في الوقت الذي يعتبر فيه مناصرو الرئيس السوداني عمر البشير أن المسيرة التي قام بها المحتجون بعد ظهر أمس الثلاثاء للقصر الجمهوري وسط العاصمة الخرطوم فشلت في تحقيق أهدافها المعلنة التي تمثلت في ممارسة الضغط على النظام في محاولة لإجباره على التنحي، يرى منظموها عكس ذلك تمامًا.

الداعون للمسيرة وعلى رأسهم تجمع المهنيين السودانيين يرون أنها حققت نجاحًا مهمًا من الممكن أن يكون نقطة انطلاق نحو مزيد من التصعيد، فهذه المرة قد تكون الأولى التي ينجح فيها مناهضو الحكومة في تنظيم مسيرة بهذا الحجم، تستهدف مقر الحكم الرئيسي، رمز السلطة، وتطالب رأس النظام بالخروج من المشهد.

ورغم الأعداد الكبيرة التي شاركت في المسيرة فإنها اتسمت بالطابع السلمي، إذ تجنب المشاركون الدخول في صدامات مع قوات الأمن تجنبًا للمزيد من الضحايا، هذا في الوقت الذي أكدت فيه منظمة العفو الدولية مقتل 37 من المتظاهرين برصاص قوات الأمن السودانية خلال الأيام الخمس الأولى من الاحتجاجات.

وفق ما اعتبره المحتجون نجاحًا لمسيرة الأمس فإن العديد من الخطوات التصعيدية تطرق أبواب الشارع السوداني في يوم احتجاجه الثامن، في ظل الدعوات التي تطالب بإضراب شامل وعصيان مدني في شتى المصالح الحكومية والخاصة، تلك المطالب التي بدأت إرهاصاتها بإضراب جزئي أول أمس للأطباء وللصيادلة أمس.. فهل تقود مسيرة القصر إلى تصعيد جديد؟

عصيان مدني

رغم تعهد البشير بالمضي في إنفاذ مشروعات التنمية والإعمار لصالح المواطنين وإصلاح أحوالهم المعيشية، فإن المحتجين واصلوا سيرهم نحو القصر في مسيرة حاشدة شارك فيها مختلف أطياف الشعب السعودي من الموظفين والحرفيين ومحدودي الدخل.

التصعيد المتبادل كان العنوان الأبرز لتلك المسيرة، سواء من الغاضبين العازمين على الوصول إلى القصر الرئاسي لمطالبة الرئيس بالتنحي أم من قوات الأمن التي عززت وجودها لمنع أي تجمع داخل العاصمة ولو بالقوة، وهو ما أفرز عدد من المشاحنات والإصابات دون سقوط قتلى.

قوات الأمن في محاولتها لمنع تدفق المظاهرات أغلقت معظم أحياء الخرطوم، وهو ما صعب من وصول المحتجين إلى القصر، غير أنهم نجحوا في إيصال رسالتهم التي طالبوا فيها البشير بتسليم الحكم "لحكومة تكنوقراط انتقالية لها تفويض محدد توافق عليه كل قطاعات المجتمع السوداني"، وذلك وفق البيان الصادر عنهم الذي حذروا من خلاله من أنهم  سيواصلون ممارسة كل الخيارات الشعبية والسلمية، بما في ذلك الإضراب العام والعصيان المدني، من أجل إسقاط النظام.

الأمر سيكون كارثيًا حال دخول عناصر من القوات المسلحة إلى ساحة المناوشات مع المحتجين

اللجوء إلى عصيان مدني شامل وإن كان خيارًا صعبًا في ظل وجود قطاع كبير من السودانيين من أنصار البشير وحكومة المؤتمر غير أنه قد يمثل نقطة ضغط قوية حال الاستمرار فيه لما قد ينجم عنه من إرباك الاقتصاد السوداني وإصابة الحياة العامة بالشلل التام.

ومن اللافت أيضًا خلال تجدد الاشتباكات أمس، ما أثير بشأن توجيه قائد قوات الدعم السريع (الجنجويد) الفريق محمد حميدتي، أمس، انتقادات لاذعة للسياسات الحكومية، مطالبًا بتوفير الخدمات للمواطن والتشديد على إيفاء الحكومة بواجباتها وتوفير سبل كسب العيش الكريم لهم، وهو ما رفع من روح الغاضبين بصورة كبيرة.

