساء اللاتي وصلن.  

في فبراير 1942، تم نقلها إلى مركز برنغول للقتل الرحيم، حيث تم حرقها بالغاز حتى الموت في أبريل/نيسان

في المعتقل، تعرضت أولجا لضروب مختلفة من التعذيب، حيث تم جلدها، ووضعها في مخبأ عقابي، وعملت كعامل رقيق في مصنع سيمنز الذي كان أحد الشركات الرئيسية العاملة في مجال العبيد بالمخيم، بالإضافة إلى ذلك، كانت تشعر بالانكسار عندما أخذوا طفلتها بعيدًا عنها، ولمدة عام ونصف لم تكن تعرف ما الذي حدث.  

ويتبع شركة سيمنز متعددة الجنسيات ماضٍ غير أخلاقي، وهي أكبر شركة هندسية في أوروبا، وقد ساعدت النازيين باستخدام عمل العبيد في صنع أسلحة متقدمة خلال الحرب العالمية الثانية، وهو أمر معروف جيدًا، ولكن ما هو أقل شهرة هو مدى مشاركتها في استخدام عمال السخرة.

سُميت أولغا بـ"زعيمة الكتلة" في معسكرات الاعتقال، وصنعت أطلسًا سريًا صغيرًا لتعليم السجناء الآخرين الجغرافيا والحرب، وتعاونوا في صحيفة سرية ووضعوا أطلسًا تفصيليًا لا يزال موجودًا في الأرشيف اليوم، ثم في فبراير 1942، تم نقلها إلى مركز برنغول للقتل الرحيم، حيث تم حرقها بالغاز حتى الموت في أبريل/نيسان.

تقول ابنتها إنها حافظت على موقف حازم تجاه خاطفيها حتى النهاية، ولم تتردد أبدًا أمام العدو، قائلة: "إذا أصبح الآخرون خونة، فلن تكون أبدًا مثلهم"، لقد دفعت حياتها من أجل هذا الصمود، لأنها لو خدعت رفاقها، لكانت قد أتيحت لها الفرصة للقبول في روسيا أو المكسيك أو إنجلترا".

أنيتا ليوكاديا ابنة أولجا

إرث أولجا 

سعى المؤلفون وصانعو الأفلام والمخرجون ومديرو المسرح إلى سرد قصتها، فقد أثار الجزء اليهودي من هويتها على وجه الخصوص الكثير من النقاش، وباعتبارها شيوعية، تعتبر أنيتا والدتها سجينة سياسية أكثر من كونها ضحية يهودية للنازيين.

لكن كوهين يرى كلا الجانبين فيها، ويقول إن بيناريو لم تصرّ أبدًا على يهوديتها، في الواقع، كونها شيوعية أبعدها كل البعد عن يهوديتها، وعندما أسروها عام 1936، أظهرت الوثائق أنهم عاملوها في الغالب كشيوعية وعضو في "الكومنترن"، الذين يمكن أن يتعلموا منهم أسرارًا عما كان عليه الاتحاد السوفييتي والشيوعيون الآخرون، ولكن منذ عام 1940 تعاملوا معها كيهودية.

في البرازيل، يُنظر إلى أولجا على أنها "رمز لنضال مقاتلي الحرية والشيوعيين"

تم إنقاذ أنيتا من قبل جدتها لأبيها ليوكاديا بريستيس، وأُعيد لم شملها مع والدها عام 1945، وكتبت منذ ذلك الحين عن والديها على نطاق واسع، وكان أحدث كتاب لها بعنوان"أولجا بيناريو بريستس: شيوعية في وثائق الجستابو"، ونُشر في العام الماضي باللغة البرتغالية، وإلى جانب وثائق جيستابو، ظهرت رسائل بين والديها.

تريلر فيلم "أولجا"

في البرازيل، يُنظر إلى أولجا على أنها "رمز لنضال مقاتلي الحرية والشيوعيين"، وقد حاز الفيلم البرازيلي الأكثر شعبية "أولغا" جائزة الأوسكار لأفضل فيلم بلغة أجنبية، رغم أنه لم يتم قبوله كمرشح.

وفي ألمانيا، وخلال الحرب الباردة، اُعتبرت أولجا بطلة في شرق البلاد، فسُميت المدارس ودور الرعاية والمصانع والشوارع باسمها، لكن كونها بطلة شيوعية في الشرق لا يعني أن الغرب تجاهلها، فهناك المزيد من الناس يتعلمون عنها في جميع أنحاء البلاد.

وبالنسبة لكوهين، فإن إرث أولجا بيناريو واضح، لا سيما اليوم، بقدر ما تطور الحركات اليمينية بشكل بارز في معظم أنحاء العالم، وفي أوروبا، فإن اليمين المتطرف في ازدياد ولديه بعض المجتمعات الأكثر تنوعًا في القارة.