مع الساعات الأولى للعام الجديد دخل المئات من عمال شركة كفر الدوار للغزل والنسيح بمحافظة البحيرة في إضراب مفتوح بسبب تأخر صرف رواتبهم والحوافز الخاصة بهم، حيث افترشوا أرض المصنع والمداخل داخل أسوار الشركة، مطالبين بسرعة الحصول على مستحقاتهم كشرط لإنهاء الإضراب وتجنبًا للتصعيد في مواجهة الشركة التي تعد من أعرق شركات الغزل والنسيج في الشرق الأوسط.

العمال أشاروا إلى عدم حصولهم على العلاوة السنوية التي تقدر بشهرين مع احتفال المسيحيين بالعيد المقرر 25 من ديسمبر من كل عام وهذا هو وقت نهاية السنة المالية للشركة، غير أنهم فوجئوا بعدم صرف مستحقاتهم بدعوى عدم وجود أموال، مضيفين أنهم مستمرون في إضرابهم عن العمل داخل أسوار الشركة حتى يتم صرف مستحاقاتهم.

ليست المرة الأولى التي يدخل فيها عمال الشركة في إضراب مفتوح احتجاجًا على تأخر صرف المستحقات أو سوء تعامل الإدارة معهم، حيث سبق لهم المطالبة بإقالة مدير الشركة في مارس الماضي بعدما احتجزوه داخل مكتبه ومنعوه من الخروج جراء طريقة تعامله معهم التي زادت من حالة الاحتقان.

شهدت مئات المصانع والشركات موجة من الخسائر منذ تطبيق قرار تعويم العملة المحلية المصرية "الجنية" في نوفمبر 2016 هذا بخلاف التوجه العام للدولة بإغلاق المؤسسات التي لم تحقق نجاحات خلال الفترة الأخيرة، وهو ما انعكس وسينعكس بصورة كبيرة على مئات الآلاف من العاملين، تساوى في ذلك القطاع العام والخاص، ما يشير إلى أن إضراب عمال كفر الدوار لن يكون الأخير.. فهل يصبح العام الحاليّ 2019 هو عام الاحتجاجات في مصر؟

299 احتجاجًا في 9 أشهر

رغم التضييق الكبير على حرية الاحتجاج العمالي في مصر خلال السنوات الأخيرة جراء حزمة من القوانين والإجراءات التي قد تكلف العامل المحتج سنوات يقضيها في غياهب السجون، لم يمنع ذلك الكثير منهم من التعبير عن رأيه مهما كلفه الأمر في ظل أوضاع يصفها البعض بـ"القاتلة".

في التسعة أشهر الأولى من العام المنقضي 2018 نجح عمال مصر في تنفيذ 299 احتجاجًا، بمتوسط 33 احتجاجًا في الشهر، وفقًا لتقرير مؤسسة مؤشر الديمقراطية التابع للشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، فيما وصلت في بعض الأشهر إلى 62 احتجاجًا كما في نوفمبر الذي يعد الأكثر سخونة تلاه أكتوبر بـ60 احتجاجًا.

القطاعات الأكثر حضورًا في مجال الاحتجاج كانت القطاعات العمالية التي تمحورت في 10 قطاعات على رأسها شركات الغزل والنسيح والقطاعات الصناعية المملوكة للدولة مثل الحديد والصلب والقومية للأسمنت، وقطاع النقل والمواصلات، والتعليم والصحة، والهيئات الحكومية، والأعمال الحرة، والصحافة والإعلام، والرياضة والزراعة، والقطاع القانوني.

ليست المرة الأولى التي تدرج فيها مصر على هذه اللائحة السوداء لمنظمة العمل الدولية، حيث أدرجت 3 مرات قبل ذلك

وفق التقرير كانت الحقوق الاقتصادية (الأجور والحوافز والمستحقات) هي المحرك الأول للاحتجاجات (282 احتجاجًا) بنسبة بلغت 94% من إجمالي الاحتجاجات، بينما استحوذت المطالب المدنية والسياسية على 6% فقط من الاحتجاجات بـ17 احتجاجًا، وهو ما يذهب إلى أن التحركات العمالية جاءت في المقام الأول للمطالبة بحقوقها الضرروية بعيدًا عن أي توجهات سياسية أو أيديولوجية كما يروج البعض.

تصدرت الوقفات الاحتجاجية قائمة الأساليب التي اتبعها العمال في احتجاجاتهم، بنسبة 36% فيما جاء الإضراب عن العمل في المرتبة الثانية بنسبة 27% بينما الاعتصام ثالثًا بنسبة 9.6% في الوقت الذي حل التجمهور في المرتبة الرابعة من بين أدوات الاحتجاج العمالي بنسبة 9%.

جدير بالذكر أنه وفي التقرير الختامي للمركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية (مؤسسة قانونية حقوقية مستقلة) رصد خلال العام 2016، ما يقرب من 1736 وقفة احتجاجية، بزيادة قدرها 30% عن العام 2015 الذي وصل عدد الاحتجاجات به 1400 وقفة، وتصدرت الوقفات الاحتجاجية العمالية القائمة بإجمالي 726 وقفة، تلتها الاحتجاجات الاجتماعية بإجمالي 633 وقفة، ثم الاقتصادية في المركز الثالث بعدد 377 وقفة.

