في مقولة شهيرة للمفكر الفرنسي إيتيان دو لا بواسي عن "المواطن المستقر" قال: "عندما يتعرض بلد ما لقمع طويل تنشأ أجيال من الناس لا تحتاج إلى الحرية وتتلاءم مع الاستبداد، ويظهر فيه ما يمكن أن نسميه المواطن المستقر"، بمعنى آخر المواطن المستقر هو المستقر على الظلم والقمع والاستبداد.

وقد تفننت أنظمتنا العربية في مساعي خلق أكبر قدر من هذا الموطن المستقر، فهي وبسبب ما تتبناه من سياسات وإستراتيجيات تهدر الفكر وتحجر على العقول وتخلق مواطنين مستقرين يقتصر نشاطهم الفكري على مستوى المعاش فقط متكيفين جدًا مع الاستبداد والطغيان، وبهذا ينعدم  الاقتدار المعرفي والإنتاج الفكري وتتجلى حالة عامة من الخصاء الفكري، وهنا يسهل الانقياد وراء الاستبداد السياسي والديني حينها.

للمرة الثانية في أقل من أسبوع توجهت جموع المتظاهرين السودانيين إلى القصر الرئاسي بعد ظهر أمس الإثنين لتقديم عريضة جديدة للمطالبة بتنحي الرئيس عمر البشير بينما تتواصل الاحتجاجات الشعبية المنددة بالأوضاع المعيشية في مختلف المدن السودانية التي قاربت على الانتهاء من أسبوعها الثاني.

مسيرات الأمس التي حملت عنوان "موكب القصر" وتزامنت مع عيد الاستقلال، جاءت تكملة لنظيرتها التي قام بها المحتجون في الـ25 من ديسمبر الماضي، استجابة للدعوات التي أطلقتها العديد من الأحزاب والقوى المعارضة على رأسها "تجمع المهنيين السودانيين".

مناوشات دامية بين المحتجين وقوات الأمن التي تدخلت لتفرقة التظاهرات مستخدمة في ذلك الغاز المسيل للدموع والرصاص الحي بحسب شهادة مصادر خاصة لـ"نون بوست" أسفرت عن سقوط عدد من الجرحى إضافة إلى اعتقال العشرات، فيما ذهبت بعض الأنباء إلى سقوط قتلى، في الوقت الذي دعا فيه البشير إلى تشكيل لجنة لتقصي الحقائق والحوار للخروج من الأزمة الاجتماعية والاقتصادية الراهنة.

اعتقالات ورصاص حي

وسط تكثيف أمني غير مسبوق، توجهت المسيرات التي تجمعت في قلب الخرطوم استجابة لدعوات "المهنيين السودانيين" إلى القصر الرئاسي للمطالبة بتنحي البشير، فيما استقبلتها قوات الأمن بإطلاق الرصاص الحي لتفريق المتظاهرين ما أسفر عن سقوط عدد من الجرحى بعضهم إصابته خطيرة فيما قتل شخص واحد إثر إصابته بطلق ناري بوسط المدينة.

قوات الأمن أغلقت كل الشوارع والممرات المؤدية للقصر، كما أغلقت بعض الأسواق التجارية تجنبًا لأي حشود من الممكن أن تتجمع بداخلها، على رأسها السوق العربية، أكبر أسواق وسط المدينة، كذلك "مول الواحة" أحد أكبر المراكز التجارية بالخرطوم، في حين وقفت سيارات الجيش والشرطة وسيارات أخرى للأمن عليها أفراد بزيّ مدني، أمام المؤسسات الحكومية بالخرطوم، بحسب مصادر خاصة لـ"نون بوست".

"نعلن وقوفنا التام والكامل مع البشير" وزير الداخلية السوداني أحمد بلال

المصادر كشفت أن شوارع العاصمة تحولت إلى ما يشبه ثكنة عسكرية ورجال الأمن انتشروا بصورة لم يشهدها الشارع السوداني منذ انطلاق الاحتجاجات قبل أسبوعين، وأضافوا أن بعض أفراد الشرطة كانوا يأتون بداخل سيارات الإطفاء في محاولة للتمويه ثم ينتشرون في المناطق ويلقون القبض على المتظاهرين وقياداتهم وذلك بحسب مقاطع فيديو تم تزويد "نون بوست" بها.

عصام الدين محمد مفوض إفريقيا بالأكاديمية الملكية للأمم المتحدة، والقيادى بحزب الأجيال الوطني الديمقراطي، في تصريحات سابقة له للموقع أشار إلى أن القصر الرئاسي منذ الموكب الأول في 25 من ديسمبر الماضي تحول إلى ثكنة عسكرية من الصعب اختراقها وهناك تعليمات بالتعامل المشدد مع المتظاهرين.

