شنت حماس هجوماً مضاداً حمل لهجة تصعيدية بهذه الطريقة للمرة الأولى تجاه الرئيس الفلسطيني محمود عباس وجاء في بيان صادر عن الحركة : ”لقد أظهرت تصريحات عباس كم هو مستعر غاضب حانق غائب عن الوعي والمشهد السياسي والداخلي، فاقد للذاكرة، مضطرب، مختل التوازن، غارق في التفرد، ممعن بالإقصاء والانقسام واستمراره من خلال قراراته المتعجلة، واستخدامه مؤخرًا لألفاظ تسمم العلاقة الوطنية، وتفاقم الأزمة الداخلية“

وكان الرئيس الفلسطيني محمود عباس شن هجوماً حاداً على حماس بعد منعها اقامة احتفال انطلاقة حركة فتح بغزة، متهماً إياها وأنصار القيادي محمد دحلان بـ ”الجواسيس“، في حين رد مصدر أمني في الأجهزة الأمنية التابعة لحماس في غزة لـ ”نون بوست“ أن فتح لم تتبع الاجراءات القانونية لإقامة احتفالها في غزة، وكانت كل دعواتها للجماهير خارج القانون وهي من تتحمل تداعيات ذلك.

وفي نفس السياق يحتاج جماهير حماس في الضفة الغربية لترخيص من الأجهزة الأمنية الفلسطينية لعقد احتفالاتهم، ما يعني أن الحالة الفلسطينية بين الضفة وغزة قد وصلت حد القطيعة.

ومن خلال اللهجة التي اتبعتها حماس بعد خطوات عباس الأخيرة من حل المجلس التشريعي الفلسطيني والذهاب لانتخابات جديدة، يبدو أن الأخيرة فقدت الأمل في أي مصالحة مع الرئيس عباس، كما أن الأخير فقد أي طريق للتوافق أو إمرار حكومة التوافق الوطني لغزة، بعد تعنت حماس.

غزة والضفة مكشوفتان

هذا التصعيد الحاد في التصريحات يجعل من السهل أن يتم التفاوض مع غزة على حدة والضفة على حدة من قبل الاحتلال الإسرائيلي أو الإدارة الأمريكية التي تحمل صفقة القرن، أو من الأطراف الوسيطة كمصر وغيرها.

وكشف موقع كان العبري أن ليبرمان أبلغ شخصيات في السلطة الفلسطينية أن صفقة القرن ستشمل إقامة دولة فلسطينية بقطاع غزة، وحكم ذاتي للفلسطينيين في الضفة الغربية بدون القدس.

شن الرئيس الفلسطيني محمود عباس حملة خصومات طالت موظفي السلطة، وكذلك ضيق الخناق المالي على حماس ليمر دعمها الدولي أو العربي عبر حكومة الوفاق الوطني، أي تحت سلطته المالية

يعني ذلك تماماً التفاوض مع الفلسطينيين في الداخل الفلسطيني كل على حدة، غزة التي تحكمها حماس وبرعاية مصرية، والسلطة في الضفة التي تخضع لكافة الاتفاقيات الدولية، وترتبط باتفاقات أمنية مع إسرائيل، وتحظى بدعم مالي من منظمات ودول بشكل ثابت.

ومع أن حماس وعباس اتفقا على أنه لا دولة بدون الضفة ولا دولة في غزة، إلا أن السياق الذي تريده "إسرائيل" وأمريكا ضمن صفقة القرن وأشرنا له في تقرير سابق في نون بوست بعنوان ”السؤال الأهم فلسطينياً ماذا ومن بعد عباس؟“ هو تحويل الضفة لمجالس اقليمية وفق إدارة حكم ذاتي كأحد السيناريوهات المرشحة بقوة، وغزة دولة قائمة بذاتها تتحمل حماس مسؤولية الحالة الأمنية فيها مع تحسينات اقتصادية فيما يعرف بسلام اقتصادي مؤقت.

