يأبى العام 2018 الرحيل إلا بتتويج مؤلم لحقوق الإنسان في دول الخليج، ففي يوم واحد تأكد حكمان بالسجن على ناشطين حقوقيين في كل من الإمارات والبحرين، الأول هو الناشط الإماراتي أحمد منصور، والآخر هو الناشط البحريني نبيل رجب.

في البحرين، أيدت محكمة التمييز، يوم الإثنين الماضي، حكمًا بالسجن 5 سنوات على نبيل رجب بعد رفض الطعن الذي تقدم به محاميه، وفي الإمارات، وفي الساعات الأخيرة من العام، أيدت محكمة استئناف حكمًا صدر في مايو الماضي بالسجن 10 أعوام وغرامة قدرها مليون درهم على أحمد منصور.

تاريخ جلسة الاستئناف التي عُقدت ليلة رأس السنة، أثار مخاوف بأن السلطات كانت تعتزم تأييد إدانة الناشطين في وقت لن تحظى فيه المحاكمة باهتمام إعلامي كبير، فحقيقة أن الاستماع إلى دعاويهم في وقت تحول فيه انتباه الغرب إلى المشاركة في أجواء احتفالات رأس السنة ليس مصادفة، وبدلاً من ذلك، كانت تلك حيلة ساخرة.  

وفي كلا البلدين تفضل السلطات أن يتم تجاهل نتيجة المحاكمات إلى حد كبير، وكانت منظمات حقوق الإنسان الكثيرة التي تتبع قضاياهم تخشى أن يتم رفض الطعون، فأنظمة العدالة في كل من دولة الإمارات العربية المتحدة والبحرين مسيسة للغاية ولا تتمتع باستقلال حقيقي عن الأسر الحاكمة.

السجن مقابل التغريد على "تويتر"

دعوني أخبركم قليلاً عن أحمد منصور ونبيل رجب والشجاعة غير العادية التي أظهراها مع أسرهم على مدى سنوات من المضايقات والاعتقال والسجن، فعلى الرغم من أنهما قاما دائمًا بحملة سلمية من أجل الإعلام الحر وحرية التعبير وتكوين الجمعيات، ومن أجل الإصلاح الديمقراطي، تم التعامل معهما على أنهما "تهديدات أمنية" من حكوماتهما.

الناشط نبيل رجب أدين بتهمة انتقاد الحرب على اليمن وأوضاع المعتقلين السياسيين في البلاد

نبيل رجب، وهو رئيس مركز البحرين لحقوق الإنسان، اُعتقل في يونيو/حزيران 2016، واُحتجز لأكثر من عام ونصف، وكان معظم ذلك الوقت في الحبس الانفرادي، وفي فبراير/شباط من هذا العام، تم تقديمه للمحاكمة، وسرعان ما أُدين بتهمة "نشر شائعات كاذبة في وقت الحرب، والإساءة إلى بلد أجنبي، وإهانة الهيئة القانونية"، بسبب تغريدات تنتقد الضربات الجوية السعودية في اليمن ولاتهامه سلطات بلاده بممارسة التعذيب في سجن "جو" البحريني بعد أحداث شغب وقعت فيه في مارس/آذار 2015.

قضى نبيل رجب عامين في السجون البحرينية، منها 9 أشهر رهن الحبس الانفرداي، وهو ما يرقى بحسب العفو الدولية لمستوى التعذيب، وكانت التهمة "نشر شائعات والتضليل"،  بعد انتقاده الحكومة البحرينية في مقابلات تليفزيونية أجراها في عامي 2015 و2016، قال فيها إن السلطات البحرينية لم تمنح منظمات حقوق الإنسان حق الوصول إلى البلاد.

كان نبيل قد قضى بالفعل عدة سنوات داخل وخارج السجن بسبب رفضه المستمر لوقف انتقاده السلمي للانتهاكات الواسعة النطاق لحقوق الإنسان في النظام البحريني، ومثل أحمد منصور، فهم رجب أن الاستمرار في رحلة الحرية والإصلاح الديمقراطي سيعني حتمًا المزيد من الوقت في السجن.

في حين كان منصور "آخر رجل يتحدث" في الإمارات والمنطقة عن انتهاكات حقوق الإنسان، كان تقريبًا كل الناشطين الآخرين في دول مجلس التعاون الخليجي إما في السجن أو في المنفى

كان لديه حقيبة صغيرة مجهزة بالقرب من الباب، وينتظر إما هجوم في منتصف الليل يقتاده إلى السجن أو مكالمة هاتفية صباحية لإرشاده لتقديم نفسه إلى مكتب المدعي العام، ومثل عائلة أحمد منصور، عانت عائلة نبيل - زوجته الشجاعة سمية وأطفالهم - معاناة شديدة، وقد حمل ابنه آدم بشجاعة الكفاح من أجل الحفاظ على اسم والده في المجال العام.

