يضطرب المشهد السياسي والاجتماعي التونسي اضطرابًا كبيرًا على مشارف السنة الانتخابية التي لا تزال تحوم حولها الشكوك، ويمكن تحديد مستويات ثلاث متراكبة بعضها فوق بعض يخفي الظاهر منها الباطن، ولكن ما خفي يفضح عجزًا نخبويًا كبيرًا يفرط في الكلام ويقل في الفعل فيجعل المستقبل غير منظور.

تطغى معارك ظرفية تتعلق بإدارة اليومي ويتجسد في صراع القصبة وقرطاج أو ما اصطلح عليه بصراع ما بين القصرين، لكن الظرفي يخفي معركة أكبر هي معركة بدائل الحكم أو معارك ما ينبغي أن يكون أو ما يتطلبه البلد من أهل السياسة في الآجال القريبة والبعيدة، ومعركة بدائل الحكم تخفي بدورها هروبًا من حل المعضلات الفكرية والثقافية التي توجه عادة التفكير السياسي وتفتح أبواب التفكير أو بناء صورة للمستقبل الذي يضمن نجاح الإدارة في قيادة سفينة البلد الجانحة.

سنحاول هنا أن نفكك هذه المستويات المتراكبة أملاً في العثور على خيط يقود إلى وضع تصورات أبعد مدى مما يجرنا إليه السياسيون المتكالبون على حكم بلا أفكار ولا برامج.

المعارك الظرفية الظاهرة

معركة ما بين القصرين أو معركة يوسف الشاهد (رئيس الحكومة) مع الباجي قائد السبسي (رئيس الدولة)، لقد أفلتت طموحات رئيس الحكومة الشاب عن قياسات رئيس الدولة الذي وضعه في مكانه ثم رغب في استبداله بدعوى الفشل، ففلقت هذه المعركة الساحة السياسية شطرين تحت مسميين مختلفين: الأول الشق القائل بالاستقرار الحكومي والسير نحو الانتخابات وهو موقف الشاهد وحزام حكومته السياسي المتكون من حزب النهضة وحزب المبادرة وحزب مشروع تونس وقسم مهم من حزب نداء تونس، والثاني فريق الرئيس وفيه ما تبقى من نداء تونس وغير بعيد منه الاتحاد العام التونسي للشغل وذرات هائمة بلا عنوان دقيق، ولكن يحركها تموقعها الآلي ضد حزب حركة النهضة، فحيث تكون حركة النهضة لا يكون هؤلاء وهم أشرس الاستئصاليين من زمن بن علي.

يكشف هذا الصراع الظرفي في ظاهره صراعًا آخر بشأن بدائل الحكم التي على السياسيين بناؤها للتقدم بالعملية السياسية والاقتصادية في السنة الثامنة للثورة

ويقف خارج الشقين أحزاب صغيرة وشخصيات ترى أن يوسف الشاهد وحزامه السياسي ليس قدر التونسيين ولكنه يسكت عن الشق الثاني فلا يقول عنه ما يقول عن الشاهد، كأنه يقول ضمنًا بأن الباجي هو البديل.

اكتسب هذا الصراع بعدًا شخصيًا حتى انعدم التواصل بين رئيس الحكومة ورئيس الدولة وبدأ الحديث عن تعطل الدولة المنذر بالهلاك، ولا يظهر هذا الصراع أي خلاف بشأن برامج الحكم ولا يشار إلى مسألة السيادة الوطنية المخترقة من طرف مؤسسات الإقراض/الإملاء الخارجي الذي يتحكم فعلاً في مفاصل الدولة، وفي هذه اللحظة تتأخر موافقة رئيس الدولة على قانون الموازنة بما يؤجل دخول السنة المالية 2019 في ظرف سليم، خاصة وقد رفع شق الباجي طعنًا في قانون الموازنة إلى هيئة مراقبة دستورية القوانين وهي هيئة مؤقتة تقوم مقام المحكمة الدستورية التي تأخر إرساؤها نتيجة الصراع السياسي نفسه.

يكشف هذا الصراع الظرفي في ظاهره صراعًا آخر عن بدائل الحكم التي على السياسيين بناؤها للتقدم بالعملية السياسية والاقتصادية في السنة الثامنة للثورة.

