لم تلبث الإدارة الأمريكية تُصرح باستعدادها للانسحاب من الولايات المُتحدة، حتى صرحت فرنسا التي تنتشر بعض قواتها في مدينة منبج الواقعة ضمن المناطق المُستهدفة من تركيا، بأنها باقية في سوريا رغم الانسحاب الأمريكي.

وفي إطار قراءة الحدث، أشارت بعض الفرضيات إلى مؤشرات تنافس سياسي وعسكري وأمني قد تطرأ للسطح بين تركيا وفرنسا، ليُطرح تساؤل مفاده: لماذا تنافس فرنسا تركيا في سوريا؟

قد تُفسر عدة عوامل مباشرة وغير مباشرة سبب تمسك فرنسا بالوجود المباشر في سوريا، تحديدًا في شرق الفرات، وبتحديد أكبر في مدينة منبج، ولعل أولى هذه العوامل الرغبة الفرنسية في بناء توازن قوى مباشر ضد روسيا المنافسة لها في حوض شرق البحر المتوسط أمنيًا وجيواقتصاديًا من جهة، وضد تركيا المنافسة لها في ليبيا من جهة أخرى، إذ تدعم تركيا حكومة طرابلس ضد قوات حفتر المدعومة فرنسيًا، وعلى الأرجح، تحاول فرنسا الإبقاء على وجودها المباشر في سوريا، عبر دعم وحدات الحماية الكردية، من أجل استخدام هذه الورقة كورقة توازن تحرك القوى المنافسة لها في ميادين أخرى.

وفي موازاة ذلك، تُدرك فرنسا، في الغالب، أن خطة الولايات المُتحدة الإستراتجية تجاه منطقة شرق الفرات تقوم على "التحالف التكاملي" الذي يعني تشارك التكاليف والدور مع قوى محلية ودولية، لذا تُحاول استغلال هذه النقطة، لإظهار ذاتها بصيت القوة الفاعلة القادرة على صياغة مُعادلات فاعلة في ميادين مُختلفة حول العالم.

لعل أبرز المؤشرات على مُضي فرنسا نحو إنجاز هذا المشروع تكمّن في تحركها العاجل لإنهاء مسألة اختطاف رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، من السلطات السعودية، وعرض ذاتها كوسيط للقضية الفلسطينية ولحل الخلافات بين تركيا وكردستان العراق

أيضًا، قد يُفسر طموح الرئيس الفرنسي إيمنوال ماكرون الذي تنطلق أفكاره من إستراتيجية بناء "تكتلات اتحادية" متحالفة لخدمة مصالحها القومية في منطقة الشرق الأوسط وصولًا لترسيخ جزء من مشروع "توحيد شطري المتوسط" القائم على تعزيز نطاق التعاون بين الدول الأوروبية ودول شرق المتوسط المُطلة على الأبيض المتوسط تحديدًا، لإعادة النفوذ الأوروبي الحيوي في المنطقة التي تُوصف بـ"قلب العالم"، وتُمكّن من يحظى بدور حيوي فيها، بدور دبلوماسي وأمني واقتصادي عالمي ملموس.

ويخدم هذا المشروع طموح الرئيس ماكرون الرامي للركون إلى عناصر محلية فاعلة من أجل إنجاز ذلك؛ مما يُحيله لمنافسة تركيا التي تُظهر ببعض تحركاتها من أجل حماية أمنها القومي، منافسة جزئية لهذا المشروع. 

ولعل أبرز المؤشرات على مُضي فرنسا نحو إنجاز هذا المشروع تكمّن في تحركها العاجل لإنهاء مسألة اختطاف رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، من السلطات السعودية، وعرض ذاتها كوسيط للقضية الفلسطينية ولحل الخلافات بين تركيا وكردستان العراق، عقب إقدام الأخير على تنظيم استفتاء على الاستقلال، واليوم تضطلع فرنسا بدور حيوي في إيقاف الزحف التركي الدبلوماسي أو العسكري نحو منطقة شرق الفرات.

