عرفت الساحة السياسية الجزائرية في الأشهر الأخيرة، ميلاد حركة جديدة مناهضة لمشروع العهدة الخامسة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة، حركة جمعت العديد من التيارات السياسية والشخصيات العامة للتصدي لترشح بوتفليقة مجددًا وبقائه في سدة الحكم بقصر المرادية، فما الذي نعرفه عن هذه الحركة؟

بداية الحملة

في الـ10 من شهر يونيو/حزيران من هذه السنة، أعلن سياسيون في الجزائر، إطلاق حركة جديدة تحت عنوان "مواطنة - ديموقراطية"، تهدف إلى تغيير منظومة الحكم في الجزائر من خلال فضاء للحوار والمبادرات العملية بين الجزائريين، وجاء إعلان تأسيس الحركة، بعد أيام قليلة من توجيه 14 شخصية سياسية ومدنية رسالة إلى الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة تدعوه فيها إلى عدم الترشح لولاية رئاسية خامسة العام المقبل، وأصبح هؤلاء الـ14 المشرفين على هذا التنظيم الجديد.

وتعتبر "مواطنة" إحدى المبادرات التي أطلقتها المعارضة الجزائرية في الأشهر القليلة الماضية للوقوف ضد الحزب الحاكم (جبهة التحرير الوطني) الذي ناشد بوتفليقة قيادة البلاد لولاية جديدة، رغم وضعه الصحي الذي تقول المعارضة إنه لا يسمح له بتسيير شؤون البلاد.

تمنع السلطات الجزائرية التظاهر في العاصمة منذ سنة 2001

من بين القائمين على هذه الحركة، رئيس الحكومة الأسبق أحمد بن بيتور الذي رفض الترشح لرئاسيات 2014 بعد أن قرر بوتفليقة خوض ذلك الاستحقاق، ورئيس حزب جيل جديد سفيان جيلالي، ورئيسة حزب الاتحاد من أجل التغيير والرقي زبيدة عسول، ورئيس الرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان صالح دبوز، والروائي محمد بولسهول المعروف باسم ياسمينة خضرا، وخبيرة القانون الدستوري فتيحة بن عبو، وأميرة بوراوي عضو حركة بركات (كفى) التي أسست في 2014 لمنع بوتفليقة من الترشح لعهدة رابعة.

وتهدف المبادرة وفق القائمين عليها، إلى المساهمة في التغيير الحقيقي والجاد الذي تحتاجه البلاد، من خلال تجنيد عدد أكبر من المواطنين لتغيير منظومة الحكم، وتحضير الظروف اللازمة بالطرق السلمية والهادئة لمرحلة انتقالية تحافظ على البلاد، معتبرين "الانتخابات الرئاسية المقررة في أبريل/نيسان 2019 أداة فرز لإعادة تشكيل موازين القوى الجديدة، التي سيكون لها تأثير على مستقبل البلاد".

علاقات متوترة مع النظام

شهران بعد التأسيس، بدأت التحركات الميدانية للحركة، حيث خرج عشرات المنتمين لها إلى الشارع للاحتجاج في أشهر ميدان في وسط العاصمة الجزائرية "ساحة الشهداء"، للتعبير عن رفضهم لترشيح بوتفليقة لولاية جديدة.

هذه الوقفة لم تمر مرور الكرام، حيث اقتِيد أغلبية المشاركين فيها إلى مركز الشرطة، حيث تمت مساءلتهم وحذف عدد كبير من الصور من هواتفهم، فضلاً عن تعنيف عدد منهم، بحجة عدم قانونية الوقفة الاحتجاجية، ذلك أنه يمنع تنظيم أي تظاهرات في شوارع العاصمة الجزائر.

مع منع التظاهر في العاصمة، قررت الحركة نقل تحركاتها إلى الجهات، غير أنها واجهت نفس المصير الأمني، منع واعتقالات في كل مرة ينوون الخروج فيها إلى الشارع، فمنذ سنة 2001 تمنع السلطات الجزائرية التظاهر في العاصمة، وذلك إثر مظاهرات نظمتها فعاليات أمازيغية في إطار ما يعرف بالجزائر "بالربيع الأمازيغي".

يمنع النظام الجزائري المظاهرات في العاصمة

أمام الخناق الكبير الذي تتعرض له الحركة وغيرها من الفعاليات الاحتجاجية داخل الجزائر من السلطات الحاكمة، قرر القائمون على "مواطنة" نقل مسلسلها الاحتجاجي إلى كبرى العواصم الأوروبية للخروج من العزلة المفروضة عليهم.

ونظمت الحركة تجمعات لها في كل من العاصمة الفرنسية باريس ومونتريال بكندا، ولندن، بعد أن فشلت في إيصال رسائلها السياسية إلى الشارع الجزائري خلال التجمعات التي نظمتها داخل البلاد، حيث تم إجهاض لقاءاتها الشعبية في كل من العاصمة وقسنطينة وبجاية، من طرف الأمن.