معركة بدائل الحكم

ما أطروحة الحكم التي يعود إليها الشاهد؟ وما أطروحة الشق المقابل له؟ في الجوهر ليس هناك أي خلاف حقيقي وليس هناك صراع بدائل، الشقان يحتكمان إلى خطة تسيير ليبرالي وكلاهما لا يقدم أي خطة لتحرير اقتصاد البلد من سلطة مؤسسات الإقراض الدولي التي تتابع المشهد عن قرب وتمول على هواها، وكلاهما لا يفكر في العمق الاجتماعي الضروري الآن وهنا للعملية الاقتصادية.

ليس لدي الشقين خطة تقوم على إقامة سيادة البلد المنهارة وليس لديهما إلا حديث عام عن مقاومة الفساد المستشري في مفاصل الإدارة، بل إن تحليلهما لا يتجه إلى تحديد مشكلة سيادة بقدر ما ينصب على شخصنة المعركة، وإذا كانت الحكومة (الشاهد وحزامه) هي المعنية/الملزمة أولاً بتقديم خطة عمل فإن معارضتها (شق الباجي) لا يعارضها في هذه النقطة بل يكيد لها كيدًا إداريًا فيحرك ضدها النقابة بإضرابات قطاعية لا تفتأ تتسع فتربك كل خطوة ممكنة ولو في هذا الإطار الليبرالي الذي صار قدرًا مقدورًا.

حالة العجز ناتجة عن فقدان الأفكار المؤسسة أو الخوف (لعله العجز الفعلي المتعلل بالضغوط الخارجية) من إعادة التفكير الجذري في مستقبل دولة ومجتمع أنجز ثورة اجتماعية

انتشر في أوساط كثيرة حديث عن ضرورة استعادة سيطرة الدولة على ثرواتها الباطنية وقامت من أجل ذلك تحركات قوية قادها شق من المعارضة قبل انفجار صراع القصرين وعلى تحرير الاقتصاد من الارتباط بمركز اقتصادي غربي وحيد، (أو تنويع الشركاء) ولكن على الأرض نجد رئيس الحكومة يسافر متسولاً للسعودية وقريبًا إلى قطر وربما إلى آسيا في رحلات لم تنتج إلا هبات وقروض صغيرة مصيرها التحول إلى أجور للقطاع العمومي المهيكل نقابيًا الذي يملأ الشارع احتجاجًا من أجل مطالب مادية بحتة.

المشهد بشقيه لا يفكر أبعد من إدارة اليومي بحيل قصيرة الأمد (وضع شاشية زيد على رأس عمرو) أما بناء تصور حكم أو بديل تنموي حقيقي وعميق فلا يبدو شاغلاً حقيقيًا لدى أي طرف، بما في ذلك حزب النهضة الذي يزعم أنه الحزب القوي المتحكم في مفاصل المشهد بحجم كتلته النيابية الخرساء عن إنتاج البدائل الذي لا يظهر له أي أثر في تفكير رئيس الحكومة الذي لا يقف واقعيًا إلا بإسناد النهضة.

وقد بينت النقاشات الصاخبة بشأن قانون الموازنة أن لا فرق بين أي طرف من أطراف المشهد فيما يتعلق بتحرير اقتصاد البلد من دوائر الفساد الداخلي ودوائر التأثير الأجنبي، بل لعل التواطؤ مع الفساد كان جليًا، فقد بدأت محاولات تنظيف الفاسدين بالقانون على خلاف كل إجراءات المحاسبة التي زعمت الحكومة اتباعها، ويبدو البحث عن الإسناد الانتخابي لسنة 2019 هو المسير الخفي لكل خطوات الحكومة ومعارضتها، فلماذا يقع الجميع في حالة العجز هذه؟

معركة الأفكار المؤسسة

حالة العجز ناتجة عن فقدان الأفكار المؤسسة أو الخوف (لعله العجز الفعلي المتعلل بالضغوط الخارجية) من إعادة التفكير الجذري في مستقبل دولة ومجتمع أنجز ثورة اجتماعية، عجزت الطبقة السياسية التونسية رغم خوضها في كل المشاريع الفكرية من اليمين إلى اليسار ومنذ زمن بعيد عن إنتاج البدائل.

