اعتاد الكتاب والباحثون في مراكز الدراسات والبحوث الرصينة، في نهاية كل سنة، ذكر أهم أحداثها فيما يخص بلدٍ ما، سواء كانت سياسية أم علمية أم حتى رياضية، لكنني في هذه المقالة أثرت على ذكر ما سيحدث للعراق في السنة القادمة، مستندًا على ما سبق من أحداث انقضت، فهو مقال استشرافي يسلط الضوء على ما يمكن أن يحدث في العراق السنة القادمة.

ففيما يتعلق بإكمال الكابينة الوزارية لحكومة عادل عبد المهدي، يُرجح أن تستمر الخلافات على مرشحي وزارة الداخلية ووزارة الدفاع، وستسيطر هذه القضية على المشهد العراقي، لفترة ليست بالقصيرة من السنة القادمة، يعود ذلك بسبب الخلافات الشديدة بين كتلتي الإصلاح وكتلة البناء المدعومتين من الصدر والعامري، ويؤمل أن تكون حكومة عادل عبد المهدي حتى في حال نجاحها بإكمال كابينتها الوزارية، هشة ومفتقرة لعناصر القوة، نظرًا لكون شخصية عبد المهدي في حقيقتها، شخصية توافقية جاءت بها الكتل السياسية المتنافسة، ولا ينتمي لأي كتلة سياسية بعينها، الأمر الذي يجعله شخصية ضعيفة كالكرة تتقاذفها الكتل السياسية المتصارعة فيما بينها، مصداق ذلك ما صرح به عبد المهدي نفسه حينما قال: "المشاكل العراقية كبيرة وكثيرة وليس من السهل حلَّها بوقت قصير".

كما يرجح أن يكون العراق ساحة صراع بين النفوذين الأمريكي والإيراني، وعلى صُعد مختلفة، الأمر الذي يمهد لاستخدام كلا الطرفين، أدواته للنيل من الطرف الثاني، مما يُحمل الحكومة العراقية عبأ إضافيًا كبيرًا عليها، ففي الوقت الذي ستحاول قدر ما تستطيع أن تتلمس طريقًا وسطًا بينهما، لكن من غير المرجح أن تنجح بهذه المهمة.

وستنعكس تداعيات هذا الصراع الأمريكي الإيراني على استقرار هذه الحكومة، بل ومن المرجح جدًا أن تشهد السنة القادمة تمايزًا واضحًا بين تلك الأدوات، سنرى إثاره على الأرض عبر عمليات عسكرية محدودة بين المليشيات التابعة لكل طرف سياسي من تلك الأطراف، وهذه المشاكل، ربما ستجعل عبد المهدي يفكر جديًا بالاستقالة.

يبدو أن الامريكان قد حسموا أمرهم في طريقة التعامل مع الحكومة العراقية الجديدة في بغداد، رأينا ذلك من خلال طريقة الزيارة التي قام بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الأسترالي سكوت موريسون لقواتهما الموجودة في العراق

واحدة من أهم المشاكل التي يجب على حكومة عادل عبد المهدي الاستعداد لها، هي مشكلة التعامل مع العقوبات الأمريكية على إيران، وبما أن جميع حكومات ما بعد الاحتلال، قد ربطت الاقتصاد العراقي بشكل كبير بالاقتصاد الإيراني، فإن فك هذ الارتباط بين الاقتصادين ليس بالسهولة التي يمكن لحكومة ضعيفة مثل حكومة عبد المهدي، أن تتعامل معها، وسيشهد الاقتصاد العراقي هزات عنيفة بسبب ذلك، منها ما هو نتيجة طبيعية لارتباط الاقتصادين، وأن الوقت الذي أعطته الإدارة الأمريكية للعراق ليس كافيًا لتحقيق هذا الهدف، وبعضها مفتعل تقوم به الحكومة الإيرانية ردًا على تنفيذ العراق لحزمة العقوبات الأمريكية ضدها، وفي كلتا الحالتين فالمتوقع في الأشهر القليلة القادمة، أن يتضرر الاقتصاد العراقي بشكل بالغ من هذا الأمر.