العريضة المقدمة من تجمع المهنيين للمطالبة بتنحي البشير

بين الإصرار والعناد

استجابة المحتجين لدعوات التجمع والانطلاق بمسيرة بهذا الحجم إلى مقر رأس السلطة في السودان تنبئ أن الوضع لن يكون زوبعة في فنجان كما يعتقد البعض، أو موجة عاتية عابرة سرعان ما تتكسر على شواطئ القمع، إذ تذهب التقديرات أن الاحتجاجات هذه المرة مختلفة عن سابقاتها في السنوات الماضية، وأن الثمن سيكون غاليًا.

خبير الشؤون الإفريقية الدكتور عصام الدين محمد، القيادى بحزب الأجيال الوطني السوداني، أشار إلى أن ما يحدث في بلاده ليس ثورة جياع وفقط، بل ثورة على الفساد والظلم، فهي - وفق قوله - نتاج طبيعي لفقدان أبسط مقومات الحياة بالسودان، كاشفًا أن مايقرب من 12 ولاية كل واحدة منها تضم 7 مدن، تشارك في الاحتجاجات الحاليّة.

محمد في حديثه لـ "نون بوست" كشف أن الشعب السوداني يتميز بالصبر فهو لا يتمتع بأجندات خارجية، كما أنه صاحب قراره، فهو أول شعب قاد انتفاضه ضد الحكومة في أثناء حكم النميري، ومن ثم فإن تأخر السودانيين في الثورة على نظام البشير يعود إلى كونهم  يعطون المساحات الكافية والفرص الكاملة قبل أي تحرك، وما كان تحركهم إلا بعدما ضاقت بهم السبل.

ما أثير بشأن دعم بعض عناصر الجيش لمطالب المحتجين كما نقلت وسائل التواصل الاجتماعي ساهم بشكل كبير في تخفيف حدة الاحتقان وهو ما دفع الغاضبين على استقطاب الجيش لدعمهم

وبسؤاله عن احتمالية استجابة البشير لمطالب المحتجين، قال القيادى بحزب الأجيال الوطني السوداني: "لا أتوقع تنحي البشير بسهولة ويجب عليه أن يتفهم طبيعة التغيرات ويحقن الدماء"، معربًا عن قلقه إزاء تصعيد الأوضاع وأن يكون الشعب السوداني وحده الضحية حال خروج الأمور عن السيطرة.

وفي المقابل اتهم الرئيس السوداني خلال كلمة له في ولاية الجزيرة التي زارها أمس من أسماهم "بعض الخونة والعملاء والمرتزقة والمندسين" باستغلال الضائقة المعيشية للتخريب لخدمة "أعداء السودان"، مضيفًا أن حكومته ماضية في إنفاذ مشروعات التنمية والإعمار لصالح المواطنين وإصلاح أحوالهم، معتبرًا أن هناك حربًا تُشن على السودان لتمسكه بدينه وعزته التي لا يبيعها بالقمح أو الدولار.

تجنب سيناريو 2013

القارئ للتعاطي الأمني مع تلك الاحتجاجات يذهب إلى أن هناك رغبة واضحة في تجنب تكرار سيناريو 2013 الذي سقط فيه 80 شخصًا بحسب الحكومة السودانية، فيما ذهبت المعارضة وبعض المنظمات غير الحكومية إلى أن العدد تجاوز الـ200 قتيل، وهو ما تشير إليه بعض الدلالات.

إبعاد الجيش عن ساحات المواجهة المباشرة وفتح المجال أمام الشرطة خاصة قوات الدعم السريع بها يذهب في هذا الاتجاه، إذ إن الأمر سيكون كارثيًا حال تدخل عناصر من القوات المسلحة إلى ساحة المناوشات مع المحتجين، هذا بخلاف تجنب استخدام العنف المفرط في التصدي للتجمعات، وهو الأمر الذي ربما قاد إلى مزيد من الاحتقان وعليه قد تخرج الأمور عن السيطرة، رغم وصول عدد القتلى إلى 37 شخصًا بحسب العفو الدولية وهو الرقم الذي لم تؤكده حتى صفوف المعارضة نفسها، إذ كان العدد الأكبر المعلن عنه وفق زعيم حزب المؤتمر الوطني 22 قتيلاً منذ بدء الاحتجاجات.

