مسجد الحسين بوسط القاهرة

في هذا التوقيت من كل عام، وبينما يتفنن العالم في طرق الاحتفال بأعياد رأس السنة، تكون القاهرة على موعد آخر من الاحتفالات، حيث تتحول على مدار أسبوع كامل من 25 من ديسمبر وحتى 1 من يناير إلى بستان يانع من الأحبال النورانية التي تزين السماء بخيوطها المشرقة صباحًا ومساءً، فيما تفترش الأرض بالأهازيج والأغاني التراثية.

وطيلة ما يقرب من 168 ساعة يصبح مسجد الحسين بمنطقة الأزهر بوسط القاهرة قبلة للمريدين من شتى بقاع المحروسة، هذا بخلاف الأفواج القادمة من الدول العربية والأجنبية، إحياءً لمولد حفيد النبي صلى الله عليه وسلم، الإمام الحسين رضي الله عنه، حينها يعزف الفن أوتاره الخالدة على أنغام التصوف العابرة للقلوب فتهتز العاصمة عن بكرة أبيها فرحًا وطربًا وعشقًا في بلاط صاحب المقام الرفيع.

ورغم صعوبة الأجواء والبرد القارس الذي ألزم الكثيرين منازلهم إلا أن مريدي الحسين وأحبابه لا يحول بينهم وبين إحياء مولد سيدهم أي عائق، فخرجوا كالأمواج من كل حدب وصوب يستقبلون مقامه، مرددين الأشعار والأهازيج التي تعيد عبق الزمن الجميل فتشعر الجميع بالدفء.

مرتان في العام

على عكس المعمول به في معظم دول العالم الإسلامي يحتفل المصريون من أبناء الطرق الصوفية وغيرهم من محبي آل البيت بمولد الإمام الحسين مرتين في العام، الأولى في ربيع الثاني، وتبدأ هذا العام من 25 من ديسمبر/كانون الأول وتنتهي بالليلة الكبيرة في الأول من يناير/كانون الثاني، بينما المرة الأخرى في الثالث من شعبان، علمًا بأن تاريخ استشهاده رضي الله عنه كان في العاشر من محرم لسنة 61 للهجرة في العراق.

بني مسجد الحسين الذي يقع في منطقة مصر القديمة بوسط العاصمة، في عهد الفاطميين سنة 549 هجرية الموافق لسنة 1154 ميلادية تحت إشراف الوزير الصالح طلائع، ويضم المسجد 3 أبواب مبنية بالرخام الأبيض تطل على خان الخليلي، وبابًا آخر بجوار القبة ويعرف بالباب الأخضر.

ذهبت رواية محلية مصرية أخرى غير موثقة بأن رأس الإمام  جاء مع زوجته عنهشاه زنان بنت يزدجرد الملقبة في مصر بأم الغلام التي فرت من كربلاء على فرس

أدبيات الصوفية تزعم بوجود رأس الإمام الحسين مدفونًا بالمسجد، إذ تحكي بعض الروايات أنه مع بداية الحروب الصليبية خاف حاكم مصر الخليفة الفاطمي على الرأس الشريف من الأذى الذي قد يلحق بها في مكانها الأول في مدينة عسقلان بفلسطين، فأرسل يطلب قدوم الرأس إلى مصر وحمله ودفن في مكانه الحاليّ وأقيم المسجد عليه.

هذه الرواية تطابقت مع ما ذكره أستاذ الدراسات الفاطمية في جامعة القاهرة أيمن فؤاد سيد في كتابه "الدولة الفاطمية في مصر" استنادًا إلى منهج البحث العلمي إذ يقول: "ولكن أهم مشهد أضافه الفاطميون إلى الطبوغرافية الدينية للقاهرة هو المشهد الحسيني، حيث نقل الفاطميون في سنة 548 هجرية رأس الحسين بن علي بن أبي طالب طالب، التي كانت مدفونة في عسقلان خوفًا عليها من الفرنج ودفنوها داخل القصر الفاطمي في قبة الديلم التي يؤدي إليها باب الديلم، باب القصر الفاطمي الكبير الجنوبي".

فيما ذهبت رواية محلية مصرية أخرى غير موثقة بأن رأس الإمام جاء مع زوجته عنهشاه زنان بنت يزدجرد الملقبة في مصر بأم الغلام التي فرت من كربلاء على فرس، ثم دفنت في المكان الذي أقيم عليه المسجد وتم وضعها في مقام خاص به، وهو المقام الذي يستقبله المريدون صباحًا ومساءً.

