بينما تدخل الاحتجاجات الشعبية المناهضة لارتفاع الأسعار وتدني مستوى المعيشة في السودان يومها السابع، وصل الرئيس عمر البشير يرافقه وفد من وزراء حكومته إلى مدينة ودمدني صباح اليوم، مفتتحًا عددًا من المشاريع التنموية والخدمية، في الوقت الذي تشهد فيه ميادين وشوارع عدد من المدن مناوشات بين الأمن والمحتجين.

تأتي زيارة البشير لواحدة من المدن التي شهدت خروج تظاهرات خلال الأيام الماضية بعد ساعات قليلة من وعوده التي قطعها على نفسه بإجراء إصلاحات اقتصادية توفر للمواطنين حياة كريمة، وذلك خلال لقائه مساء أمس بهيئة قيادة جهاز الأمن والمخابرات الوطني.

ورغم تعهدات البشير التي جاءت وفق البعض متأخرة نسبيًا، فإن المحتجين يواصلون تطورهم النوعي في آليات حراكهم الميداني، متنقلين من الشوارع إلى الملاعب الرياضية، فبعد التظاهرة التي خرجت من ملعب نادي الهلال في مدينة أم درمان أول أمس عقب مباراة الهلال والإفريقي التونسي، خرجت مظاهرة أخرى أمس عقب مباراة فريقي المريخ والأهلي في بطولة الدوري الممتاز بالعاصمة الخرطوم، فيما أطلقت الشرطة الغاز المدمع لتفريق المحتجين في منطقة السوق العربي وسط المدينة.

المحتجون بعد انتهاء المباراة وخلال المظاهرة هتفوا ببعض الشعارات من فوق مدرجات الملعب تندد بـ"حكم العسكر" ويطالبون بالتدخل لحمايتهم من سرقة أرزاقهم، ومن بين تلك الهتافات "وين الجيش وين الجيش.. الكيزان سرقوا العيش"، في إشارة إلى سرقة الحزب الحاكم للقوت.

خروج الرئيس السوداني عن دائرة الصمت التي خيمت عليه طيلة الأيام الست الماضية، وتقديمه لتلك الوعود غير المحددة زمنيًا، تزامنًا مع ما أبدته بعض القوى الدولية من قلق حيال تطور الأحداث، دفع البعض للتساؤل عن مدى قدرة تلك التعهدات على امتصاص غضب المحتجين في الشوارع، خاصة أن الأوضاع التي بسببها اندلعت التظاهرات لم تتغير بالشكل المرضي حتى الآن، وهو ما يجعل كل الخيارات متاحة.

مسيرة للقصر الجمهوري

في إطار الخطوات التصعيدية للمحتجين توجهت مسيرة  تقدر بالألاف بعد ظهر اليوم للقصر الجمهوري بوسط العاصمة الخرطوم، استجابة للدعوة التي أطلقها تجمع المهنيين المعارض،  لتقديم مذكرة تطالب برحيل الرئيس عمر البشير، بينما تصدت لها قوات الأمن مستخدمة في ذلك الغاز المسيل للدموع فيما اعتقلت العشرات منهم وحاصرت آخرين في بعض المناطق القريبة من القصر.

ورغم عدم توفر البيانات الموثقة بشأن ضحايا تلك المواجهات، إلا أن منظمة العفو الدولية اتهمت قوات الأمن بقتل 37 محتجا منذ بدء الاحتجاجات المناهضة للحكومة، فيما نشر الناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي صورًا قيل إنها لمصابين خلال تفرقة الأمن لهم.

وفي المقابل ألقى الرئيس السوداني كلمة في ولاية الجزيرة التي زارها اليوم قال فيها إن"بعض الخونة والعملاء والمرتزقة والمندسين استغلوا الضائقة المعيشية للتخريب لخدمة أعداء السودان"، مضيفًا أن حكومته ماضية في "إنفاذ مشروعات التنمية والإعمار لصالح المواطنين وإصلاح أحوالهم"، معتبرا أن هناك حربا تُشن على السودان "لتمسكه بدينه وعزته التي لا يبيعها بالقمح أو الدولار".

وأشار إلى أن الغرب ظل يحاصر السودان بسبب رغبة مواطنيه في التمسك بعقيدتهم، مضيفًا" نعلم معاداتهم لنا ولكننا نثق في أن النصر قريب من عند الله"، مؤكدا لن نطلب العون إلا من عند الله، ومطنئنا السوادنيين بأن " المشاكل الاقتصادية التي يمر بها السودان مقدور عليها"

جدير بالذكر أنه رغم الهدوء النسبي للغضبة الشعبية في بعض المناطق خلال اليومين الماضيين فلا تزال جذوة الاحتجاجات قائمة في مناطق أخرى على رأسها مدينة القضارف، شرق البلاد، التي سقط منها 3 قتلى منذ بداية الأحداث، لا سيما مع دخول النساء بقوة على الأحداث، وخروجهن في مسيرات منددة بالأوضاع ومطالبة بإسقاط الحكومة.