علاوة على ذلك فإن ما أثير بشأن دعم بعض عناصر الجيش لمطالب المحتجين كما نقلت وسائل التواصل الاجتماعي ساهم بشكل كبير في تخفيف حدة الاحتقان وهو ما دفع الغاضبين على استقطاب الجيش لدعمهم عبر عدد من الشعارات والهتافات لصالحه، على سبيل المثال "جيش واحد شعب" و"الجيش معانا ما همّنا" و"الجيش.. الجيش الكيزان (حزب المؤتمر الوطني الحاكم) سرقوا العيش".

قال حسام زكي الأمين العام المساعد للجامعة العربية أمس إن ما يحدث في السودان شأن داخلي، وأشار إلى أن الزيارة التي قام بها الرئيس السوداني عمر البشير إلى سوريا مؤخرًا تمت دون تنسيق مع الجامعة

جدير بالذكر أن القوات المسلحة في بيان لها أعربت عن دعمها المطلق للقيادة السياسية الحاكمة، هذا فضلاً عن تأكيدها على العمل "ضمن منظومة أمنية واحدة ومتجانسة، القوات المسلحة، وقوات الشرطة الموحدة، وقوات الدعم السريع (الجنجويد)، وقوات جهاز الأمن والاستخبارات الوطني"، وجاء هذا التأكيد كما هو واضح، لنفي أي خلاف بين القوات النظامية في التعاطي مع الاحتجاجات الشعبية.

وعليه يبدو أن الجيش السوداني وحتى كتابة هذه السطور آثر خيار البقاء بعيدًا عن تلك الأحداث، مكتفيًا بالدور المنوط القيام به كما نص دستور البلاد وهو الدفاع عن حدود الوطن مع الإبقاء على مهمة الأمن الداخلي في مكانها، في يد قوات الشرطة، غير أن وتيرة الأحداث المتسارعة ربما تحمل جديدًا خلال الأيام أو الساعات القليلة المقبلة.

خطوات تصعيدية جديدة يبحثها المحتجون للضغط على الحكومة

تفاعل دولي وغياب عربي

بعد صمت خيم طويلاً، ها هي بعض الدول الغربية تخرج عن صمتها بعد 7 أيام من الاحتجاجات، ففي بيان مشترك صدر عن السفارة الأمريكية في الخرطوم، أعربت كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا والنرويج عن قلقهم إزاء أعمال العنف والتقارير عن استخدام الذخيرة الحية من السلطات السودانية، والوفيات التي شهدتها الاحتجاجات التي اندلعت الأربعاء الماضي بسبب الغلاء وشح السيولة المالية.

الدول الأربعة في بيانها أكدت على حق السودانيين في الاحتجاج السلمي للتعبير عن مظالمه المشروعة، وحثت جميع الأطراف على تجنب العنف أو تدمير الممتلكات، كما دعت حكومة البشير إلى الاستجابة للمظاهرات والتعامل وفقًا للقانون السوداني والدولي لحقوق الإنسان، وتجنب استخدام الذخيرة الحية على المحتجين والاحتجاز التعسفي والرقابة على وسائل الإعلام.

وفي المقابل كان الحضور العربي باهتًا، إذ قال حسام زكي الأمين العام المساعد للجامعة العربية أمس إن ما يحدث في السودان شأن داخلي، وأشار إلى أن الزيارة التي قام بها الرئيس السوداني عمر البشير إلى سوريا مؤخرًا تمت دون تنسيق مع الجامعة، ردًا منه على تساؤلات بشأن موقف الجامعة من تلك الاحتجاجات.

وكانت دول الترويكا الخاصة بالسودان (الولايات المتحدة والنرويج والمملكة المتحدة وكندا) والاتحاد الأوروبي قد أعربوا قبل يومين في بيانين منفصلين عن قلقهم إزاء المناوشات وأعمال العنف التي وقعت خلال الاحتجاجات، بما في ذلك "التقارير الموثوقة عن استخدام الذخيرة الحية من حكومة السودان ووقوع وفيات متعددة".

وعلى عكس التقديرات السابقة يبدو أن نيران الاحتجاجات الشعبية في السودان لن تخمد قريبًا، فما بين خطوات التصعيد ومواصلة الضغوط من جانب المحتجين والوعود الحكومية بالإصلاح يبقى الشارع السوداني مشتعلاً لحين إشعار آخر.