وقفة لعمال شركة المنوفية للغزل والنسيح

القائمة السوداء للحريات النقابية

التضييق المبالغ فيه على الحريات النقابية والعمالية في مصر دفع المنظمات الدولية لتوجيه الإدانات والانتقادات المتتالية للسلطات الحكومية مطالبة إياها بفتح المجال للتعبير عن آراء العمال فيما يتعرضون لهم بحرية، حيث أدانت منظمة العفو الدولية وبشكل كبير الحكومة المصرية بسبب الانتهاكات ضد العمال، لافتة إلى عشرات العمال الذين تعرضوا للفصل والمحاكمة والانتهاكات بسبب مطالبتهم بحقوقهم المشروعة.

وفي بيان لها أشارت المنظمة إلى اتخاذ السلطات المصرية سلسلة من الإجراءات التأديبية والجنائية للتضييق على العمال والنقابيين، فضلاً عن مساعيها لتعديل القوانين القائمة لتشديد القيود على حقوق العمال، فيما وصفت نجية بونعيم، مديرة الحملات في المكتب الإقليمي لمنظمة العفو الدولية في تونس، الانتهاكات التي تمارس ضد العمال في مصر بأنها نوع من التأديب تقوم به السلطات المصرية تستهدف العمال والنقابيين لمعاقبتهم وردعهم عن التجمع أو الإضراب.

أما منظمة العمل الدولية فقد أدرجت مصر في عام 2017/2018 على لائحة الحالات الفردية المعروفة إعلاميًا بـ"القائمة السوداء" للمنظمة الخاصة بالدول التي تمارس انتهاكات بحق العمال، وتخالف ما تعهدت به من التزامات أمام المنظمة الدولية، مع العلم أنها ليست المرة الأولى التي تدرج فيها مصر على هذه اللائحة، حيث أدرجت 3 مرات قبل ذلك، الأولى عام 2008 بسبب إغلاق دار الخدمات النقابية، والثانية في 2010 بسبب تعهد الحكومة وقتها بتغيير قانون النقابات وهو ما لم يحدث، والثالثة كانت في 2013 وقت حكم جماعة الإخوان للسبب ذاته وإصرار الحكومة على قانون النقابات الحاليّ الذي يخالف الاتفاقيات التي وقعت مصر عليها.

قانون العمل حال تطبيقه سيتسبب في قطع أرزاق الملايين من العمال في ضوء تمرير الفصل التعسفي كحق للإدارة دون قدرة للعامل على الاعتراض أو الاستشكال على مثل هذه القرارات التي ربما تطيح بعشرات الملايين من الأسر في الشارع

تواطؤ ضد العمال

"نحن في دولة استبدادية تتعامل مع الحركة العمالية والاحتجاجات بعنف مبالغ فيه"، بهذه الكلمات وصف كمال عباس، المنسق العام لدار الخدمات النقابية والعمالية المصرية، الوضع العمالي في بلاده، ناعتًا المشهد العمالي الحاليّ بـ"العبثي".

عباس في حوار له بجريدة "الشروق" المصرية أشار إلى أن العمال يعيشون أسوأ أوضاعهم بعد ثورة 25 يناير، على صعيدين، أولهما الحالة الاقتصادية والاجتماعية التي ساءت للغاية بعد زيادة نسبة التضخم التي بلغت 32% ورفع الدعم وزيادة الأسعار، ضمن ما يسمى بالإصلاحات الاقتصادية، التي تحمل تبعاتها الفقراء وفي قلبهم العمال، في ظل عدم زيادة المرتبات، والثاني وضع الحريات النقابية الذي يعد أسوأ ما يكون، في ظل حرص الحكومة على استنساخ نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك، ودفعها بكل قوة إلى مساندة رموز الاتحاد العام لنقابات عمال مصر، رغم فساده الكبير وعلم المسؤولين بذلك.

48 شركة خاسرة من بين 121 شركة تابعة للشركات القابضة بخسائر وصلت لـ7.5 مليار جنيه

المنسق العام لدار الخدمات النقابية والعمالية المصرية كشف عما أسماه "تواطؤ" الحكومة ممثلة في الاتحاد العام لنقابات العمال والمعين من الدولة، ضد العمال والشعب المصري بصورة عامة، وذلك من خلال تسهيل بيع القطاع العام وخصخصة الشركات، والتلاعب بمصير العمال من أجل مكاسب شخصية، منوهًا أن هناك العديد من الشكاوى المقدمة ضد قيادات في الاتحاد والحكومة ولم يتم تحريكها حتى الآن في مشهد وصفه بـ"الغريب".