عباس يسعى لضم غزة مع حماس مالياً تحت سلطته

وقد شن الرئيس الفلسطيني محمود عباس حملة خصومات طالت موظفي السلطة، وكذلك ضيق الخناق المالي على حماس ليمر دعمها الدولي أو العربي عبر حكومة الوفاق الوطني، أي تحت سلطته المالية، لكن حماس استطاعت ادخال بعض الأموال القطرية، وبعض التمويل المقدم للمشاريع الاغاثية عبر تيار الاصلاح في حركة فتح التابع لدحلان.

يتطابق ذلك السياق في اطلاق مفاوضات مستقلة مع غزة وهو ما حصل مؤخراً من اتفاق دولي أمريكي عن طريق مصر مع حماس على حدة، لتحسين الظروف السياسية وفتح معبر رفح، أو الاتفاق أمريكياً واسرائيلياً لإرسال أموال قطرية عن طريق معبر إيرز دون إمرارها عبر السلطة الفلسطينية لتتجه مباشرة لحماس وبضوء أخضر إسرائيلي ما أثار حفيظة السلطة.

الأموال القطرية جاءت لحفظ الهدوء على الحدود الشرقية لغزة ووقف اطلاق البالونات الحارقة، سبقت جولة التصعيد الأخيرة، لكن بعد زيارة السفير القطري محمد العمادي إلى غزة في السادس من ديسمبر الماضي مرة أخرى يتوقع أن تصل بعدها الدفعة الجديدة من الأموال القطرية لموظفي حماس في غزة بنفس الآلية السابقة بعيداً عن مسار السلطة الفلسطينية الأسبوع القادم.

في رصد سريع لكافة الناطقين  أو القيادات من كلا الحركتين فتح وحماس فإن النسبة الأكبر من تصريحاتهم خلال العام المنصرم هي اتهامات متبادلة بين الطرفين

وكشف يحيى رباح القيادي في فتح أن الرئيس عباس وافق رسمياً على إعادة المستحقات للموظفين المستنكفين التابعين للسلطة في قطاع غزة،  وهو ما من شأنه أن يفصل تماماً بين موظفي السلطة وموظفي حماس وينعكس ذلك على الوضع السياسي خصوصاً، فالسلطة تريد لها موطئ قدم في غزة من خلال ما تقدمه من أموال لموظفيها.

ماذا بعد القطيعة بين الطرفين؟

في رصد سريع لكافة الناطقين  أو القيادات من كلا الحركتين فتح وحماس فإن النسبة الأكبر من تصريحاتهم خلال العام المنصرم هي اتهامات متبادلة بين الطرفين، وصلت إلى ما وصلت إليه من التخوين ورده، لكن القطيعة الحاصلة قد توجه المشهد الفلسطيني ليس كما ترنوا إليه حماس في غزة من إعادة تشكيل غرفة مشتركة للفصائل في الضفة الغربية على شاكلة غزة مثلاً، فهي ليس المتحكم السياسي ولا المالي في الضفة، بل إلى الفصل التام بنظامي أمر واقع وليس نظاماً سياسياً معترفاً دولياً.

ومع أن خطوة حل المجلس التشريعي لم تلق ترحيباً من الفصائل الفلسطينية إلا أن الفصائل عاجز أن تجد لها موطئ قدم سياسي أو عمل وطني مشترك في الضفة الغربية، وهنا يمكن الإشارة إلى أن عباس لا يريد ترك غزة نهائياً لذلك عزز وجوده المالي أكثر فيها باعادة الخصومات لموظفيه هناك، لأن استغنائه المالي عنها يعني فصلها ضمن مشاريع اغاثية وترتيبات اقتصادية وسياسية بعيداً عن سلطته، وعلى الطرف الآخر تمر حماس بأزمة مالية هي الأكبر في تاريخها، في ظل عجزها عن جمع المال من الخارج وتقليص مصادرها التمويلة، قد تصل إلى سهولة ترويضها سياسياً وهو ما تريده الأطراف الخارجية خصوصاً الإدارة الأمريكية، في النهاية كلا الطرفان خاسران في معركة القطيعة هذه.