ما تعانيه العملية السياسية من انسداد في الأفق، وتأخر بإكمال الكابينة الوزارية لحكومة عادل عبد المهدي، ليس بأمرٍ جديد ولا مستغرب، ذلك ما تؤمن به الطبقة السياسية الحالية على الأقل وتتعامل معه، مصداق ذلك ما جاء على لسان القيادي بتحالف الإصلاح "عدنان الزرفي" حينما قال: لا مشكلة هناك بتأخر اكتمال الحكومة، والأمور تمضي بشكل طبيعي، ووصف عدم اكتمال الحكومة بالشيء غير الغريب على العملية السياسية في العراق، وأضاف، حكومة المالكي تأخر تشكيلها ما يزيد على الثمانية أشهر، لكن الأمور مضت دون أشكال.

من هذا يتضح لنا مدى إصرار الأطراف المختلفة على تنفيذ ما تريده من هذه الحكومة، حتى لو أدى ذلك لتأخر اكتمال الحكومة الى أشهر عدة.

للدول الإقليمية دورها في ذلك

وليس خافيًا على أحد ما للدور الإقليمي من تأثير على المشهد السياسي العراقي بشكل عام، وتشكيل الحكومات بشكل خاص، وحكومة عادل عبد المهدي التي جاءت حلاً توافقيًا بين الكتل الشيعية المتنافسة، ليست استثناءً من ذلك، وهي الوليدة من بنات أفكار النظام الإيراني، كحل للحيلولة دون اقتتال الأطراف الشيعية للفوز والاستئثار بالحكم، كما وأرادت إيران علاوة على ذلك، قطع الطريق لرئاسة الوزراء على شخصيات تُعتبر مقربة للجانب الإقليمي الاخر المتمثل بالسعودية، بالإضافة إلى الولايات المتحدة الامريكية.

الامر الاخر الذي يحول دون التوافق على شخصيتين لوزارة الدفاع والداخلية، هو ان كل كتلة من الكتلتين النيابيتين المتنافستين، تحاول فرض رؤيتها، ورؤية من تمثله من الأطراف الخارجية على الاخر

وخلال الشهرين اللذين تليا تكليف عبد المهدي بتشكيل وزارته، تم التوافق وبطرقٍ عسيرة، على معظم الوزارات، ماعدا الوزارات الأمنية والسيادية التي لم يتم حسمها لحد الان، وهما وزارة الدفاع ووزارة الداخلية، لما لها من تأثيرٍ وثقلٍ أمنيَّن، ويُرجح ان أحد أهم الأسباب في عدم التوافق عليها، هو انعدام الثقة بين الأطراف الشيعية العراقية عليها، ناهيك عن انعدام الثقة بين الأطراف الخارجية ذات الثقل الكبير في الساحة العراق، وبالتالي فأن كل طرف يحاول وبكل جهده أن يكون المرشح لكلتا الوزارتين من الشخصيات المقربة لهما.

كسر الارادات تحول دون التوافق.

الامر الاخر الذي يحول دون التوافق على شخصيتين لوزارة الدفاع والداخلية، هو ان كل كتلة من الكتلتين النيابيتين المتنافستين، تحاول فرض رؤيتها، ورؤية من تمثله من الأطراف الخارجية على الاخر، وأن نجاح احداهما بذلك، يعني هذا ان العملية السياسية سوف تكون مرتهنة بذلك الطرف، وهذا ما لا يوافق عليه الطرف المنافس. كتلة البناء تعتبر إصرار كتلة الإصلاح بقيادة الصدر على رفض مرشحها "فالح الفياض" لوزارة الداخلية يمثل وصاية على العملية السياسية وكسرًا لإرادة كتلة البناء، بينما ترى كتلة الإصلاح ان إصرار البناء على مرشحها "الفياض" فيه كسر لإرادة كتلتهم الأكبر، والذي تتهمه بأن سيكون رجل إيران في وزارة الداخلية، وسوف يكون انتصارًا للأجندة الإيرانية بالعراق، وقد قالوها صراحة بأننا قرارنا عراقي، في كناية على ان قرار كتلة البناء، هو قرار إيراني، حتى وصل بهم الامر ان يقولوها بصراحة، ان كتلة البناء تدار من قبل إيران، وإن رفضهم لمرشحهم لوزارة الداخلية، هو رفضًا للنفوذ الإيراني في العراق.

ولا يخفى على المراقبين لما لهذا الخطاب من دغدغة لمشاعر العراقيين الساخطين على التدخل الإيراني السافر بالعراق. أما فيما يتعلق بمنصب وزير الدفاع الذي هو من حصة السنة كما جرت عليه العادة في ‏التوزيع الطائفي لهذه الحكومة، فأن التنافس عليه أيضا من قبل الكتل الشيعية، كون ان ‏السياسيين السنة منقسمين الان على انفسهم بين تلك الكتل الشيعية، والكتل الشيعية ‏هي من تقرر ما ستعطيه من وزارات للسنة الذين معهم. ناهيك عن عدم توافق السنّة ‏المنقسمين على انفسهم، على مرشح وحيد لمنصب وزير الدفاع.‏ وفي النهاية لا يمثل منصب وزير الدفاع منصبًا رفيعًا بالنظام السياسي المتبع في العراق، ذلك لان كل صلاحيات وزير الدفاع هي مصادرة من قبل رئاسة الوزراء على اعتباره القائد العام للقوات المسلحة، وما نصب وزير الدفاع إلا منصب فخري يهتم بالشؤون الإدارية للجيش العراقي فحسب.

