أرسلت دولة قطر معدات عسكرية إلى جمهورية مالي، في خطوة قالت إنها ستساعد دول منطقة الساحل والصحراء الإفريقية على محاربة الإرهاب المنتشر هناك، لتلتحق بذلك بكل من الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، وينتقل التنافس الخليجي إلى هذه المنطقة التي تعتبر من أخطر المناطق الإستراتيجية في العالم.

سيارات عسكرية مصفحة إلى مالي

المساعدات العسكرية القطرية، تمثلت في 24 سيارة عسكرية مصفحة، حيث ذكرت وكالة الأنباء القطرية أن جناح النقل الجوي بالقوات الجوية الأميرية نقل شحنة من 24 سيارة عسكرية مصفحة (ناقلة جنود) على متن ثلاث طائرات عسكرية من طراز سي 17 من العاصمة القطرية الدوحة إلى العاصمة المالية باماكو.

وقال بيان صادر عن القوات المسلحة القطرية إن هذه المهمة تأتي في إطار الجهود القطرية لدعم عملية السلام وإرساء أسس الاستقرار في جمهورية مالي، وأضاف البيان "من شأن هذه الجهود تدعيم المساعي الدولية لمكافحة الإرهاب واستتباب الأمن ليس في جمهورية مالي وحدها بل في دول الساحل الإفريقي المعروفة باسم مجموعة الخمس".

وفي يوليو/تموز 2017، أعلن رؤساء دول الساحل والصحراء الخمسة (تشاد ومالي وموريتانيا وبوركينا فاسو والنيجر) إلى جانب رئيس فرنسا إيمانويل ماكرون، في ختام قمة عقدت في العاصمة المالية باماكو، تشكيل قوة عسكرية متعددة الجنسيات ستعمل إلى جانب بعثتي فرنسا والأمم المتحدة في حربها ضد الجماعات المسلحة في المنطقة.

تأمل السلطات الحاكمة بالعاصمة باماكو في تعزيز التعاون الاقتصادي والأمني مع الدوحة

وتولي قطر أهمية كبرى للقارة السمراء، حيث استقبلت الدوحة منتصف شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي اثنين من الرؤساء الأفارقة هما نانا أكوفو رئيس جمهورية غانا وبول كاغامي رئيس جمهورية رواندا، وقبلها أجرى أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني جولتين إفريقيتين في عام واحد، وشملت جولته الأولى ثلاث دول هي إثيوبيا وكينيا وجنوب إفريقيا، فيما امتدت الجولة الثانية إلى 6 دول بغرب القارة هي مالي وبوركينا فاسو وغينيا وغانا والسنغال وساحل العاج.

وخلال زيارته الأخيرة إلى مالي، تم توقيع اتفاقية بقيمة 40 مليون دولار بين حكومة مالي وصندوق قطر للتنمية لتمويل مشروع لدعم التعليم الأساسي، وذلك في إطار برنامج "علّم طفلاً" الذي هو مبادرة قامت بها سمو الشيخة موزا بنت ناصر، في عام 2012 بغية توفير فرص تعليم أساسي جيد لنحو 10 ملايين طفل في جميع أنحاء العالم.

وتأمل السلطات الحاكمة بالعاصمة باماكو في تعزيز التعاون الاقتصادي والأمني مع الدوحة، خاصة أن السلطات المالية تواجه مشاكل أمنية من الجماعات المسلحة في شمالي البلاد، وترجع بداية العلاقات الدبلوماسية بين البلدين إلى سنة 1977.

أهمية كبرى لمنطقة الساحل

لئن وجّهت هذه المساعدات العسكرية إلى مالي، فإن وجهتها الحقيقة هي دول منطقة الساحل والصحراء بهدف فك الحصار المفروض على الدوحة هناك، وتسعى قطر لتغيير مواقف دولة المنطقة من الأزمة الخليجية، خاصة أن موريتانيا كانت قد قطعت علاقتها الدبلوماسية معها، فيما أغلقت تشاد سفارة قطر في العاصمة إنجامينا، كما استدعت النيجر سفيرها من الدوحة.

وتعمل قطر على العودة إلى تلك المنطقة الإستراتيجية، وفك الحصار المفروض عليها هناك، حيث ما فتئت تقدم المساعدات الإنسانية لدول المنطقة لمساعدتها على التنمية والخروج من أزماتها الاقتصادية والاجتماعية المتكررة.

وتقدَّر مساحة إقليم الساحل الإفريقي بأكثر من عشرة ملايين كيلومتر مربع، 64% من هذه المساحة عبارة عن صحراء جرداء والـ30% البقية صالحة للزراعة، ويسكن الإقليم نحو مئة مليون إفريقي موزعين على قبائل وأعراق متعددة وبلغات مختلفة أهمها الفرنسية والعربية والأمازيغية والحسانية ولهجات إفريقية محلية كثيرة، كما يعتبر الإقليم أحد أفقر المناطق بالعالم رغم ما يمتلكه من ثروات طبيعية مهمة.

