( لا يحتوي على حرق للأحداث)

تخيل أنك شخص ثمانيني تعيش في عصر ما قبل التكنولوجيا وأقصى تقدم في عصرك هو التلفاز وألعاب الفيديو البدائية، وليست المطورة التي نستخدمها اليوم، هل كنت تتوقع أنه سيأتي اليوم الذي تمسك بيديك هاتفًا به إنترنت وتشاهد أخبار العالم كله من حولك بسهولة أو أن تتحدث إلى شخص ما في دولة بعيدة عنك كل البعد؟ لا أعتقد أنك تتوقع هذا لو كنت شخصًا ثمانينيًا.

أما في عصر الثورة الرقمية والإبداع التكنولوجي هل تتوقع أن تشاهد فيلمًا تختار أنت نهايته وتشكل أحداثه وفق رغباتك ودرجة مرضك النفسي؟ هذا ما فعلته نتفليكس بالفعل وأشعل ضجة بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي.

في حلقة مسلسل بلاك ميرور Black Mirror الأخيرة، قدمت نتفليكس لنا حلقة مميزة ومختلفة من إنتاجها، وأصبحت حديث مواقع التواصل الاجتماعي في اليومين الماضيين، وهذا ما دفعني لأشاهدها، رغم أنني لم أتابع المسلسل من قبل، فإن ما شاهدته هو حلقه من مسلسل يمكننا أن نطلق عليها اسم فيلم، لما بها من تغيير واختلاف عن باقي حلقات المسلسل في طريقة التقديم والعرض واستقلالها التام في الأحداث والحبكة.

كل من لم يشاهدوا المسلسل يتساءلون هل يمكننا أن نشاهد الحلقة دون متابعة باقي المسلسل؟ الإجابة نعم، حيث تأتي كل حلقة من حلقات المسلسل بقصة مختلفة وحبكة متنوعة ولا علاقة لأي حلقة بالأخرى، لهذا فلا مشكلة في أن تشاهد الحلقة منفردة كما فعلت أنا.

عما تدور حلقة بلاك ميرور الأخيرة


تتحدث قصة الفيلم أو حلقة المسلسل التي تدور في حقبة الثمانينات عن مبرمج ألعاب فيديو يمسك كتابًا لمبرمج مشهور ويحاول أن يقتبس من أفكاره تطبيقات حقيقية على اللعبة التي يبرمجها، قصة الفيلم عادية من حيث المحتوى وليست أقوى حلقات بلاك ميرور كما قال الكثيرون، ولكن طريقة العرض التفاعلية هي التي جعلت العمل غير عادي ويستحق الإشادة، وهي أن نتفليكس جعلت المشاهد من يختار الأحداث، فداخل الفيلم تجد بعض الخيارات وأمامك 10 ثواني فقط لتختار، ويمكنك كذلك ألا تختار أي شيء وسيختار نتفليكس بدلًا منك ويكرر عرض المشهد ثانية ليجعلك تختار بنفسك ما الذي تريده أو إن رغبت في أن تعيد المشهد وتغير اختيارك.

المثير للجدل والعجب أن الحلقة لها أكثر من سيناريو ونهاية بالفعل يتحدد طبق اختياراتك، ويقول البعض إن اختياراتك يمكن أن تحدد مدى الشر الموجود بشخصيتك، فيمكنك أن تختار نهاية معينة تتناسب مع مدى تحملك ورغبتك، وهذا ما يحدث لأول مرة وبشكل استثنائي في هذا الفيلم.

قبل أن تشاهد الحلقة

يجب أن يعرف كل من يريد مشاهدة الحلقة الأخيرة من المسلسل أن الحلقة مقتصرة فقط على مستخدمي نتفليكس أي أنه يجب أن يكون لديك اشتراك في خدمة نتفليكس حتى تتمكن من المشاهدة واختبار الطريقة التفاعلية بنفسك، ولكن تمكنت بعض المواقع من تسريب الحلقة الأخيرة على الإنترنت دون تفاعل أي أنك ستراها كفيلم عادي يتحكم به من يشاهده فقط.

لم يكن أول فيلم في السينما يتم تقديمه بهذه الطريقة التفاعلية، ولكن هناك أفلام متعددة من إنتاج شركات أخرى لم تحظ بالاهتمام نفسه الذي قدمته نتفليكس

الشيء الثاني أنك عندما تبدأ بالمشاهدة لن تجد شريط الوقت الموجود في كل الأفلام أمامك، وهذه حلقة استثنائية، لأن طريقة النهاية التي تختارها هي التي ستحدد وقت الحلقة التي ستشاهدها، كتبت نتفليكس أن مدة الحلقة هي ساعة ونصف، ولكن تقول الكثير من التقارير إن من سيشاهد كل نهايات الفيلم فإنه ممتد لخمس ساعات، لهذا لا يمكنك تحديد مدة للفيلم، فكل ذلك يتوقف على اختياراتك ونهاياتك المفضلة.