ويضاف إلى الحكم بالسجن لعامين، حكم آخر أيدته محكمة التمييز البحرينية، بالسجن 5 سنوات، وهو حكم نهائي ولا يمكن الطعن به، وُصف بـ"المشين والمخل بالعدالة" من منظمة العفو الدولية، واستنكرت لين معلوف مديرة بحوث الشرق الأوسط بالمنظمة، أن تأتي إدانة رجب لمجرد تغريدات عبَّر بها عن رأيه، وذلك - بحسب قولها - يكشف فيها أن نظام العدالة في البحرين عبارة عن مهزلة.  

مُعارض المليون دولار

منذ أوائل عام 2011، وُضع أحمد منصور، وهو أب لأربعة أطفال صغار، تحت الرقابة الإلكترونية بعد توقيفه بسبب توقيعه على عريضة تطالب بإصلاحات ديمقراطية واقتصادية، بالتزامن مع الربيع العربي الذي لا يخفى موقف الإمارات منه.

وفي أبريل/نيسان من ذلك العام، أُلقي القبض على منصور واحتجز في السجن لما يقرب من 8 أشهر، وأُدين مع 3 آخرين من المدافعين عن حقوق الإنسان بـ"إهانة السلطات"، في محاكمة اعتبرت على نطاق واسع أنها "جائرة" للغاية.

الناشط أحمد منصور اعتقل في العام 2011 بتهمة انتقاد الحكومة على وسائل التواصل الاجتماعي

وفي 27 من نوفمبر/تشرين الثاني، وبعد محاكمة غير عادلة، حكمت عليه المحكمة الاتحادية العليا في أبو ظبي بالسجن 3 سنوات بتهمة الإساءة إلى كبار المسؤولين في البلاد، وفي اليوم التالي، وبفضل غضب دولي كبير، تم العفو عنه مع المحكوم عليهم الآخرين، وبحلول الوقت الذي أُفرج عنه فيه، كان قد فقد وظيفته كمهندس كبير في إحدى شركات الاتصالات.

في وقت لاحق، رفضت الحكومة أن تصدر له شهادة حسن سلوك، مستشهدة بإدانته، ودون الشهادة، لا يمكن توظيفه في القطاع الخاص أو العام، وتمت مصادرة جواز سفره ومُنع من السفر، وهو حظر رفضت السلطات رفعه حتى لا يتمكن من الحصول بنفسه على جائزة "مارتن إينالز" المرموقة للمدافعين عن حقوق الإنسان لعام 2015 في جنيف.

وفي حين كان منصور "آخر رجل يتحدث" في الإمارات والمنطقة عن انتهاكات حقوق الإنسان، كان تقريبًا كل الناشطين الآخرين في دول مجلس التعاون الخليجي إما في السجن أو في المنفى أو تم إسكاتهم بالترهيب مما سوف تفعله السلطات، ليس فقط لهم، ولكن أيضًا لعائلاتهم وأحبائهم.

منصور، وهو عضو في اللجنة الاستشارية للشرق الأوسط في "هيومن رايتس ووتش"، تعرض أيضًا لاعتداءات بدنية وتهديدات بالقتل ومراقبة الحكومة وحملة تشهير عبر الإنترنت، تم تنظيمها بواسطة جهاز أمن الدولة الذي سخر تويتر وفيسبوك والرسائل النصية والتليفزيون والإذاعة لنشر معلومات خاطئة عنه لخلق بيئة من الكراهية، وتضمنت الحملة العديد من التهديدات بالقتل، وتُقدر تكلفة السُبل المشابهة لاختراق هواتف الآيفون بمليون دولار، ما أدى بمنظمة "سيتزن لاب"، ومقرها تورنتو، إلى تلقيب منصور بـ "مُعارض المليون دولار".

أمثال أحمد منصور قد لا يكون لهم حظ فيما نعم به مثلاً المتهم البريطاني بالتجسس، ماثيو هيدجز، الذي حظي بعفو رئاسي بعد أن أُدين بالسجن مدى الحياة

في مارس/آذار من عام 2017، تم ضبطه واقتياده إلى مكان مجهول، ولم يكن لدى عائلته أي فكرة عن مكان وجوده ولم يكن لديها أي اتصال معه، وحُرم من الاتصال بمحامٍ من اختياره، وبعد ما يقرب من عام من اعتقاله، تم تقديمه للمحاكمة، وحُكم عليه بالسجن لمدة 10 سنوات وغرامة قدرها مليون درهم (272.300 دولار)، و3 سنوات تحت المراقبة بعد انتهاء مدة الحكم، ومصادرة أجهزته الإلكترونية.