ضريح الإمام الحسين

بداية الاحتفال

تنطلق فعاليات الاحتفال بالمولد قبل الموعد المحدد بعدة أيام، حيث تنصب الخيمة الرئيسية الكبرى أمام الباب الأخضر، أكبر أبواب المسجد، المغطى بأقبية تشبه التي في المسجد النبوي الشريف بالمدينة المنورة، تخصص هذه الخيمة لجميع الطرق الصوفية، حيث تتخذ كل طريقة مكانًا خاصًا بها بداخلها استعدادًا لإحياء المولد، ويكون هذا كله تحت إشراف وزارة الأوقاف ومحافظة القاهرة بخلاف الرقابة والتشديد الأمني خاصة أن هذه المنطقة من أكثر المناطق اكتظاظًا بالسائحين الأجانب.

رسميًا.. تبدأ فعاليات المولد من بعد عصر اليوم الأول، 25 من ديسمبر هذا العام، من خلال موكب كبير يضم عددًا من الطرق الصوفية رافعين عشرات الأعلام مرددين الأهازيج والأشعار، ينطلق من مسجد الشيخ صالح الجعفري بمنطقة الدراسة وصولاً إلى المشهد الحسيني، في مشهد يدفع سكان المناطق المارة من بينها الموكب إلى الخروج والمشاركة وسط تعالي أصوات الزغاريد من شرفات المنازل التي تطل على مسار الموكب.

يشارك في هذا الموكب الفخم عشرات الطرق الصوفية، كل طريقة ترفع علمها وشعارها وترتدي زيها الخاص الذي يميزها عن غيرها، إيذانًا منها بمشاركتها في الاحتفالات ودعوة لمريديها بالاتباع، حيث يتحول الموكب فضلاً عن بقية الفعاليات إلى ساحة تنافس بين تلك الطرق.

انطلاق الموكب إلى مسجد الحسين

تصوف وترفيه

مع حلول الليلة الكبيرة وهي الليلة السابعة في الاحتفالات لم يكن هناك موطئ لقدم في منطقة الحسين وأجوارها، الدراسة ومصر القديمة والأزهر، حيث تغطي الجموع المشاركة في الاحتفال الأرض عن بكرة أبيها فلا تكاد تقع عيناك على التراب أبدًا من كثرة الازدحام.

المسجد والمساجد المجاورة له تزدان بالأنوار المضيئة المبهجة، لا سيما اللون الأخضر، وتتحول الخيمة الكبيرة إلى سوق عكاظ آخر بين المنشدين، فيما تتمايل الأجساد يمينًا ويسارًا، ذكرًا وتهليلاً، في تناسق وتنظيم يفوق الليالي الأوبرالية، وتفترش الأرض بالمأكولات والمشروبات.

بعيدًا عن الأهداف والدوافع وراء الاعتراف بالصوفية، سواء كانت سياسية أم مجتمعية، غير أن موالدهم، الحسين والسيدة نفيسة والسيد البدوي، وغيرها، الوحيدة التي تكون برعاية وزارتي الأوقاف والداخلية، وتبث عبر أجهزة الإعلام الرسمية

وفي المقابل يتحول المسجد من الداخل إلى أعمدة لإلقاء دروس الوعظ والإرشاد من مشايخ الأزهر والصوفية يحيط بهم المصلون وطلاب الأزهر من المصرين والوافدين من الدول الإسلامية على رأسها الدول الآسيوية التي تشارك في الاحتفالات بصورة كبيرة، فضلاً عن حلقات الذكر والمدح التي تعقد بين جنبات المسجد وأطرافه.

لم يكن التهليل والتصوف والعبادة هو المظهر الاحتفالي الوحيد لإحياء مولد الحسين، إذ تشهد شوارع المعز وخان الخليلى ازدحامًا كبيرًا من الزائرين بغرض التسوق بالمنتجات اليدوية والإكسسوارات والتحف الفرعونية والنحاسية، هذا بخلاف الرواج الكبير الذي تشهده المنتجات النسيجية البدوية والتركية في مثل تلك الأيام في ظل تدفق السائحين الباحثين عن التراث المصري والإسلامي في هذه المنطقة وسط تلك الأجواء الاحتفالية الهائلة.