أحد نقاط ضعف عادل عبد المهدي المهمة، هو إنه لا ينتمي لكتلة سياسية كبيرة تدافع عنه، أو يستمد منها قوته، كما كان يفعل سابقيه

الامر الاخر الذي يصب في تأخير اكمال الكابينة الوزارية، هو التنافس على ما تمتلكه كلتا الوزارتين من ميزانيات مالية ضخمة يستطيع من يفوز بها توفير مبالغ مبالغة ضخمة لحزبه وكتلته، ناتجة عن عمليات الفساد، والحقيقة ان هذا السبب كان أهم الأسباب التي تم حسم مناصب باقي الوزارات الاخرى، ذلك لان لسان حال السياسيين في العراق هو إن " الفساد يوحدنا"، بمعنى ان المغانم التي يحصلون عليها من تلك المناصب هي أساس التوافقات السياسية، وليس خدمة الوطن والمواطن هي من توحد السياسيين.

عادل عبد المهدي جاء نتيجة توافق لكتل متخاصمة بالأساس.

أحد نقاط ضعف عادل عبد المهدي المهمة، هو إنه لا ينتمي لكتلة سياسية كبيرة تدافع عنه، أو يستمد منها قوته، كما كان يفعل سابقيه، فتجده مضطرًا لإرضاء الكتل التي رشحته، لكن ما يزيد الامر صعوبة، هو ان تلك الكتل التي رشحته مختلفة بالأساس فيما بينها، ولم تتفق فيما بينها، إلا على ترشيح عادل عبد المهدي صاحب الشخصية الضعيفة، وكل كتلة تحاول ان تستغل هذا الضعف لتمرير ما تراه في مصلحتها، ويعني هذا ان "عبد المهدي" حتى لو نجح بإكمال كابيته الوزارية، إلا إنه سيقود حكومة هي من أضعف الحكومات التي شهدها العراق من بعد الاحتلال عام 2003، هذا الضعف سيجعلها غير قادرة على تقديم أي خدمة لصالح المواطن المستفز أصلا من كل الحكومات السابقة والحالية، ومر عليه زمن وهو يخرج بتظاهرات ضد تردي الخدمات العامة.

ومن ثم فأن سقوط هذه الحكومة عبر تقديم عبد المهدي استقالته أو حجب الثقة عنه داخل البرلمان، هو من الاحتمالات الواردة جداً خلال الاشهر القليلة القادمة. وإذا ما حدث ذلك فأن المشهد العراقي سوف يعود الى المربع الأول لبدأ الحوار فيه حول الكتل الأكبر، هذا الحديث الذي لم يستطيع السياسيين العراقيين حسمه ولن يستطيعوا وإن أرادوا ذلك، بل من المرجح ان الخوض في هذه المسألة مرة ثانية ربما سيؤدي الى تصادم حقيقي بين تلك الأطراف المتنافسة. ما يزيد من احتمالية هذا الامر هو اشتداد حدة التنافس الإيراني الأمريكي على المنطقة، واقتراب الولايات المتحدة الامريكية من اصدار قرارات جديدة لتصنيف جميع المليشيات العراقية ذات الولاء الإيراني كمنظمات إرهابية.

أمريكا تصعّد وإيران تهدد

يرى مراقبين بأن هذه الخطوات التصعيدية الامريكية ربما هي تمهيد لضرب تلك المليشيات، اذا ما بدأت المواجهة بين الطرفين الشيعيين في العراق، وستدعم الحكومة الامريكية حكومة طوارئ نابعة من التيار الصدري ومن يلتف حوله للتصدي للأدوات الإيرانية في العراق، وخير دليل على ذلك، هو الإهانة التي وجهها ترامب في زيارته لوحدات أمريكية مقاتلة في العراق دون أخذ الاذن من قيادة العراق السياسية، ولم يلتقي بأي مسؤول حكومي عراقي بتاتًا، بل طلب من رئيس الوزراء العراقي القدوم إليه لملاقاته في القاعدة الامريكية "عين الأسد" الموجودة في محافظة الانبار غرب العراق. وهذا يحمل رسالتين من الولايات المتحدة الامريكية، أحداها لإيران وتفيد، بأننا موجودين بالعراق وقادرين على محاربتكم بالعراق ولن تستطيعوا اخراجنا منه، والرسالة الثانية للحكومة العراقية ذات التوجه الإيراني وللمليشيات العراقية ذات الصبغة الإيرانية، مفادها إننا لا نحترم حكومتكم ما دام ولائها إيراني، ولا نعترف بسيادة هذه الحكومة على الأراضي العراقية.