دفع أحمد وعائلته ثمنًا باهظًا للدفاع عن حقوق الإنسان، وكانت التهمة "التشهير بالإمارات على وسائل التواصل الاجتماعي"، بعد إدانته بإهانة هيبة ومكانة الإمارات ورموزها بما في ذلك قادتها، والسعي إلى إلحاق الضرر بعلاقة الإمارات مع جيرانها بنشر تقارير ومعلومات زائفة على وسائل التواصل الاجتماعي".

في مايو/أيار، قضت محكمة في أبو ظبي على منصور بالسجن 10 سنوات، وتحدثت منظمات حقوقية عن تعرضه للتعذيب الجسدي والتهديد بالقتل، ليأتي قرار محكمة المحكمة الاتحادية العليا في الإمارات، وهي أعلى محكمة في البلاد تنظر في قضايا أمن الدولة، التي أيدت الحكم غير القابل للطعن، لتضيع آخر فرصة للإفراج المُبكر عن الناشط الإماراتي.

صفعة شديدة لحرية التعبير  

بهذا وصفت منظمة العفو الدولية تأييد الحكم على أحمد منصور، لكنها ليست الصفعة الوحيدة، فليس منصور سوى واحد من مئات من معتقلي الرأي الذين يتعرضون داخل الإمارات لأبشع أنواع الانتهاكات، لكن أمثاله قد لا يكون لهم حظ فيما نعم به مثلاً المتهم البريطاني بالتجسس، ماثيو هيدجز الذي حظي بعفو رئاسي بعد أن أُدين بالسجن مدى الحياة.

ولم تكن الصدفة وحدها ما جمع بين الإمارات والبحرين في تأييد حكمين قاسيين بالسجن على خلفية الرأي بحق ناشطين من مواطني البلدين، فلكلا البلدين سجل حقوقي متخم بالانتهاكات التي نددت بها كثيرًا منظمات حقوقية دولية، بينما يؤكد مسؤولو البلدين في الوقت ذاته تبني سياسات تحررية وانفتاحية.

وفي حين يعلن الشيخ خليفة أن عام 2019 "عام التسامح"، لتسليط الضوء على الإمارات كعاصمة عالمية للتسامح، وترسيخ قيم التعايش والسلام في المجتمعات المحلية والإقليمية والدولية، تُنهي الدولة هذا العام بمثل هذا العمل الذي يكشف قمة النفاق في مجال حقوق الإنسان.

كذلك، وظفت الإمارات عددًا كبيرًا من شركات العلاقات العامة الأمريكية والبريطانية للترويج لصورة من الحكم المتنور، وفي نوفمبر/تشرين الثاني، موّلت الإمارات القمة العالمية للتسامح التي تجمع مسؤولي الحكومات والدبلوماسيين والأكاديميين "للاحتفال بالتنوع بين الناس من جميع مناحي الحياة، بغض النظر عن اختلاف وجهات النظر السياسية، طالما لا تتضمن هذه الآراء، على ما يبدو، أي إشارة إلى الانعدام العنيف للتسامح مع المعارضة السياسية السلمية.

حكما السجن المؤكدان على كلا الناشطين الحقوقيين يطبعان نهاية قاتمة لعام 2018 من حيث حرية التعبير رغم أن السجل العربي في هذا العام من جهة حرية التعبير تحديدًا لم يكن يحتاج لمزيد من القتامة

كما كان مؤتمر رواد التواصل الإجتماعي العربي الذي احتضنته إمارة دبي سيحظى - كما تقول منظمة هيومان رايتس وواتش - بقليل من المصداقية لو أن  دولة الإمارات التي تحتضنه لم تسجن أحمد منصور وغيره من النشطاء فقط لأنهم استخدموا وسائل التواصل الإجتماعي للتعبير السلمي عن آرائهم، فكيف تحتضن الإمارات المغردين وتعتقل زملاءهم؟  

بحسب مقال للكاتب جو ستورك في موقع لوبلوغ، يمكن للمرء العثور على مقالات وافتتاحيات في وسائل الإعلام الأمريكية عن اضطهاد المدافعين عن حقوق الإنسان حين يتعلق الأمر بالصين أو فنزويلا أو سوريا، لكن نادرًا ما يحصل ذلك عندما يتعلق الأمر بالبحرين، كما أنه لا يحصل أبدًا في حالة الإمارات.

حكما السجن المؤكدان على كلا الناشطين الحقوقيين يطبعان نهاية قاتمة لعام 2018 من حيث حرية التعبير رغم أن السجل العربي في هذا العام من جهة حرية التعبير تحديدًا لم يكن يحتاج لمزيد من القتامة، لكن هكذا شاءت سلطات دول عربية أن يكون السجن مقابل التغريد على تويتر.