بعد يوم واحد فقط من دعوة الرئيس السوداني عمر البشير للأحزاب والقوى السياسية إلى نبذ العنف وحل الخلافات بالحوار لتجاوز المرحلة الراهنة، دشن عدد من الكيانات السياسية تحالفًا جديدًا تحت مسمى "الجبهة الوطنية للتغيير" يطالب بالإطاحة بالرئيس وتشكيل مجلس سيادة انتقالي لتسيير شؤون البلاد.

تتصاعد الضغوط السياسية والشعبية على البشير وحكومته، فبتشكيل هذا التحالف المكون من 22 حزبًا وحركة سياسية تدخل الاحتجاجات المستمرة قرابة أسبوعين مرحلة جديدة من التطور تأخذ الأمور إلى منحى آخر ربما يضع مستقبل الرئيس على المحك، هذا بخلاف النقلة النوعية للحراك الذي بدأ بتحركات فردية من داخل إحدى المدارس بمدينة عطبرة ليصل إلى محطة الدعم والتأييد على موائد النخب والكيانات السياسية.

الموقف الحازم المتخذ من القوى السياسية وخيار الانضمام رسميًا لصفوف الشارع الذي يعد الأول من نوعه منذ انطلاق الاحتجاجات في الـ19 من ديسمبر/كانون الأول الماضي، فضلاً عن انسحاب بعض الأحزاب من الحكومة وضع نظام البشير في موقف صعب، سياسيًا وشعبيًا، لتضيق رقعة الخيارات المتاحة أمام الرئيس للخروج من الأزمة بعد 29 عامًا من الحكم في ظل رفع سقف مطالب المحتجين يومًا تلو الآخر.. فهل تفلت زمام الأمور ويعيد البشير سيناريو إبراهيم عبود مرة أخرى؟

مغازلة الجيش لم تكتف بتحييده وفقط بل طالبت في بعض الأحيان بانحيازه لصفوف الشعب، وهو ما عبر عنه رئيس حزب "الأمة" مبارك الفاضل، أحد المشاركين في التحالف الجديد

الجبهة الوطنية للتغيير

في تحرك ربما يلقي بظلاله على مستقبل الاحتجاجات الشعبية في السودان أعد التحالف المشكل من عدد من الأحزاب والكيانات السودانية تحت اسم "الجبهة الوطنية للتغيير" مذكرة موجهة إلى رئاسة الجمهورية من أجل تجاوز الأزمة الراهنة، وذلك خلال مؤتمر صحفي له أمس الثلاثاء.

المذكرة المعدة تناولت خريطة طريق للعبور من الأزمة عبر عدد من المحاور أبرزها تشكيل مجلس سيادة انتقالي لتسيير شؤون البلاد، وتشكيل حكومة قومية تضم كفاءات وممثلي أحزاب، للعمل على وقف الانهيار الاقتصادي وإنهاء عزلة السودان الخارجية وتحقيق السلام، وتحديد جدول زمني لإجراء انتخابات، كذلك حل البرلمان (بغرفتيه الأولى والثانية)، وتعيين مجلس وطني يتكون من مئة عضو، إلى جانب حل حكومات ولايات البلاد الـ18 ببرلماناتها.

ورغم إعلان الجيش دعمه لنظام البشير فإن التحالف وعبر مذكرته سعى إلى تحييد القوات المسلحة ومغازلتها عبر الإشادة بها لحماية المنشآت العامة على وقع الاحتجاجات الحاليّة، وفي الوقت ذاته طالبت بحماية التظاهرات السلمية المشروعة ممن لا يتورعون عن إراقة الدماء وقتل الأبرياء من المواطنين.

مغازلة الجيش لم تكتف بتحييده وفقط بل طالبت في بعض الأحيان بانحيازه لصفوف الشعب، وهو ما عبر عنه رئيس حزب "الأمة" مبارك الفاضل، أحد المشاركين في التحالف الجديد، خلال المؤتمر الصحافي ردًا على سؤال عن الموقف من الجيش ليجدد مطالبته له بالانحياز للشعب السوداني ليتمكّن من تنفيذ التحوّل السلمي الذي يحقن الدماء.

الانسحاب من الحكومة

الضغوط على نظام البشير لم تتوقف عند حد تشكيل تحالف من القوى المعارضة فحسب، بل تجاوزت ذلك إلى انسحاب بعض الأحزاب الداعمة للحكومة من أي تمثيل سياسي في المرحلة الحاليّة، وهو ما أعلنته حركة "الإصلاح الآن" بقيادة غازي صلاح الدين خلال المؤتمر الصحفي أمس.

صلاح الدين تبريرًا لانسحاب حركته قال: "ندرك تبعات هذه الأحداث التي نتشرف بأن نكون في هذا الموقف التاريخي وسطها، ولذلك قررنا في مكتبنا السياسي أن نسحب أي تمثيل لنا في أي منصب"، وتابع "إضافة إلى ذلك، وجهنا قاعدتنا بأن ممارسة حق التعبير السلمي ممارسة مستحقة لكل الناس والتنظيمات والأحزاب السياسية، وبالتالي فإننا نؤيد أي تعبير سلمي ونشارك فيه ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً، ونعتقد أن سلمية الثورة هي موطن قوتها".

