لقد كان عام التشتت على الصعيد الداخلي والخارجي فلسطينيًا، فكل الأطراف الفلسطينية (فتح وحماس والجهاد الإسلامي والسلطة) تتحمل المسؤولية لما حصل، لو كان الفلسطينيون موحدين لقلّ الضرر مؤكدًا، لكنهم متفرقون، وهنا سياق لأهم الأحداث في العام الغابر 2018 وتداعياتها.

نقل السفارة الأمريكية للقدس


افتتاح السفارة الأمريكية في القدس

جاء بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 6 من ديسمبر2017 إلا أن نقل السفارة كان في 15 من مايو 2018، وبين هذين التاريخين انكشف الضعف الفلسطيني بشكل كامل، أوله أن الولايات المتحدة الأمريكية المتحكم الأساسي في تفاصيل القضية الفلسطينية وتفعل ما يبدو لها دون أي اعتبارات للمجتمع الدولي، ثانيها أن الجميع - أي المجتمع العربي والدولي - كان ينتظر موقفًا موحدًا من الفلسطينيين إلا أنهم كانوا يغنون بمفردهم ودفاعًا عن أحزابهم.

وفي نهاية المطاف لم يتخذ العرب ولا المجتمع الدولي أي موقف مضاد للقضية الأهم (فلسطين) سوى رفض القرارات الصادرة عن ترامب في الأمم المتحدة أو في جامعة الدول العربية، ولم يستطع جميع الأطراف تغيير الوضع الراهن.

مسيرات العودة


بدأت كحراك شبابي منذ ذكرى يوم الأرض في 30 من مارس 2018 ووصل ذروته في ذكرى النكبة وتزامن مع موعد نقل السفارة الأمريكية للقدس في 15 من مايو 2018، ويستمر الحراك حتى اللحظة، لكنه لم يؤت أي نتائج ملموسة على أرض الواقع، سوى تحسينات طفيفة والسبب أولًا الانقسام الفلسطيني، وعدم وجود قرار فلسطيني موحد يجعل المسيرات تتصل بين الضفة وغزة، وثانيها سيطرة حماس على المسيرات ثم التحاق الفصائل بها، ضمن أيديولوجيتها في ظروف المنطقة العربية التي تجعل من الدول تتفرغ لمشاكلها الخاصة مع معركة الوعي التي يقودها الاحتلال الإسرائيلي ضد الوعي الجمعي بالقضية الفلسطينية من الشعوب العربية.

وقف تمويل الأونروا


تسبب وقف التمويل الأمريكي للأونروا في توقف عدد من خدماتها

خطورة القرار الذي اتخذته إدارة ترامب في مطلع سبتمبر 2018 الذي يوقف ثلث تمويل الأونروا باعتبار الولايات المتحدة الأمريكية أكبر داعم لها عالميًا، ليس فقط من الناحية المالية بل من الناحية السياسية لنفي صفة اللجوء على كل من ولد خارج فلسطين، ورفض تعويض سوى الذين هاجروا أول النكبة، واتهام الأونروا بالفساد لحلها أو إعادة هيكلتها كما تفعل أمريكا في كل شيء لا يعجبها، فتفككه وتعيد ترتيبه على طريقتها الخاصة وإلى الآن لم تستطع ترتيب شيء لا في أفغانستان ولا العراق ولا سوريا ولا اليمن.

عانى النظام السياسي الفلسطيني تشرذمًا كبيرًا، وفتت أي فرص لوحدة القرار السياسي أو المؤسسة الفلسطينية

الأونروا تعتبر المانح الأكبر للفلسطينيين، كذلك الحاضنة القانونية لهم وفق قرارات الأمم المتحدة، ويعني وقف تمويلها أمريكيًا والمطالبة بحلها، تصفية قضية اللاجئين (القضية الثانية من قضايا الحل النهائي بعد القدس)، وقد كشفت هذه الخطوة ضعف السلطة الفلسطينية ماليًا من ناحية والفصائل التي تحكم غزة من ناحية ثانية، ورغم أن السعودية وقطر أنقذتا عجز الأونروا، كادت أن تحصل كارثة اجتماعية في الضفة وغزة، وخصوصًا الأخيرة التي تعاني من بطالة مرتفعة تجاوزت 68%.

غياب النظام السياسي الفلسطيني

جلسة المجلس التشريعي الفلسطيني

لقد عانى النظام السياسي الفلسطيني تشرذمًا كبيرًا، وفتت أي فرص لوحدة القرار السياسي أو المؤسسة الفلسطينية، فقد غابت الفصائل وأكثر من ثلثي أعضاء المجلس التشريعي عن انتخابات مايو 2018 للمجلس الوطني (أكبر مؤسسة شرعية فلسطينية)، وكذلك لم يكن لهم أي دور جديد في المجلس  المركزي لاحقًا، إلى أن وصل الحال وقبل نهاية العام 2018 بتسعة أيام لقرار الرئيس الفلسطيني محمود عباس بحل المجلس التشريعي الفلسطيني.