وتعتبر منطقة الساحل والصحراء منطقة محورية في العلاقات والتفاعلات بين إفريقيا الاستوائية وشمال إفريقيا، كما بين إفريقيا والمشرق العربي وحوض البحر الأبيض المتوسط، لذلك تأمل الدوحة في استثمار هذه المميزات لتعزيز مكانتها في القارة الإفريقية.

تنافس خليجي

هذه المساعدات العسكرية القطرية، تأتي بعد سنة من تقديم كل من الإمارات والسعودية لمساعدات مالية لدعم القوة العسكرية متعددة الجنسيات التي شكلتها فرنسا بمعية خمس دول إفريقية في منطقة الساحل والصحراء.

ففي ديسمبر/كانون الأول من السنة الماضي، أعلنت السعودية والإمارات، المساهمة بـ130 مليون يورو في قمة استضاف خلالها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قادة أوروبيين وأفارقة من أجل تعزيز القوة الإقليمية لدول الساحل والصحراء الإفريقية الخمس، بعد أن شكل التمويل عائقًا كبيرًا أمام تشكيلها وإطلاقها.

تسعى الدول الخليجية الثلاثة إلى المشاركة في الجهود الدولية للقضاء على الإرهاب ووقف انتشاره في هذه المنطقة

ويعتبر الدعم السعودي الإماراتي الأكبر لهذه القوة، فقد وعد الاتحاد الأوروبي بتقديم 50 مليون يورو، فيما وعدت فرنسا الدولة التي تشرف على تشكيل هذه القوة بتقديم 8 ملايين يورو فقط، وهي عبارة عن معدات، كما وعدت البلدان الخمسة المؤسسة لهذه القوة بتقديم 10 ملايينن يورو، أما الولايات المتحدة فوعدت البلدان الخمسة الأعضاء في مجموعة دول الساحل بمساعدة ثنائية شاملة تبلغ 60 مليون دولار، دون المرور على الصندوق المشترك.

وترى كل من قطر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة أن دعم دول الساحل عسكريًا وماليًا للتصدي للإرهاب والاتجار بالمخدرات والهجرة غير الشرعية استثمار جيد لا سيما أن الدول الغربية التي تعهدت بتقديم مساعدات إلى مجموعة دول الساحل الخمس لا تزال مقصرة في الإيفاء بالتزاماتها.

وفي شهر نوفمبر/تشرن الثاني الماضي، ذكرت منظمة الأمم المتحدة أنه تم الإيفاء بأقل من نصف المبالغ المالية التي التزمت بها الأسرة الدولية والمقدرة بـ415 مليون دولار لمساعدة مجموعة الساحل الإفريقي على تشكيل النواة الأساسية في القوة العسكرية التي تقرر إنشاؤها.

وتسعى الدول الخليجية الثلاثة إلى المشاركة في الجهود الدولية للقضاء على الإرهاب ووقف انتشاره في هذه المنطقة التي تعتبر واحدة من أبرز المناطق الجيوسياسية الدولية التي تشهد صراعًا داخليًا بين المجموعات الإرهابية من جهة ودول المنطقة والقوى الدولية من جهة أخرى.

ويرجع هذا الحرص أساسًا إلى أن الاتهامات موجهة إلى الأطراف الثلاث برعاية الإرهاب في المنطقة، فكلهم يسعى الآن إلى دحض تلك الاتهامات وتقويضها، غير أن المساعي السعودية والإماراتية كثيرًا ما تفشل كونها لا تصدق القول.

وكانت دول الساحل المشكّلة من كل من موريتانيا ومالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد قد قررت في قمتها الأولى المنعقدة في فبراير الماضي تأسيس قوة عسكرية مشتركة قوامها 5000 عنصر لاستعادة المبادرة الأمنية في المنطقة وملاحقة التنظيمات الجهادية والمسلحة، لكن بقيت مسألة توفير مبلغ 250 مليون دولار لتمويلها عائقًا أمامها.

تحتل منطقة الساحل، مكانة كبيرة لدى الدول حيث تتنافس العديد من الدول على بسط نفوذها في منطقة مهمة جغرافيًا وسياسيًا بصفتها ممرًا يتوسط دول جنوب الصحراء مع الشمال، وصولاً للبحر الأبيض المتوسط وأوروبا، مما يجعل المصالح الإستراتيجية لهذه الدول محل شد وجذب بينها.

التنافس بين الدول الثلاثة لا يقتصر على منطقة الساحل فقط بل يشمل كل إفريقيا، ومؤخرًا حرصت الدول الثلاثة على المشاركة بفعالية في قمة الاتحاد الإفريقي الـ30، فقد أرسلت المملكة العربية السعودية وزير خارجيتها عادل الجبير، فيما أوفدت قطر سلطان المريخي الذي يشغل منصب وزير الدولة بوزارة الخارجية للمشاركة في فعاليات القمة، بينما قادت وزيرة الدولة للتعاون الدولي ريم الهاشمي، وفد الإمارات.