من أجواء الاحتفال

تراشق الصوفية والسلفية

الاحتفال بمولد الحسين كل عام بات مناسبة سنوية ثابتة للتراشق بين الصوفية والسلفية، حيث يشن الأخير هجومهم السنوي على مثل هذه الاحتفالات التي يرونها مخالفة للشرع وبدعة تفتح الباب أمام وجود وتوغل الشيعة في المجتمع المصري، وصل حد هجوم البعض إلى المطالبة بإزالة ضريح الحسين وهو ما أثار ضجة وقتها.

وعلى مدار السنوات الماضية كان السلفيون يحرصون على الحضور في منطقة الحسين للتحذير من هذه البدع ويعقدون الندوات والحلقات التي تشكك في مسألة دفن حفيد النبي في هذا المقام، كما يحذرون من تأثير هذه البدع على عقيدة المسلمين خاصة أن بعض الهتافات والدعوات المقدمة للحسين تحمل صيغ الشرك على حد قولهم، كـ"مدد يا حسين.. أشف لي ولدي" وهكذا.

"عدد المشاركين في الليلة الكبيرة يتجاوز مليوني مشارك، ليس كلهم من الصوفيين، أتوا جميعًا لأجل التنعم ببركات صاحب المقام" أحمد القصبي، من مشايخ الصوفية

غير أنه هذا العام وخلال جولة لـ"نون بوست" خلت ساحة المسجد من السلفيين في مشهد عززه البعض إلى القلق من المضايقات الأمنية خاصة أن الاحتفال يأتي تحت عين وبصر أجهزة الدولة الرسمية، هذا بخلاف أن الصوفية هي الطريقة الوحيدة المعترف بها من السلطات.

وبعيدًا عن الأهداف والدوافع وراء الاعتراف بالصوفية، سواء كانت سياسية أم مجتمعية، غير أن موالدهم، الحسين والسيدة نفيسة والسيد البدوي وغيرها، الوحيدة التي تكون برعاية وزارتي الأوقاف والداخلية، وتبث عبر أجهزة الإعلام الرسمية، هذا في الوقت الذي بات فيه السلفيون من المغضوب عليهم رغم ما يقدمه البعض من تنازلات قربانًا للنظام على رأسهم حزب النور.

موسم للتسوق وبيع الحلوى والأطعمة

متنفس للروح

يحرص عدد ليس بالقليل من المصريين على حضور مثل هذه الاحتفالات كونها متنفس للروح وغسيل لها من غبار العام كله، وهذا ما يؤكد عليه الشيخ أحمد القصبي، من مشايخ الصوفية بمحافظة الشرقية "شرق القاهرة" الذي أشار إلى أنه خلال أيام الاحتفال بمولد الحسين تتحول المنطقة ومحيطها إلى ساحة للاستشفاء والتداوي بذكر الله ورسوله وآل بيت النبي.

القصبي لـ"نون بوست" كشف أن عدد المشاركين في الليلة الكبيرة سواء في منطقة المسجد أو المناطق المجاورة له يتجاوز مليوني مشارك، ليس كلهم من الصوفيين، أتوا جميعًا لأجل التنعم ببركات صاحب المقام، لافتًا إلى أن كل من شارك في هذه الاحتفالات لن يعود إلى بيته إلا مجبور الخاطر، على حد قوله.

"مستحيل أن يمر عام دون أن أشارك في احتفالية ابن بنت النبي، ففيها أشعر براحة نفسية غير مسبوقة، وهدوء أعصاب كبير، وحين أعود إلى بيتي صباح اليوم التالي من الليلة الكبيرة أشعر وكأن روحي قد غسلت من الداخل"، بهذه الكلمات استهل شريف عبود، تاجر سيارات، حديثه معلقًا على مشاركته في الاحتفالات.

عبود لـ"نون بوست" كشف أنه وعائلته كل عام يعدون العدة من زاد وطعام وشراب وحلوى وزينة، ثم يذهبون إلى ساحة مسجد الحسين ويقيمون هناك 5 أيام على أقل تقدير، ويتابع "بعيدًا عن الجدل بشأن جواز الاحتفال من عدمه فأنا أشعر براحة كبيرة حين أشارك، ولن أتوقف عن الحضور حتى أموت".

وهكذا تتحول منطقة الحسين في هذا الوقت من كل عام إلى قبلة لما يقرب من 70 طريقة صوفية، فضلاً عن مئات الآلاف من المريدين، وبصرف النظر عن التراشق بين الصوفية والسلفية بشأن حكم مثل هذه الاحتفالات، إلا أن القاهرة في هذا الأيام تتحول إلى لوحة فنية مبهجة، وانشودة تراثية يتمايل لطربها القاص والدان.