المظاهرة انطلقت من حي أبكر جبريل، ومرت بسوق المحاصيل ووصلت لقسم الشرطة، حيث يحتجز عدد من أبناء المحتجات للمطالبة بإطلاق سراحهم، ولم تستخدم الشرطة وقوات الأمن الغاز المسيل للدموع كما جرت العادة منذ بدء الحراك الشعبي في البلاد، لكن عشرات من عربات الشرطة والأمن تابعت المسيرة حتى تفرقها.

أعلنت 22 حركة ومنظمة وحزب سوداني، أمس الإثنين، تدشين تحالف معارض جديد حمل اسم "الجبهة الوطنية للتغيير"، متعهدًا بمضاعفة الجهود مع كل القوى السياسية السودانية للتكاتف لدعم الحراك الشعبي والعمل على تطويره

بالأمس أضرب الأطباء عن العمل تنديدًا بارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة كخطوة أولى، فيما يتوقع أن تشهد البلاد إضرابًا عامًا اليوم وغدًا، وذلك في إطار حراك يعتبره البعض التحدي الشعبي الأكبر للرئيس السوداني منذ صعوده إلى سدة الحكم قبل 29 عامًا.

https://twitter.com/eyzo30/status/1077504188333150208

من جانبه أعلن حزب الأمة القومي المعارض بزعامة الصادق المهدي، دعمه لموكب المهنيين، قائلاً في بيان له: "جهود الحزب تمضي في سبيل وحدة قوى النظام الجديد وتنسيق المواقف لصالح فعل يوازي المرحلة كشرط لازم لإنجاح الانتفاضة، ولضمان عدم انزلاق البلاد نحو الهاوية"، مؤكدًا دعمه وبقوة موكب المهنيين ويدعو أعضاءه كافة للمشاركة فيه على طريق تحرير الشعب من القهر.

فيما أعلنت 22 حركة ومنظمة وحزب سوداني، أمس الإثنين، تدشين تحالف معارض جديد حمل اسم "الجبهة الوطنية للتغيير"، متعهدًا بمضاعفة الجهود مع القوى السياسية السودانية كافة للتكاتف لدعم الحراك الشعبي والعمل على تطويره، وإسناده والدفع به حتى بلوغ غاياته، مؤكدين في بيان لهم أن "أزمة البلاد هي أزمة سياسية، والأزمة الاقتصادية هي إحدى إفرازاتها"، مؤكدين أن "هذه الأزمة السياسية تحتاج لقرارات جريئة وشجاعة لتحقيق السلام والحرية والعدالة الاجتماعية بالبلاد".

هتافات منددة بحكم العسكر

قلق دولي

في أول تحرك دولي تجاه الأحداث المندلعة منذ أسبوع تقريبًا أعربت دول الترويكا الخاصة بالسودان (الولايات المتحدة والنرويج والمملكة المتحدة وكندا) عن قلقها إزاء المناوشات وأعمال العنف التي وقعت خلال الاحتجاجات، بما في ذلك "التقارير الموثوقة عن استخدام الذخيرة الحية من حكومة السودان ووقوع وفيات متعددة".

المجموعة في بيان لها أكدت حق الشعب السوداني في الاحتجاج السلمي للتعبير عن "مظالمه المشروعة"، كما حثت الجميع على تجنب العنف أو تدمير الممتلكات، مطالبة الحكومة بالاستجابة للمظاهرات "بشكل مناسب من خلال الشرطة النظامية والتعامل وفقًا للقانون السوداني والدولي لحقوق الإنسان، بما في ذلك الحق في حرية التجمع السلمي والتعبير وتجنب استخدام الذخيرة الحية على المحتجين والاحتجاز التعسفي والرقابة على وسائل الإعلام".

كشف حزب المؤتمر الحاكم في السودان، أن دولة عرضت على بلاده معالجة الأوضاع في السودان، مقابل قطع العلاقات مع قطر وتركيا وإيران

البيان اختتم بتوقع المجموعة "تنفيذ حكومة السودان تدابير للتحقيق في الحالات التي وقعت فيها إساءة استعمال للقوة"، مبدية ترحيبها بالتأكيدات التي قدمتها وزارة الخارجية السودانية في هذا الخصوص.

كما دعا دعا الاتحاد الأوروبي السلطات السودانية لضبط النفس والعمل في إطار القانون، إزاء الاحتجاجات، وأضافت المتحدثة باسم الدبلوماسية الأوروبية مايا كوسيانتيتش، في بيان أمس الإثنين: "نتوقع من الحكومة السودانية احترام حق الناس في التعبير عن مخاوفهم، والاستجابة لشكواهم"، متابعة "على جميع الهيئات القانونية أن تتحرك في إطار القانون بما يتفق مع صلاحياتها الدستورية، والتزاماتها الدولية".