مالك حسين المرشح السابق للرئاسة في السودان، وأحد المشاركين في تظاهرات الأمس، قال: "ظل المتظاهرون في المكان على مدى أربع ساعات في ظل قبضة أمنية شرسة استخدمت معهم كل أنواع القوة واعتقلت المئات، وتفرقت الحشود في جميع الشوارع المؤدية للقصر بلا استثناء".

وأضاف في تصريحات نقلتها "سبوتنيك" "سجلت النساء حضورًا مشرفًا، ورأيت بعيني أكثر من 10 مظاهرات بمنطقة السوق العربي تم الاعتداء عليها بالقنابل المسيلة للدموع والرصاص الحي، وشاركت في الاعتداءات كل القوى الأمنية التابعة للدولة بلا استثناء وبأشكال مختلفة"، واستطرد: "ربما شاركت القوات الخاصة بالرئيس عمر البشير في مواجهة المتظاهرين"، محذرًا من أن تلك المواجهات "ستؤدي إلى الكثير من عمليات القتل وإراقة الدماء للمواطنين الذين أرادوا التعبير عن رأيهم للمطالبة بحقوقهم في الأمن والصحة والتعليم والحياة الكريمة".

وفي هذا السياق أعلن وزير الداخلية السوداني أحمد بلال، دعمه الكامل للبشير وحكومته في مواجهة المحتجين، ففي تصريحات له قال بشكل واضح "نعلن وقوفنا التام والكامل مع البشير"، وأضاف أنهم - الداخلية - لن يسمحوا لمن أسماهم بمن يحاولون استغلال الظروف لزعزعة الأمن، مشددًا على أن الطريق الوحيد لتبادل السلطة ليس التظاهر وإنما بالانتخابات، ولا سبيل للفوضى.

"كل الاحتجاجات السابقة كانت تبدأ كبيرة ثم تهدأ حتى تنتهي نظرًا لأنها كانت منظمة ولها قيادات سياسية وحزبية، أما هذه فهي مختلفة تمامًا حيث بدأت من مدرسة ثانوية في عطبرة وانتشرت في باقي المدن السودانية" منسق حركة تمرد السودان

الوزير أضاف "نعترف بالوضع الاقتصادي ولكنها شدة وتزول، ولن نسمح أن يستغل ذلك لإشعال الفتنة"، فيما  قال مدير عام الشرطة، الفريق أول الطيب بابكر: "ما جرى في الأحداث تخريب وتدمير للممتلكات" على هامش المظاهرات التي تشهدها السودان، مؤكدًا أن الشرطة تلاحق المجرمين الذين استغلوا الاحتجاجات للنهب والسرقة.

يذكر أن السلطات السودانية منذ انطلاق الاحتجاجات شنت موجة من الاعتقالات والمداهمات شملت عددًا من القيادات والرموز في "قوى الإجماع الوطني" و"نداء السودان"، على رأسهم القيادي في الحزب الشيوعي صديق يوسف، ورئيس حزب البعث التجاني مصطفى، والمتحدث الرسمي باسم الحزب الاتحادي الديمقراطي محمد سيد أحمد، إضافة إلى رئيس حزب المؤتمر السوداني عمر الدقير، كذلك ابنة زعيم حزب الأمة القومي الصادق المهدي، في إطار حملة أمنية تشنها سلطات النظام لصد المد الجماهيري المتصاعد.

لجنة لتقصي الحقائق

وردًا على تصاعد الاحتجاجات أصدر الرئيس السوداني قرارًا جمهوريًا بتشكيل لجنة لتقصي الحقائق عن الأحداث الأخيرة التي شهدتها البلاد برئاسة وزير العدل محمد أحمد سالم، داعيًا خلال كلمته على هامش الاحتفال بعيد الاستقلال القوى السياسية والحزبية إلى التعاطي الإيجابي مع الأزمة الاقتصادية الحاليّة، قائلاً إن حكومته تشعر بوقع المعاناة الحاليّة، لكنها توشك على تجاوز هذه المرحلة التي دعاها بالصعبة والعابرة.

البشير دعا كذلك القوى المعارضة للمسارعة إلى الانضمام للحوار والإعداد الجاد للمشاركة في الانتخابات القادمة تحقيقًا للشورى والديمقراطية الحقة، وفق تعبيره، مؤكدًا أن بلاده تمر بظروف اقتصادية ضاغطة، أضرت بشريحة واسعة من المجتمع، لأسباب خارجية وداخلية.

البشير يصدر قرارًا بتشكيل لجنة لتقصي الحقائق

وأضاف: "نحن نقدر هذه المعاناة ونحس بوقعها، ونشكر شعبنا على صبره الجميل (…)، إننا على ثقة بأننا نوشك على تجاوز هذه المرحلة الصعبة والعابرة، والعودة إلى مسار التنمية الشاملة"، في إشارة إلى الاحتجاجات الشعبية في السودان، مناشدًا في خطابه "القوى السياسية والحزبية المساهمة الراشدة عند التعاطي مع قضايا الوطن، خاصة القضية الاقتصادية الماثلة، بروح النصح وتقديم البدائل، لا بالتنافس والكسب السياسي".

