ما معنى أن يكون الإنسان “ثوريًا” وهو يصطف مع محور الثورات المضادة، وتقوم إحدى دول هذا المحور بتمويل نشاطه “الثوري” المفترض ! والجميع يعرف يقينًا - وهذه الدول لا تخفي- عدائها للربيع العربي وجميع قوى التحرر في المنطقة، سنيّة أو شيعيّة، وعليه فلا معنى لحديث كثير من المعارضين عن “الثورة” وهم يمثلون منظومة تريد أن تسلم المنطقة بكاملها، لا فلسطين فحسب، إلى أمريكا و “إسرائيل”والحفاظ على الأنظمة الاستبداديّة فيها .

هؤلاء الذين تقوم “ثوريتهم” وكل طموحاتهم الشخصيّة، على عطايا بن سلمان وبن زايد، لا يدركون أنهم قد يصبحون بلا عمل خلال أشهر -منهم من أصبح بلا عمل فعليًّا خلال الفترة الماضية- ولن يتبقى من يدفع لهم حتى يكملوا مسيرتهم “الثوريّة”، ولأنهم اعتادوا الحصول على المال السهل، وليس لديهم عمل حقيقيّ يمارسونه لكسب لقمة العيش وتحقيق “الرفاه” أصبحوا وبكامل الرضا “عملاء” وألغام موقوتة داخل بلدانهم، وعملاء محتملين لعدد من أجهزة المخابرات، ويتوقف تشغيلهم عند أول “حوالة” تصل إلى حساباتهم البنكيّة .

لم يعد اليوم “التطبيل” و “العداء لإيران وتركيا الإخوان” كافيًا للحصول على التمويل، لقد دخل التطبيع مع نظام الأسد والكيان الصهيونيّ على الخط، عليك أن تكون طائفيًا ومعاديًا للربيع العربي وقطر والإخوان وأردوغان وإيران، و “أسديًّا” وصهيونيًّا، بالضرورة؛ ولن يقبل منك أقل من ذلك، هذه “قواعد السوق” الجديدة.

الحرب التي يقودها الكيان الصهيونيّ ووكلائه الصغار في المنطقة، ضد القوى الإسلامية يدفع الإسلاميين دفعًا للتقارب مع إيران، والتحالف مع تركيا وقطر

نظرة واقعيّة إلى واقعنا الرديء، ندرك حجم الاستهداف السياسيّ والاقتصادي للنظامين التركي والإيراني، ونظرة سريعة إلى الخليج، لن نرى فيها إلا النار والدم في العدوان الإماراتي-السعودي على اليمن، والغدر في حصار قطر، وتسليم البحرين للمؤسسات العسكرية والأمنية السعودية لحماية الملك من الشعب، وجهود حثيثة وعلنيّة متسارعة في التطبيع مع الكيان الصهيونيّ، ومحاولة تسريع تسليم المنطقة لهم، وآخرها وصول نتنياهو إلى مسقط والتقاط صور رفقة السلطان قابوس -يقفون أمام خارطة ويظهر فيها نتنياهو فيما يبدو أنه يشرح للسلطان قابوس مشروع التمدد الصهيوني في المنطقة- ! 

ذهابًا إلى “أم الدنيا”، يتصرف السيسي اليوم كـ”موظف صغير” في السفارة الإسرائيلية في القاهرة، وكل جهوده تبذل في خدمة الكيان - مع اشتداد وامتداد مظاهرات العودة الفلسطينية قادت المخابرات المصريّة وبأمر من الكيان الصهيوني جهودًا كبيرًا لإقناع الفلسطينيين بإيقاف هذه الفاعليات، وهددت  مصر أنها ستستمر بحرمان غزة من عمليات إدخال الأدوية والأطعمة - هل هناك سياسات أكثر صهيونيّة من هذا ! وفي المغرب العربي، تستمر الأموال الخليجيّة في حرق ما تبقى من ليبيا عبر دعم مليشيا اللواء حفتر -عميل قديم لجهاز المخابرات الأمريكيّة cia، بحسب وثائق رسميّة- وإمداده بالنار والبارود اللازم لتحويل ليبيا أو ما تبقى منها إلى رماد، ومحاولات حثيثة للإنقلاب على الربيع التونسي وإجهاض أي تجربة ديمقراطية ممكنة، بالطبع لا يوجد الكثير للحديث عنه في لبنان، حيث هناك رئيس وزراء كان مختطفًا قبل فترة ويتلقى الصفعات المذلة والمهينة من مموليه السعوديين !

بناءًا على ما سبق، يحق لأبناء الربيع العربي، وفي طليعتهم جماعة الإخوان المسلمين، العمل على تطويرات سياسات جديدة تحقق تطلعاتهم المستقبليّة، عبر البوابة التركية-القطرية- الإيرانيّة، إن الحرب التي يقودها الكيان الصهيونيّ ووكلائه الصغار في المنطقة، ضد القوى الإسلامية يدفع الإسلاميين دفعًا للتقارب مع إيران، والتحالف مع تركيا وقطر، بل يصبح من واجب هذه الجماعات العمل على تطوير سياسات جديدة والانطلاق بعقليّة جديدة لإدارة الصراع، ولعب أدوار تقريبيّة بين هذه الدول، والدفع نحو تشكيل محور قطري-تركي-إيراني في مواجهة محور "إسرائيل" ووكلائها في الرياض وأبو ظبي والقاهرة، ودون ذلك سيبقى الجميع عرضة لخناجر "إسرائيل" ووكلائها المسمومة؟

ردّة فعلنا لا يجب أن تكون السخرية؛ بل يفترض بنا أن تتذكّر أننا في معركة قدمنا فيها أكثر من مليون شهيد، من ميدان رابعة العدوية في مصر إلى غزة واليمن وليبيا وتونس وسورية والبحرين مرورًا بميادين تركيا التي واجهت الإنقلاب العسكري ودحرته

هذه العقليّة الجديدة، ولا شيء آخر، هي ما سوف يهزم "إسرائيل" ومحور الثورات المضادة، وليست التنازلات والتوافقات ومهادنة محور العملاء. ما ردع السعودية والإمارات عن احتلال قطر هو الحضور السريع للقوات التركيّة، وما ردعهم في حرب اليمن هو قصف عاصمتهم الرياض، وما يردع الاحتلال الصهيونيّ عن شنّ حرب مقتوحة على حماس هو القدرة العسكريّة والتنظيميّة التي تتمع بها الحركة، وما طهر عفرين السورية من عملاء أمريكا و"إسرائيل" هو عملية “غصن الزيتون”، وما دحر محاولة الإنقلاب هو ملايين المواطنين والموقف الصلب للرئيس أردوغان والقوات المواليّة له؟

أولئك الذين يحاربون الإخوان المسلمين وتركيا وإيران وقطر  بالوكالة عن الصهاينة، انتعلوا أحذيتهم في وجوههم، وتعبوا وأرهقوا،  واستنفدوا أدواتهم، لكن بالنسبة لنا كأصحاب مشاريع تحرريّة فإن المعركة لا تزال في بدايتها، وحين نرى أعدائنا، متخبّطين أذلاء، فإن ردّة فعلنا لا يجب أن تكون السخرية؛ بل يفترض بنا أن تتذكّر أننا في معركة قدمنا فيها أكثر من مليون شهيد، من ميدان رابعة العدوية في مصر إلى غزة واليمن وليبيا وتونس وسورية والبحرين مرورًا بميادين تركيا التي واجهت الإنقلاب العسكري ودحرته