فقد وجدت نفسها أمام استحقاقات الحكم قاصرة عن إنتاج أفكار وخطط تنفيذية مؤسسة وقد أخذ منها النقاش السياسي والقانوني (والقيمي) الكثير من الجهد، فأنتجت نصًا دستوريًا جيدًا، لكن الخطوط الاقتصادية الكبرى (الاقتصاد الاجتماعي التشاركي) المحدد بالدستور (مثل نظام الإدارة الجديد القائم على اللامركزية) لم يتحول إلى برامج فعلية تدفع بها الأحزاب ضد الحكومة التي تصر على إعادة إنتاج نموذج حكم بن علي بدون إبداع ولا تجديد.

لقد بقي الدستور معلقًا وأدير البلد حتى الساعة بمنطق (تسليك المجاري)، وحتى الساعة تتأخر إنجازات البلديات الجديدة المنتخبة التي اكتفى أغلبها بحملات تنظيف تطوعية لم تعد صناعة وجوه جديدة لمدن تونسية بلا وجوه.

العجز في مستوى التفكير المؤسس ينتج عجزًا في مستوى إنتاج البدائل فيتم الهروب إلى الصراع السطحي المريح ويبقى الناس مشدودين قسرًا إلى الصراع بين القصرين

الفقر الفكري يتجاوز الطبقة السياسية إلى النخبة الأكاديمية التي تقف على ربوة المراقبة ويتسلل بعضها هاربًا إلى جامعات تقدم أجورًا أعلى أو إلى حزيبات تطمع في السلطة بأخف الأوزار الفكرية، ضمن منطق استعمال السلطة للتغيير من الداخل (وهو مبرر جيد للكسل الفكري الذي ينطلق من احتقار كبير لجمهور الناس المتعطش إلى التغيير)، إذ يكفي عند النخبة وضع نص قانوني للتغيير ليتغير المجتمع.

ينعكس هذا على أداء الحكومات (وعلى الحكومة الحاليّة بالذات) لذلك يطيب للكثيرين الانخراط في مستوى الصراع الأول (معركة ما بين القصرين) لأنه صراع يريح من الرد المضني على السؤال العميق: ما البديل المستقبلي الذي تعارض على أساسه الحكومات؟

دائرة اليأس

العجز في مستوى التفكير المؤسس ينتج عجزًا في مستوى إنتاج البدائل، فيتم الهروب إلى الصراع السطحي المريح ويبقى الناس مشدودين قسرًا إلى الصراع بين القصرين، فيضيق الأفق وينعدم الأمل وتسود حالة الإحباط التي يترجمها الآن كم من الجريمة (المخدرات أكبر دليل) والهروب غير القانوني من البلد، ونسأل ما الحل؟

عملية التأسيس التي جاءت بدستور مقبول لم تكتمل، لقد تشتت الجهد التأسيسي وراء صراعات السياسيين وتعتبر المطلبية النقابية وجهًا من وجوه الضغط غير المؤسس الذي يبقي الحكومة في المستوى الأول من الصراع، كما لو أن الدولة اكتملت أركانها الجديدة ولديها عملية تنموية تسمح بتقاسم نتائج نمو حقيقي يعود منها للشغالين حق لا شك فيه، في حين أن الأمر لا يعدو كونه اقتراضًا مذلاً من أجل زيادات في الأجور يعرف النقابيون قبل غيرهم أنهم يكرسونه لتعجيز حكومة عاجزة وقصيرة النظر، حكومة لا تفكر إلا في إنقاذ أشخاص في الحكم دون وعي بالمستقبل الذي يتدرج نحو انهيار الدولة برمتها.

في وضع مشرف على الانهيار الشامل علينا الاستعداد للاحتمالات الأسوأ بما في ذلك العجز عن الوصول إلى انتخابات توهم بعزاء أخير، وترجمة ذلك أن الناخب التونسي لن يعرف وهو أمام الصندوق (إذا حل أجله فعلاً) الجهة التي سيمنحها ثقته، أي انتخابات بلا جمهور، وهي أسوأ نهاية لثورة اجتماعية سلمية طلبت دولة جديدة فوجدت حكومات بن علي دون تسريحة شعره.