دعم مشروط

بعد ما تناقلته بعض وسائل الإعلام السودانية بشأن إعلان قطر والكويت والبحرين استعداداتهم لإخراج السودان من أزمته عبر تقديم الدعم المطلوب، كشف حزب المؤتمر الحاكم في السودان، أن دولة عرضت على بلاده معالجة الأوضاع في السودان، مقابل قطع العلاقات مع قطر وتركيا وإيران.

ووفقًا لصحيفة "السودان اليوم"، كشف المؤتمر الوطني، "عن تلقيهم عروض من دولة لم يسمها بمد البلاد بالدقيق والوقود مقابل قطع علاقتها مع قطر وتركيا وإيران والإخوان المسلمين"، وبحسب نائب رئيس القطاع السياسي بالحزب محمد مصطفى الضو فإن "هنالك دولة عرضت عليهم تقديم مساعدات تتمثل في وقود ودقيق للخروج من الأزمة الحاليّة التي تمر بها البلاد".

بين وعود غير مجدولة زمنيًا وإصرار على التصعيد غير الممنهج يقبع عشرات الملايين السودانيين من محدودي الدخل في انتظار ما ستسفر عنه حرب الكر والفر بين المحتجين من جانب والنظام من جانب آخر

الحديث عن الدعم المشروط يعيد الأذهان إلى يونيو/حزيران 2015، حين أقدمت السعودية والإمارات على توفير الدعم لكل دولة تقطع علاقتها مع الدوحة كمورشيوس وجزر القمر وموريتانيا وتشاد، وهو ما دفع الخرطوم إلى رفض هذا العرض بحسب مصدر سوداني مسؤول.

المسؤول السوداني وفق ما نقلته "الجزيرة" اعتبر أن قبول العرض بمثابة "سقوط أخلاقي لا يغتفر وخروج عن المبادئ"، وأنه ليس من الوارد قبوله تحت أي ظرف، معددًا ما وصفه بأيادي دولة قطر البيضاء على السودان وأهله ووقوفها إلى جانبه في أوقات الشدة، مشيرًا إلى أنها ساهمت بجهد كبير في حل الصراع في إقليم دارفور وتنمية المناطق المتأثرة به.

ترقب واستنفار

حالة من الترقب تسيطر على الشارع السوداني المحتج تزامنًا مع مسيرة اليوم نحو القصر الجمهوري، حيث ذهب فريق إلى أنه من المتوقع أن يشارك في تلك المسيرة كل ألوان الطيف السياسي والمهني ومحدودي الدخل من المواطنين السودانيين.

الدكتورة أماني الطويل مدير البرنامج الإفريقي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، أشارت إلى أن شكل السودان القادم سيتحدد بعد تظاهرات اليوم، كونها اختبار حقيقي لقوة المحتجين في الشارع لا سيما بعدما عمت الاحتجاجات ثلثي البلاد لمدة أسبوع كامل على حد قولها.

الطويل وعبر حسابها على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" كشفت أن الأزمة أكبر من الخبز والوقود، لافتة إلى أن أي طرف من الأطراف الدولية يتصور أنه يستطيع إنقاذ النظام السوداني هذه المرة يكون خاطئًا في حساباته، خاصة بعدما باتت الناس لا تصدق وعود الرئيس التي يطلقها مع كل احتجاج شعبي.

وفي المقابل هناك من يرى أن استجابة الشعب السوداني لدعوات اليوم لن تكون بالشكل المقلق، خاصة بعد حالة الهدوء التي تسيطر على عدد من المدن التي اشتعلت فيها الاحتجاجات قبل ذلك، وذلك لعدد من الأسباب على رأسها اعتراف النظام بأحقية السودانيين في المطالبة بتحسين الأوضاع بعدما بلغت إلى الحد الذي لا يمكن تحمله، كذلك الوعود التي أطلقها البشير لإجراء عدد من الإصلاحات العاجلة لضمان حياة كريمة، هذا بخلاف القوة الأمنية خاصة بعد إعلان الجيش دعمه لقيادته، وهي التي نجحت خلال الأيام الماضية في الحيلولة دون وصول رقعة الغضب إلى مناطق بعيدة.

وبين وعود غير مجدولة زمنيًا وإصرار على التصعيد غير الممنهج يقبع عشرات الملايين السودانيين من محدودي الدخل في انتظار ما ستسفر عنه حرب الكر والفر بين المحتجين من جانب والنظام من جانب آخر، وتبقى الساعات القليلة القادمة حبلى بالإجابة عن العديد من التساؤلات التي فرضت نفسها منذ اندلاع الأزمة.