جدير بالذكر أن حركة "الإصلاح الآن" ليس لها سوى نائبين فقط في البرلمان السوداني، بما يعني أن انسحابها لم يكن مؤثرًا بالشكل الكبير على أداء المجلس، غير أن هذه الخطوة تعد موقفًا رمزيًا  للتعبير عن رفضها لتعامل السلطة مع احتجاجات الشارع، وهو ما قد يشجع عدد من القوى الأخرى على انتهاج هذا الحذو ما قد يوقع الحكومة في ورطة حقيقية.

الرئيس السوداني دعا كذلك القوى المعارضة للمسارعة إلى الانضمام للحوار والإعداد الجاد للمشاركة في الانتخابات القادمة تحقيقًا للشورى والديمقراطية الحقة، وفق تعبيره

فشل المسكنات

تأخر تعاطي السلطات السودانية مع الاحتجاجات منذ بدايتها فضلاً عن تجاهل ما ترفعه من شعارات ومطالب، ساهم بشكل كبير في زيادة حالة الاحتقان بين المحتجين والحكومة، ومن ثم جاءت ردود الفعل التالية التي لا تعدو عن كونها وعود شفهية غير مجدولة التنفيذ، على عكس مسار الحراك الذي يطور من نفسه يومًا تلو الآخر.

البشير ردًا على مسيرة القصر ليلة رأس السنة أصدر قرارًا جمهوريًا بتشكيل لجنة لتقصي الحقائق عن الأحداث الأخيرة برئاسة وزير العدل محمد أحمد سالم، داعيًا خلال كلمته على هامش الاحتفال بعيد الاستقلال القوى السياسية والحزبية إلى التعاطي الإيجابي مع الأزمة الاقتصادية الحاليّة، قائلاً إن حكومته تشعر بوقع المعاناة الحاليّة، لكنها توشك على تجاوز هذه المرحلة التي دعاها بالصعبة والعابرة.

الرئيس السوداني دعا كذلك القوى المعارضة للمسارعة إلى الانضمام للحوار والإعداد الجاد للمشاركة في الانتخابات القادمة تحقيقًا للشورى والديمقراطية الحقة، وفق تعبيره، مؤكدًا أن بلاده تمر بظروف اقتصادية ضاغطة، أضرت بشريحة واسعة من المجتمع، لأسباب خارجية وداخلية، وهو ما كان الرد عليه فورًا بتدشين تحالف يطالب بتنحيته عن السلطة كأول مطلب له.

وفي كلمته التي ألقاها على هامش زيارته لولاية الجزيرة في الـ25 من ديسمبر الماضي تزامنًا مع مسيرة القصر الأولى، أكد البشير مضي حكومته في إنفاذ مشروعات التنمية والإعمار لصالح المواطنين وإصلاح أحوالهم، ودعا أهل مواطني الجزيرة، الذين وصفهم بالمنتجين، للاتجاه للعمل وعدم الالتفات للخونة والعملاء ومناضلي الكيبورد، فيما أشار إلى أن "الحرب تشن تجاه السودان لتمسكه بدينه وعزته التي لا يبيعها بالقمح أو الدولار".

شهدت العلاقة بين البشير وحزبه الحاكم "المؤتمر الوطني" توترًا مكتومًا، فضحته بعض الشواهد والأدلة، لا سيما تأخر إعلان الحزب عن إعادة ترشيح البشير لانتخابات الرئاسة 2020 في أغسطس/آب الماضي، مقارنة ببعض الأحزاب الأخرى

حزمة من الإجراءات اتخذتها الحكومة لتهدئة الأوضاع نسبيًا، كتوفير الخبز في بعض منافذ البيع في عدد من المحافظات، كذلك ضخ كميات من الوقود لتقليل العجز الناجم عن عدم تلبيته لإحتياجات المواطنين، غير أن تلك التحركات المتأخرة لم تحقق الهدف، إذ لا تزال الطوابير أمام منافذ الخبز والوقود كما هي.

وبالأمس أعلن البنك المركزي السوداني، البدء في طباعة أوراق نقدية من فئات 100-200-500 جنيه لأول مرة، بهدف "إنهاء مشكلة شح الأوراق النقدية تدريجيًا"، وهي واحدة من المشكلات التي كانت سببًا في خروج أول موجة تظاهرية في الـ19 من الشهر الماضي.

محافظ البنك محمد خير الزبير، خلال مؤتمر صحفي بالخرطوم، قال إنه سيتم إنهاء أزمة توفير الأوراق النقدية بنهاية شهر أبريل/نيسان المقبل، كاشفًا عن الانتهاء من طباعة فئات جديدة من العملة السودانية بدءًا من منتصف شهر يناير/كانون الثاني الحاليّ.