ويبدو أن الأمريكان قد حسموا أمرهم في طريقة التعامل مع الحكومة العراقية الجديدة في بغداد، رأينا ذلك من خلال طريقة الزيارة التي قام بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الأسترالي سكوت موريسون لقواتهما الموجودة في العراق، فهي تمثل تعبيرًا عن عدم اعترافهما بسيادة الحكومة العراقية ذات الولاء الإيراني، وعزمهما على إبقاء قواتهما لأمد غير محدد في العراق.

والأهم من ذلك كله، هو عزم الولايات المتحدة على زيادة عدد قواتها وجعلها منطلقًا لعملياتها في المنطقة كما قال ذلك صراحة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وبالتالي فإن الطريق مفتوح لأكثر من سيناريو في العراق، لا تصب غالبيتها بمصلحة النفوذ الإيراني ولا مصلحة حكومة بغداد ولا المليشيات الإيرانية الموجودة في العراق.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في زيارته غير المعلنة للعراق

من تلك السيناريوهات المتوقع حدوثها في الفترة القادمة، أن الإدارة الأمريكية وبعد فشلها في إيصال من تريده لسدة الحكم في العراق، فإنها أمام عدة خيارات، إما أن تحاول ترويض هذه الحكومة لكي تكون بصفها ضد النفوذ الإيراني، وهذا أمر نعتقد أنه متعذر جدًا، ولا نظن أن الولايات المتحدة ستنجح فيه، لا سيما مع وجود كثير من النواب والوزراء في الحكومة تابعين لمليشيات مدعومة من إيران وأحزاب ذات ولاء إيراني، تبقى خيارات أخرى يؤمل أن تلجأ لها الإدارة الأمريكية في تعاملها مع الوضع العراقي، إحداها، زيادة القوات الأمريكية والغربية في مناطق غرب وشمال العراق ذو الغالبية السنيَّة، وتدعم بعد ذلك تشكيل إقليم سني بالمرحلة الأولى، ومن ثم تحاول أن تجعل من إقليم كردستان والإقليم السنَّي الجديد، نواةٍ لدولةٍ جديدةٍ مدعومةٍ من الأمريكان.

بعد الانسحاب الأمريكي من شرق الفرات في سوريا، سيفرض هذا الانسحاب تداعياته بشكل كبير على المشهد العسكري العراقي لا محالة، بسبب أن هذا الانسحاب سيجعل منطقة شرق الفرات رخوة أمنيًا

وبنفس الوقت ستضع المناطق الجنوبية في مرمى العقوبات الأمريكية على اعتبارها أصبحت جزءًا من النظام الإيراني، يعتبر هذا السيناريو طويلاً وصعبًا حتى على الإدارة الأمريكية، ويتطلب من ترامب أن يضمن الفوز في ولاية ثانية لإكمال مشروع كهذا المشروع الكبير، والحال على هذا، ربما ستكتفي الإدارة الأمريكية حاليًا، بدعم إنشاء إقليم سني تأخذ منه تفويض لبقاء قواعدها وقواتها العسكرية فيه، كما هو الحال في إقليم كردستان.

فيما يتعلق بالتظاهرات الاحتجاجية التي تشهدها المدن العراقية بشكل عام، ومدينة البصرة بشكل خاص، ذات الغالبية الشيعيَّة، يُرجح أن تتصاعد بشكل أكبر، وإن خفَّ زخمها بين فترة وأخرى، إلا أنها سرعان ما تستعيد قوتها وتبدأ من جديد، يعود سبب ذلك، هو عدم استجابة الحكومة السابقة ولا الحالية لمطالب المتظاهرين، بسبب ضائقتها المالية، وسلطة الفساد المهيمنة على هيكل الدولة العراقية، لكن من المتوقع أن يرتفع سقف مطالب الجماهير المتظاهرة تدريجيًا مع ازدياد حالة البؤس التي يعيشها المواطن العراقي، لتتحول من مطالب بتوفير الخدمات، إلى مطالب لإنشاء إقليم خاص بمدينة البصرة.