ليست هذه المرة الأولى التي يطلق فيها الرئيس السوداني وعودًا منذ انطلاق الاحتجاجات، ففي كلمته خلال زيارته لولاية الجزيرة في الـ25 من ديسبمر الماضي وبالتزامن مع مسيرة القصر الأولى أكد على اتخاذ عدد من الإجراءات الإصلاحية لتحسين الأوضاع وتوفير حياة كريمة، غير أن شيئًا لم يتغير ولم تزل الأوضاع كما هي، وبحسب المصادر فإن الطوابير أمام منافذ الخبز والوقود لم تنته بعد.

موقف حرج

تتميز الاحتجاجات الحاليّة بأنها غير مسبوقة في تاريخ السودان، رغم أنها ليست الأولى من نوعها، إذ إن ما يميزها أن انتفاضة شعبية خرجت من بين الطبقات الكادحة وليس لها أي قيادة سياسية، وهو ما يجعل السيطرة عليها أمر صعب على عكس الاحتجاجات الأخرى التي انطفأ بريقها سريعًا.

بكري عبد العزيز، منسق حركة "تمرد السودان"، أكد هذا الكلام في تصريحات له بأن "كل الاحتجاجات السابقة كانت تبدأ كبيرة ثم تهدأ حتى تنتهي نظرًا لأنها كانت منظمة ولها قيادات سياسية وحزبية، أما هذه فهي مختلفة تمامًا حيث بدأت من مدرسة ثانوية في عطبرة وانتشرت في باقي المدن السودانية بما فيها العاصمة الخرطوم، وسط تجاهل حكومي لمطالب الجماهير سوى أدوات مواجهتها بالقوة".

3 سيناريوهات رئيسية تسيطر على الأجواء منذ بدء الاحتجاجات التي تجاوز سقفها الحد المتوقع، على رأسها أن يتنحى البشير عن الحكم

وأكد على استمراريتها حتى تحقيق مطالب المحتجين كافة، لافتًا إلى أن الشعب السوداني كسر حاجز الخوف خلال الأيام الماضية ورفع المتظاهرون شعار "الرصاص ما بيقتل… بيقتل سكات الزول"، موضحًا أن تلك الاحتجاجات كشفت الوجه الحقيقي لتعامل الحكومة مع المواطنين الذي حاولت إخفاءه عن العالم خلال السنوات السابقة من أجل رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، لكن الاحتجاجات الحاليّة كشفت تلك الأغطية.

ثمة سيناريوهات يتداولها السودانيون على مستوياتهم السياسية والاجتماعية كافة وفي وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بشأن مآل الأوضاع في البلد العربي، تذهب معظمها في إحداث انقلابات داخلية سواء في الهيكل السياسي للدولة بدءًا من أعلى هرم السلطة أم فيما يتعلق بالقاعدة العريضة من المتحكمين في الشأن العام الداخلي.

الكاتب السوداني محمد الفاتح، في حديثه لـ"نون بوست" كشف 3 سيناريوهات رئيسية تسيطر على الأجواء منذ بدء الاحتجاجات التي تجاوز سقفها الحد المتوقع، على رأسها أن يتنحى البشير عن الحكم ويكلف أحد من معاونية بقيادة الأمور خلال الفترة المقبلة على أن يتم الترتيب مع القوى السياسية الأخرى.

ومع صعوبة ترجمة هذا السيناريو في ظل حرص البشير على الدفاع عن كرسيه مهما كلفه الثمن مستعينًا في ذلك بقوات الجيش والشرطة اللتين أعلنتا دعمهما له، يذهب الفاتح إلى السيناريو الثاني وهو الإطاحة بالحكومة الحاليّة بصفتها المسؤولة عن تردي الأوضاع حسبما كشف البعض، ويعاد تشكيلها عبر توازنات وائتلافات تضم كل ألوان الطيف السياسي في البلاد، وأن تُمثل من المعارضة.

ورغم اقتراب هذا السيناريو من التحقيق إلا أن السيناريو الثالث ربما يكون الأقرب واقعية حسب الكاتب السوداني، وهو إجراء حزمة من الإصلاحات السريعة بمساعدة بعض الدول الحليفة، بمقتضاها يسد بعض الثغرات التي انطلقت منها التظاهرات كتوفير الدعم للخبز والوقود وتوفير السيولة المالية في البنوك.

وفي ظل تعدد السيناريوهات المطروحة وتصاعد الاحتجاجات ورفع مستوى مطالبها في الوقت الذي تبقي فيه حكومة البشير على حزمة الوعود والتعهدات الشفهية دون تحريك حقيقي لأي منهما بما يمتص بعض من الغضب المسيطر على جموع المحتجين فيما يتساقط بعضهم واحدًا تلو الآخر، ما بين مصاب وقتيل، تبقى الخيارات كافة متاحة.