وتقول الحركة: "التحركات الميدانية لحركة مواطنة والاحتجاجات المطلبية للمواطنين، تصب كلها في خانة واحدة، وهي الصمود في وجه نظام يقمع الحريات ويرفض حق الجزائريين في الحفاظ على كرامتهم".

إصرار على قطع الطريق أمام بوتفليقة

تصر هذه الحركة منذ إعلان تأسيسها على قطع الطريق أمام الرئيس بوتفليقة، وتتهم السلطة الحاكمة بـ"توريط البلاد في أزمة معقدة ومتشابكة، حيث تتوسع رقعة الغضب الاجتماعي والتململ الشعبي، بسبب فشلها في توظيف عوامل البناء والنجاح، في إرساء قواعد نظام سياسي يؤمن بالتداول والديمقراطية والحريات والتكفل بالانشغالات اليومية وتحسين خدمات الإطار المعيشي للمواطنين الجزائريين".

وتحمّل حركة مواطنة النظام مسؤولية الوضعية الخطيرة التي وصلت إليها البلاد في مختلف الجبهات والقطاعات، وترى أن الإمعان في ممارسات القمع والرشوة والجهوية وشراء الذمم، هو الخطر الحقيقي الذي يهدد وحدة واستقرار البلاد، وليس المناضلين الذين يسعون لإنقاذ بلادهم من وطأة الأزمة الخانقة.

ومؤخرًا، نددت الحركة بكل الدعوات والأصوات الرامية إلى خرق الدستور والاعتداء على الشرعية القانونية بهدف البقاء في السلطة والحفاظ على المصالح الخاصة والامتيازات، مشيرة إلى أن خرق الدستور خطر على استقرار البلاد.

وفقًا للدستور الجزائري، فإنه لا يمكن أن تتأجل الانتخابات إلا عندما تكون البلاد في حالة حرب

ذكرت حركة مواطنة في بيان لها أول أمس الثلاثاء: "المخادعة التي تستعملها السلطة والأحزاب المؤيدة لها والمتمثلة في البحث عن الإجماع الوطني ما هي إلا حيلة لم تعد تنطلي على أحد لا سيما أن الدستور الساري المفعول تم تعديله من طرف الرئيس الحاليّ ثلاث مرات"، موضحة "فمن حيث المسؤولية السياسية والأخلاقية لا يمكنه أن يعتدي على دستور وضعه لنفسه على المقاس."

وبرزت في الفترة الأخيرة دعوات لتأجيل الانتخابات الرئاسية المقبلة، ومؤخرًا، طرح حزب "تجمع أمل الجزائر" أحد أحزاب الائتلاف الرئاسي الأربع، الذي يقوده وزير الأشغال العمومية الأسبق لعمار غول، فكرة تأجيل الانتخابات وعقد ندوة "وفاق وطني" تجمع كل القوى السياسية والمدنية نحو إجماع وطني على مرحلة يتم خلالها تمديد الولاية الرئاسية الحاليّة سنتين أخريين مع ترتيبات سياسية مصاحبة لما بعد انتهاء هذه المرحلة.

كما دعت حركة "البناء الوطني" التي يقودها عبد القادر بن قرينة، إلى حوار سياسي يشمل جميع المكونات السياسية دون إقصاء، يتوج بندوة وطنية، وأكدت الحركة أنها تثمن دعوات الحوار الوطني، ولن تخرج عن الإجماع الوطني والانحياز للمصالح الوطنية، والتوجه نحو المستقبل بتهيئة الظروف لانتقال آمن وسلس على المدى المتوسط.

ترفض الحركة مواصلة بوتفليقة حكم الجزائر

وفقًا للدستور الجزائري، فإنه لا يمكن أن تتأجل الانتخابات إلا عندما تكون البلاد في حالة حرب، وذلك بموجب المادة 110 من الدستور التي تتضمن وقف العمل بالدستور مدة حالة الحرب ويتولى رئيس الجمهورية جميع السلطات، وإذا انتهت المدة الرئاسية لرئيس الجمهورية تمدد وجوبًا حتى نهاية الحرب.

وتُسوق حركة مواطنة لنفسها على أنها "فضاء نقاش واقتراح لكل الذين يرفضون العهدة الخامسة والاستمرار في سياسة الهروب إلى الأمام، والبحث عن سبل تحقيق التغيير السلمي والمنشود للنظام القائم"، ويرى جزائريون، أن المنظومة الحاكمة حولت الانتخابات في البلاد سواء التشريعية أم الرئاسية إلى إجراء بيروقراطي لضمان استمرارية النظام وإعادة إنتاج نفسه.

رغم دخول الاستحقاق الرئاسي مرحلة العد التنازلي، حيث لم يتبق على موعده إلا أربعة أشهر، فإن الغموض ما زال يخيم على المستقبل السياسي للبلاد، في ظل صمت الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، والدلالات المبهمة حتى الآن بشأن أبعاد التغييرات العميقة التي مست هرم الحزب الحاكم والمؤسسة العسكرية.