مسمار في نعش البشير

من الواضح أن الأمواج باتت أعلى مما يتوقع الكثيرون من المقربين من دائرة النظام الحاكم في السودان، فضلاً عن التباطؤ الملحوظ في ردود الفعل الرسمية وهو ما ساهم في تصعيد سقف المطالب ساعة تلو الأخرى، في الوقت الذي تمارس فيه السلطات موجات القتل والقمع والتنكيل بالمتظاهرين أسفرت عن سقوط 37 قتيلاً بحسب العفو الدولية فضلاً عن مئات من الجرحى والمصابين وبضعة آلاف من المعتقلين.

ثمة سيناريوهات يتداولها السودانيون على مستوياتهم السياسية والاجتماعية كافة وفي وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بشأن مآل الأوضاع في البلد العربي، تذهب معظمها في إحداث انقلابات داخلية سواء في الهيكل السياسي للدولة بدءًا من أعلى هرم السلطة أم فيما يتعلق بالقاعدة العريضة من المتحكمين في الشأن العام الداخلي.

في الآونة الأخيرة شهدت العلاقة بين البشير وحزبه الحاكم "المؤتمر الوطني" توترًا مكتومًا، فضحته بعض الشواهد والأدلة، لا سيما تأخر إعلان الحزب عن إعادة ترشيح البشير لانتخابات الرئاسة 2020 في أغسطس/آب الماضي، مقارنة ببعض الأحزاب الأخرى التي رفعت لواء تغيير الدستور مبكرًا، حتى إن بعض ولاة الولايات دشنوا حملات لترشيح البشير قبل الحزب الذي يترأسه، وهؤلاء يدينون للبشير بالولاء، فالرئيس من يرشحهم للمناصب.

"انتفاضة الشعب السوداني تؤكد تصميم الشعوب العربية على إسقاط نظم الفساد والاستبداد، وهي نموذج حي للشعوب العربية يمكنها الاقتداء به" الدكتور حسن نافعة

علاوة على ذلك لجوء الرئيس إلى إصدار قرارات بصورة انفرادية ثم الرجوع للحزب بعدها، وهو عكس ما كان عليه الوضع في السابق، حيث كانت الكلمة للمكتب القيادي للحزب، ومن بين تلك القرارات التي أثارت الجدل إقالة بكرى حسن صالح مع رئاسة الوزراء، وتعيين معتز موسى محله، في سبتمبر/أيلول الماضي.

هذه المؤشرات حملها البعض كدليل على وجود تباين في وجهات النظر بين البشير وقيادات الحزب، وهو ما ذهب إليه الكاتب السوداني محمد الفاتح، مشيرًا إلى أن تصاعد الاحتجاجات الأخيرة ربما تدفع إلى تزكية هذا التوتر ما قد يمهد الطريق لإحداث انقلاب داخلي رغم استبعاد الكثيرين لهذا السيناريو.

الفاتح لـ"نون بوست" كشف أن البشير الآن في موقف حرج جدًا، وعليه أن يحدد موقفه وبمنتهى السرعة قبل فوات الآوان، إما امتصاص غضب الشارع بإجراءات إصلاحية فورية بعيدة عن تلك التي صرح بها، أو انتظار المصير المحتوم الذي قد يفقده منصبه إن لم يواجه مصيرًا آخر أكثر صعوبة.

وهو ما ذهب إليه المفكر والسياسي السوداني البارز الدكتور تاج السر عثمان، حين أشار إلى أن المخرج الوحيد للخروج من تلك الأزمة الاستجابة للمطالب التي قدمها تحالف الجمعية الوطنية للتغيير في مذكرته أمس، وعلى رأسها تشكيل مجلس انتقالي ما يعني تنحي البشير، لافتًا في تغريدة له أن هذا هو "الأسلم للبشير وللشعب وللوطن".

أما الدكتور حسن نافعة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، فاستبعد سيناريو تنحي البشير في هذا الظرف، كاشفًا أن انتفاضة الشعب السوداني الذي وصفه بـ"البطل" تؤكد تصميم الشعوب العربية على إسقاط نظم الفساد والاستبداد، وهي نموذج حي للشعوب العربية يمكنها الاقتداء به.

نافعة في تصريحاته لـ"نون بوست" وضع خريطة طريق يمكن للبشير من خلالها إنقاذ سمعته وتجنيب بلاده المزيد من الخراب، على رأسها الإعلان رسميًا عن عدم ترشحه في الانتخابات القادمة وعليه وقف العبث بالدستور ومحاولات تعديله، كذلك تشكيل حكومة ائتلافية في أسرع وقت تتولى إدارة البلاد، ووضع عدد من الإجراءات التي تضمن نزاهة وشفافية الانتخابات الرئاسية والبرلمانية القادمة، مختتمًا حديثه بتساؤل: هل يستجيب البشير؟