ما المميز فيما قدمته نتفليكس؟

لم يكن أول فيلم في السينما يتم تقديمه بهذه الطريقة التفاعلية، ولكن هناك أفلام متعددة من إنتاج شركات أخرى لم تحظ بالاهتمام نفسه الذي قدمته نتفليكس، كما قدمت نتفليكس الطريقة نفسها من قبل مع بعض أفلام الأطفال والطريقة كانت مناسبة للأطفال وطبيعتهم لرغبة نتفليكس في تشبيه الفيلم بألعاب الفيديو إلى حد ما، ولكن هنا الشركة تقدم الطريقة الجديدة على واحد من أقوى مسلسلاتها من حيث المشاهدة وقد نجحت في جعل المشاهدين يحكون ويتحاكون بالحلقة وما قدمته، وقد تخطى إعلان الحلقة على اليوتيوب إلى 2.7 مليون مشاهدة في ثلاثة أيام فقط.

تريلر المسلسل

من الأشياء المميزة التي وجدت في الفيلم، حبكة الفيلم وطريقة تصميم المبرمج للعبة التي تشابه طريقة الفيلم نفسها، فالبطل يريد أن يخلق مسارات مختلفة داخل لعبة الفيديو التي يبرمجها، وهذا ما نحاول فعله نحن المشاهدين أيضًا فنحن نحاول أن نتخذ مسارات من اختياراتنا ونتحكم في قرارات البطل واختياراته بإرادتنا، وللحظات شعرت وأنا اشاهد الفيلم بأن البطل يعاني بسببي بالفعل ويشعر بالحيرة لوجود شخص يتحكم في حياته ويريد أن يتحدث إليّ ولهذا فإنها أول مرة نجد فيلمًا يتحدث فيه البطل إلى مشاهد بشكل مباشر.

هل نجحت نتفليكس في تقديم ما تريد؟

اختارت نتفليكس حلقة محددة من مسلسل بلاك ميرور لتحدد عليها الطريقة التفاعلية التي ستقدمها للجمهور، وجاءت الخيارات التي تقدمها للجمهور متنوعة، فجعلتنا نختار بداية بعض الأشياء الثانوية واتخذنا قرارات مصيرية في الفيلم ولكنها ليست بالكثير، اختيارات الأشياء الثانوية داخل الفيلم كانت بسيطة وتبدأ مع بداية الفيلم ولكنها لا تغير في حبكة الفيلم، مثل أي نوع من الكورن فلكس تختار أو أي نوع من أنواع الموسيقى تستمع، لكن القرارات المصيرية رغم أنها موجودة لم تكن كثيرة، واعتقد أن نتفليكس فعلت ذلك لتختبر الفيلم في البداية وإن تم تقديم أعمال سينمائية أخرى بنفس الأسلوب التفاعلي أتوقع أن تحتوى على عدد أكبر من المشاهد والاختيارات التي تزيد مسار الفيلم عن حبكتين إلى الشكل الذي يرغب به المشاهد.

من الجميل أن تصل التكنولوجيا إلى الحد الذي تجعلنا نختار نهايات الأفلام وتفاصيل سردها حسب رغبتنا، وسيكون مناسبًا لطبيعة كل شخص منا

كانت نتفليكس موفقة في اختيار قصة الفيلم وفي اختيار فترة الثمانينيات بشكل الديكور المميز، بالإضافة إلى أن فترة الثمانينات أضافت لنا صدق ما نشاهده، فجعلتنا نختار أشياء ملموسة لا تتحكم بها التكنولوجيا مثل نوع الموسيقى التي يستمع إليها البطل وشكل الكتاب والصور داخل غرفته، بجانب كل ذلك لفت نظري أسنان البطل التي لم تخضع لأي نوع من أنواع تقويم الأسنان الذي لم يكن منتشرًا حينها، بجانب التلفاز والمذيع والمذيعة بداخله، باختصار يمكنني أن أقول إن نتفليكس نجحت بنسبة كبيرة في تطبيق ما تريد ويمكننا أن ننتظر أفضل من ذلك في الطريقة التفاعلية للأفلام.

ميزة وعيب الافلام التفاعلية

من الجميل أن تصل التكنولوجيا إلى الحد الذي تجعلنا نختار نهايات الأفلام وتفاصيل سردها حسب رغبتنا، وسيكون مناسبًا لطبيعة كل شخص منا، فهناك من يفضلون النهايات السعيدة وهناك من يكرهون المشاهد الدموية، وبالطبع سيكون الأمر مثيرًا للمشاهد في كل الأحوال، لكننا في الوقت نفسه لا نستطيع أن تكون أفلامنا كلها بهذه الطريقة، لأننا نريد أن نرى إبداعات مختلفة وحبكات مصممة على طريق واحد مسارها محدد باختيار المخرج وليس دائمًا من اختيارنا.

لا ندري هل ستقوم بعض شركات الإنتاج الأخرى بتقليد نتفليكس في هذه التقنية الجديدة وتنتشر فكرة الأفلام التفاعلية في المرحلة القادمة أم لا، ولا ندرى ما المسار الذي تنوي نتفليكس اتخاذه على باقي أفلامها ومسلسلاتها بعد نجاح هذه الخطوة، لكن يعتبر الفيلم تجربة فنية مميزة تستحق المشاهدة.