وفي ضوء ذلك، قد يطرح متابعون تساؤلًا مفاده: هل تستطيع فرنسا إيقاف العمليات العسكرية التركية؟ إذا أخذنا بوجود عمليات عسكرية تركية فعلاً، إذ يبدو أنها مُستبعدة وقد تكون جزئية مقتصرة على بعض المناطق، فإن فرنسا تستطيع فعلًا إيقاف العمليات العسكرية التركية، ويُستند في هذه الفرضية لعدة عوامل:

ـ موقع فرنسا في الساحة الدولية كدولة كُبرى مقابل موقع تركيا كدولة إقليمية، حيث يمكن لفرنسا إجراء مناورات دبلوماسية حيوية مع الولايات المُتحدة والدول الأوروبية الأخرى للضغط على تركيا، والحيلولة دون إجراء عملياتها العسكرية، أو من خلال استخدام الأساليب الاستخباراتية القائمة على دعم وحدات الحماية ومنحها إحداثيات القوات التركية، وغيرها من الأساليب الأخرى.

يبدو أن فرنسا تسعى لإحراز دور ملموس يكفل لها دورًا حيويًا في منطقة الشرق الأوسط، وهذا ما يُظهرها بثوب الدولة المنافسة لتركيا في الجغرافية السورية

ـ ميل فرنسا لتعزيز دورها في إستراتيجية "التحالف التكاملي" مع الولايات المتحدة من ناحية أمنية ودبلوماسية واقتصادية دون شروط تطرحها تركيا على الولايات المتحدة في الكثير من الأحيان.

ـ جزئية الانسحاب الأمريكي الذي قد لا يُوصل فرنسا وتركيا أصلًا للاصطدام: يبدو، وبالاستناد لعدة عوامل ومؤشرات، أن الانسحاب الأمريكي جزئيًا وليس كاملًا ركونًا للنقاط التالية:

ـ الإغراء الخليجي المادي والضغط الأوروبي و"الإسرائيلي" على الإدارة الأمريكية لإبقاء بعض قواتها وقوات الدول الأخرى في منطقة شرق الفرات، أو على طول الحدود السورية على الأقل.

ـ الرغبة الأمريكية، مؤسسيًا وإداريًا، في تقليم النفوذ الإيراني المتنامي مؤخرًا داخل الجغرافيا السورية.

ـ كمؤشر واضح على جزئية الانسحاب، اتجاه الولايات المتحدة نحو بناء عدة قواعد عسكرية على الحدود التركية ـ السورية، وتنسيقها مع الحكومة العراقية لتأسيس قواعد على الحدود العراقية ـ السورية، وتفعيل دور قاعدة "الأسد" العسكرية في الأنبار العراقية القريبة من الحدود السورية، في تبوء دور فاعل في إدارة التوجهات الأمنية في شرق الفرات.

ـ حقول النفط السورية التي تقع معظمها وأكبرها في منطقة شرق الفرات، التي قد تدفع الولايات المتحدة لصياغة معادلة تضمن لها الاستفادة منها اقتصاديًا.

في الختام، يبدو أن فرنسا تسعى لإحراز دور ملموس يكفل لها دورًا حيويًا في منطقة الشرق الأوسط، وهذا ما يُظهرها بثوب الدولة المنافسة لتركيا في الجغرافية السورية، وبوضع العوامل الواقعية الأمنية والدبلوماسية بعين الاعتبار، يُشار إلى أنه في حال فعلًا تقدمت تركيا على منبج دون التوافق الكامل مع فرنسا، قد تُحاول الأخيرة إحباط تحركها من خلال التنسيق الدبلوماسي الحيوي مع الولايات المتحدة وعدة دول أوروبية، أو من خلال الأساليب الاستخباراتية التي تُنهك أي جيش نظامي يتحرك نحو منطقة وعرة التضاريس.