احتجاجات البصرة

هذا الإقليم الذي ربما يتطور ليضمَّ إليه بعض محافظات الجنوب القريبة من البصرة، وليس مستغربًا إذا ما تعاملت حكومة عبد المهدي مع مطالب البصريين بإنشاء إقليم، بشكل إيجابي، وتقرَّهم على ذلك المطلب، ويعود سبب ذلك، لعلم عبد المهدي المسبق، بأنه غير قادر على تلبية مطالب الجماهير البصرية، ولو بالحد الأدنى منها، والاستمرار بتجاهل تلك المطالب، ربما سيتسبب بازدياد التظاهرات وارتفاع حدتها للدرجة التي تؤثر على مستقبل العملية السياسية برمتها.

أما في يتعلق بتطورات الوضع العسكري الإقليمي، فبعد الانسحاب الأمريكي من شرق الفرات في سوريا، سيفرض هذا الانسحاب تداعياته بشكل كبير على المشهد العسكري العراقي لا محالة، بسبب أن هذا الانسحاب سيجعل منطقة شرق الفرات رخوة أمنيًا، وهناك أحاديث عن إمكانية أن يقوم العراق بملء ذلك الفراغ الأمني حفاظًا على حدوده الغربية مع سوريا، من تسلل عناصر داعش إلى العراق، لكن يستبعد أن يقوم العراق بتلك المهمة، يعود ذلك لافتقاره للقدرة العسكرية الكافية للتوغل في العمق السوري، لكن بنفس الوقت، لا يعني هذا أن إيران لن تحاول دفع مليشيات الحشد، للسيطرة على بعض المناطق المحددة من شرق سوريا، من خلال التعاون مع النظام السوري، كما لا يمنع عدم دخول الجيش العراقي لشرق سوريا، من أن تقوم الطائرات العراقية بضربات جوية لمواقع داعش في سوريا كما تفعل الآن، لدعم تحركات مليشيات الحشد.

كل اللاعبين الدوليين ينظرون لمصالحهم بالأولوية القصوى، بينما تعتبر مصلحة العراق والشعب العراقي، آخر اهتماماتهم، وهنا يأتي دور العراقيين ونختبهم الواعية

والحديث عن شغل الفراغ الأمني في شرق سوريا، من البيشمركة التابعة لمسعود بارزاني، فمن غير المرجح أن يتم ذلك، نظرًا لافتقار تلك القوات للقدرة العسكرية على شغل منطقةٍ بهذا الاتساع، ومصداق هذا ما أعلنه الحزب الديمقراطي الكردستاني حينما نفى أن تكون لدى الحزب أي توجهات بهذا الصدد، لكن لا يعني هذا أيضًا، أن لا تقوم البيشمركة بدعم قوات كردية سورية تسمى "روج آفا" لزجها بتلك المناطق، لا سيما أن تلك القوات لا مشكلة لديها مع تركيا.

من هذا كله، وسواء كانت تلك الرؤى المستقبلية، قريبة من التحقق أم لا، فالعراق قريب من أحداث كبيرة تتعلق بمصيره، والواجب على الشعب العراقي أن يكون ذكيًا بالتعامل مع مثل هذه التطورات المستقبلية، واختيار ما يصب بمصلحة هذا البلد، فكل اللاعبين الدوليين ينظرون لمصالحهم بالأولوية القصوى، بينما تعتبر مصلحة العراق والشعب العراقي، آخر اهتماماتهم، وهنا يأتي دور العراقيين ونختبهم الواعية، ولربما بعض التطورات التي تعمل عليها تلك البلدان، يستطيع الشعب العراقي ونخبته الواعية أن تتلمس بعض النقاط التي هي في مصلحتهم، ذلك ما نرجوه حقًا فيما يلي من أحداث.