وفي السياق ذاته وجه المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية  حزمة من الانتقادات لقانون العمل الجديد لما يحمله من قنابل موقوتة بحق العمال، لافتًا إلى أن القانون حال تطبيقه سيتسبب في قطع أرزاق الملايين من العمال في ضوء تمرير الفصل التعسفي كحق للإدارة دون قدرة للعامل على الاعتراض أو الاستشكال على مثل هذه القرارات التي ربما تطيح بعشرات الملايين من الأسر في الشارع.

خسائر كبيرة للشركات بسبب تعويم الجنيه المصري

ماذا عن 2019؟

تسبب قرار التعويم فضلاً عن السياسات الاقتصادية الأخرى في حالة من الركود الاقتصادي في الدولة أسفر عن غلق العديد من المصانع والشركات فيما تكبد المئات منها خسائر جمة انعكست بشكل أو بآخر على قدرتها على سداد حقوق العاملين بها، خاصة بعدما وصلت نسب التضخم إلى أرقام قياسية وإن تراجعت في الفترة الأخيرة إلى 14.4% خلال يونيو/حزيران الماضي.

هشام توفيق وزير قطاع الأعمال العام، كشف وجود 48 شركة خاسرة من بين 121 شركة تابعة للشركات القابضة بخسائر وصلت لـ7.5 مليار جنيه، وتم تحديد الشركات الأكثر خسارة، وهم 26 شركة يحققون قرابة 90% الخسائر، مشيرًا إلى أن شركات قطاع الأعمال كانت تخسر منذ عقود، وكانت جمعياتها العمومية حينما تنعقد لا تستطيع أن تأخذ قرارًا بتصفيتها حتى لو خسرت كل رأسمالها.

معظم القطاعات تأثرت سلبًا بهذه السياسات المتبعة على رأسها قطاع صناعة الملابس الجاهزة، وهو ما أكد عليه محمد عبد السلام رئيس غرفة صناعة الملابس الجاهزة باتحاد الصناعات الذي كشف أن القطاع تكبد خسائر تصل لـ30% من التكاليف الحقيقية للإنتاج، وذلك بسبب اضطرارها إلى تثبيت الأسعار لمواجهة الركود الشديد الذي يضرب الأسواق وذلك رغم ارتفاع تكاليف الإنتاج.

كذلك قطاع مواد البناء، فعلى سبيل المثال تطورت أزمة ارتفاع أسعار الأسمنت في الآونة الأخيرة، وتسببت في ركود لقطاع البناء، بعد زيادتها من 450 إلى 1100 جنيه للطن الواحد، علاوة على هذا تسبب الارتفاع في حدوث عملية "كساد" لبعض المقاولين، ومن ثم عشرات الآلاف من العمالة باتت دون عمل.

قديمًا كان العاملون في الحكومة يعتبرون أنفسهم في مأمن من المخاطر والفصل، وهو ما تؤصله المقولة التراثية (إن فاتك الميري اتمرغ في ترابه) لكن في الآونة الأخيرة تقاسم العاملون في القطاع الخاص والعام فاتورة التهديدات التي تلاحق كليهما دون تفرقة

محمد عطية رجل أعمال مصري اضطر في أعقاب تعويم الجنيه إلى غلق مصنعه (إنتاج الأحذية) والسفر لإحدى دول الخليج بعدما ارتفع معدل التضخم وبات لا يقدر على الوفاء بمستحقات العاملين، يقول في حديثه لـ"نون بوست": "كنت أحقق مكاسب سنوية قبل التعويم غير مسبوقة، وكانت هناك حوافز شهرية تصرف للعاملين، لكن بعد ذلك انقلب الوضع، وارتفعت أسعار المواد الخام المستوردة من الخارج، وما كان أمامي إلا أن أرفع أسعار المنتجات، لكنها لم تحقق نسب المبيعات المطلوبة فزاد الركود والخسائر فاضطررت لغلق المصنع وتسريح العمالة".

فيما يشير (شريف .. ع) عامل بإحدى شركات الغزل، بأنه لم يتقاض راتبه منذ 3 أشهر وأن زملاءه قرروا التصعيد مع الشركة بالدخول في إضراب مفتوح والامتناع عن العمل حتى الاستجابة للمطالب، لافتًا في حديثه لـ"نون بوست" أن هذا الوضع هو السمة العامة لمئات المصانع والشركات طيلة العامين الماضيين، مرجحًا أن تتصاعد وتيرة الاحتجاجات العمالية خلال هذا العام خاصة مع ما يثار بشأن غلق المصانع الخاسرة واللجوء للخصصة كبديل للهروب من المسؤولية بحسب قوله.

قديمًا كان العاملون في الحكومة يعتبرون أنفسهم في مأمن من المخاطر والفصل، وهو ما تؤصله المقولة التراثية (إن فاتك الميري اتمرغ في ترابه) لكن في الآونة الأخيرة تقاسم العاملون في القطاع الخاص والعام فاتورة التهديدات التي تلاحق كليهما دون تفرقة، إذ باتت المصانع التابعة للحكومة على رأس المستهدفين بالتصفية خلال الفترة المقبلة، علمًا بأن عدد العاملين في مصر بصورة إجمالية بلغ قرابة 25 مليون 6 منهم في القطاع العام والباقي في القطاعات الخاصة.