عام الأوضاع الاقتصادية الصعبة


تحدثنا طيلة العام في "نون بوست" بمقالات مختلفة عن الأوضاع الاقتصادية الصعبة، فتناولنا في جزء منها قطاع غزة والجزء الآخر الضفة الغربية وأهالي القدس خصوصًا، ولم يمر على الفلسطينيين منذ نكبتهم حال اقتصادي أسوأ من مؤشرات العام 2018، فإضافة أيضًا لنسب البطالة والفقر المرتفعة في الضفة وغزة إلا أن الاقتصاد الفلسطيني بقي حبيس الحواجز الإسرائيلية والحصار، فنسب الصادرات لم تتجاوز الحد المطلوب للعيش بكرامة، وظل الفلسطينيون يعتمدون على المساعدات سواء المباشرة عبر الدول الصديقة أم الداعمة لإيديولجيات الفصائل أو غير المباشرة عبر الأمم المتحدة، وكانت نكسة 2018 الاقتصادية نتاج اقتصاد فلسطيني مدمر غير قادر على الاعتماد على ذاته.

عام هجرة الشباب

 لا توجد إحصاءات دقيقة عن الهجرة، لكن في فحص سريع لكشوف المسافرين عبر معبر رفح خلال عام 2018 وكذلك استنادًا لتقارير ومقابلات صحفية مع كثير من الشباب في الضفة الغربية فإن أكثر  المسافرين من الشباب لضيق الأفق الاقتصادي والسياسي في فلسطين، إضافة إلى أن ثلثي الشباب يفكرون بالهجرة، وخطورة الأمر أنها تشبه هجرة ناعمة أو نكبة جديدة ناعمة غاب عنها المستوى الرسمي السياسي وحتى الفصائل الفلسطينية، وقد لوحظ هجرة العديد من قيادات الفصائل والسلطة للعيش في الخارج دون الرغبة بالعودة للوطن.

الانقسام الفلسطيني


الانقسام النتاج الأسوأ لعام 2018، عام القطيعة والتفسخ فلسطينيًا، لقد وصل الانقسام الفلسطيني إلى أعماق الفلسطينيين، وتدخل في حياتهم الخاصة وأمورهم المالية، فمنهم من يتقاضى راتبه من حماس التي مرت بأصعب أزمة مالية في تاريخها خلال العام المنصرم ولم توف بحق موظفيها إلا ما نسبته ٤٠%، إضافة لخصومات من السلطة الفلسطينية على موظفيها، وكذلك موظفي وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الأونروا، وانعكس الانقسام في مصادر الدخل المالية وشحها وترشيحها والتضييق عليها على الواقع الاجتماعي للناس.

في النهاية زادت القطيعة بين حماس وفتح، ووصلت إلى طريق مسدود تمامًا ولم تنجح مصر ولا العرب ولا حتى الأطراف الدولية في تحقيق المصالحة الفلسطينية، نتيجة تعنت الطرفين بشكل أساسي؛ حماس التي ترفض التسليم وفتح التي ترفض المشاركة في الضفة، وكان المتضرر الأكبر من هذا الانقسام هو المواطن المسكين الملاحق في حياته.

ظل المواطن الفلسطيني هو الذي يعاني، لكن أكبر الأزمات التي تهدد الفلسطينيين مستقبلًا هي الانقسام السياسي والاقتصادي والجغرافي الفلسطيني

لقد مثل الانقسام الذي وصل ذروته في العام المنصرم أزمة وجود تهدد الفلسطينيين في كل مكان، فقد اختلفت المواقف والبرامج، واستطاعت أمريكا والاحتلال وكل أعداء الفلسطينيين اللعب على وتر الانقسام لكسب تنازلات سياسية من الفلسطينيين.

ختامًا… لقد أثبت الجميع الفلسطيني الرسمي فقدهم القدرة على تحسين حال الفلسطينيين سياسيًا واقتصاديًا، في حين ظل المواطن الفلسطيني هو الذي يعاني، لكن أكبر الأزمات التي تهدد الفلسطينيين مستقبلًا هي الانقسام السياسي والاقتصادي والجغرافي الفلسطيني، والإشكالية الأكبر أن جميع الأطراف الفلسطينية تراهن على الزمن وهو رهان المواطن الغلبان لتغيير الظروف، فالسلطة تراهن على انتهاء فترة ترامب، وحماس تراهن على رحيل الرئيس عباس وفي كلتا الحالتين رهان الوقت هو رهان العاجزين، ولو توحد الفلسطينيون لما تراكمت أزماتهم في انتظار انشطارها لأزمات جديدة عام 2019.