مثلما كان متوقعًا، يواصل ملف تعامل الحكومة الجزائرية مع الهجرة غير الشرعية صنع الحدث في العام الجديد كما كان في السنوات الأخيرة الماضية، لكن هذه المرة مع المهاجرين العرب، بعد أن رحلت الجزائر لاجئين سوريين وفلسطينين من ولاية تمنراست الجنوبية إلى النيجر رفضًا لدخولهم البلاد بطريقة غير قانونية، وبين تبريرات السلطات المتعلقة بالجانب الأمني وانتقادات المنظمات الحقوقية المتعلقة بالجانب الإنساني يبقى هذا الملف من أكبر القضايا التي يتحتم على الجزائر معالجتها في أقرب وقت لتجنب أي صداع داخلي أو خارجي.

وتعد الحكومة الجزائرية باتخاذ إجراءات صارمة بعد أن رصدت محاولات تسلل مسلحين قادمين من سوريا بجوازات سودانية مزورة عبر النيجر، خاصة في ظل توالي تقارير أمنية استخباراتية عن إمكانية هجرة المقاتلين في سوريا إلى منطقة شمال إفريقيا بعد قرار الانسحاب الأمريكي والتهديدات التركية وتقدم قوات الأسد.

قرار

أعلن حسان قاسيمي المدير المكلف بملف الهجرة بوزارة الداخلية الجزائرية أن قرار الجزائر القاضي بعدم السماح للمهاجرين العرب القادمين عبر النيجر ومالي بالدخول إلى بلاده مسألة لا رجعة فيه، ونقل موقع  "TSA عربي" عن قاسيمي قوله: "لا يحق لأحد التلاعب بملف حساس كالهجرة غير الشرعية والاختباء وراء الطابع الإنساني للظاهرة".

سهل إلغاء التأشيرات بين البلدين قدوم عائلات سورية كثيرة للعيش في الجزائر بعد أحداث الثورة، خاصة بفضل التسهيلات التي تمنحها الحكومة لهم لولوج النشاط التجاري

وأشار ممثل وزارة الداخلية إلى أن بلاده "استقبلت أكثر من 50 ألف سوري لظروف إنسانية، على خلفية الأوضاع الصعبة التي يُواجهها هذا البلد، لكن عندما يُصبح بعض هؤلاء المهاجرين خطرًا على استقرار الوطن ويهددون أمنه فإن الجزائر مطالبة بالتحرك".

وتستقبل الجزائر معارضين سوريين منذ سنوات حتى أيام حكم حافظ الأسد وزاد عددهم عقب الثورة ضد بشار الأسد، لكن تمنع عليهم ممارسة السياسة على أراضيها، كما تبقي في الوقت ذاته على علاقات مميزة مع النظام السوري وكانت من المعارضين لقرار إخراج دمشق من الجامعة العربية.

وترافع الجزائر التي لم تقطع زيارات مسؤوليها إلى دمشق للحل السوري السوري، وترفض التدخل الأجنبي هناك من جميع الأطراف.

وسهل إلغاء التأشيرات بين البلدين قدوم عائلات سورية كثيرة للعيش في الجزائر بعد أحداث الثورة، خاصة بفضل التسهيلات التي تمنحها الحكومة لهم لولوج النشاط التجاري، لكن في الوقت ذاته تحرص على التعامل بصرامة مع من يريد أن يتخذها منبرًا لنشاطه السياسي.

وقال قاسمي إن بلاده أصبحت اليوم مهددة بظاهرة جديدة تتمثل في تسلل إرهابيين عرب قادمين من سوريا واليمن وفلسطين ينتحلون صفة "مهاجرين غير شرعيين"، وذلك عبر مسالك تؤطرها جماعات مسلحة تنتهي في النيجر الجارة الجنوبية للجزائر، ورد قاسمي على الانتقادات التي توجهها منظمات غير حكومية للجزائر بشأن تعاملها مع ملف الهجرة قائلاً: "قبل توجيه الاتهامات، من حقنا طرح تساؤل مشروع وهو: هل نحن فعلًا أمام مسألة وإشكالية لها علاقة بالهجرة أم إرهابيين يتسترون تحت غطاء إنساني لدخول الجزائر؟".

لدى الجزائر حساسية مفرطة تجاه التدخل الأجنبي في الشؤون الداخلية للدول، وتتمسك دائمًا بالحل الوطني لأي ملف سواء كان في مالي أم سوريا أم ليبيا أم اليمن أم العراق

وأضاف "المهاجرون العرب يعبرون على عدة عواصم منها مصر وتركيا والسودان وموريتانيا ومالي والنيجر دون أن يطلبوا اللجوء السياسي، رغم أن الشخص الذي يكون في حالة تهديد يطلب اللجوء السياسي في البلد الأول الذي يصل إليه، بالتأكيد هناك جهات مجهولة المصدر تمول هذه الدوائر الإرهابية".

ورحلت الجزائر عبر المعبر الحدودي 53 فلسطينيًا و47 سوريًا و 17 يمنيًا بتمنراست كانوا قادمين من النيجر، وقال قاسيمى في تصريح لصحيفة "المساء" الحكومية: "العديد من الجنود السابقين في الجيش السوري الذين دخلوا الجزائر بطريقة غير شرعية لهم اتصالات مع ضباط سامين في الجيش السوري الحر"، وحسب قاسيمي "فإن هذا الجيش وقفت قوى إقليمية على إنشائه بهدف الإطاحة بنظام بشار الأسد، ضمن تنفيذ نظرية الفوضى الخلاقة التي وضعتها كاتبة الدولة الأمريكية السابقة كوندليزا رايس في إطار رسم خريطة مشروع الشرق الأوسط الجديد".

ولدى الجزائر حساسية مفرطة تجاه التدخل الأجنبي في الشؤون الداخلية للدول، وتتمسك دائمًا بالحل الوطني لأي ملف سواء كان في مالي أم سوريا أم ليبيا أم اليمن أم العراق، وبعبارة أخرى، ترى الجزائر حتى ولو لم تصرح به رسميًا أي تدخل أجنبي في شؤون دولة عربية احتلالاً حتى ولو كان بموافقة طرف من أطراف النزاع في الدول سالفة الذكر.

خطر العائدين

لم يخف قاسيمي تأكيده أن بلاده تتابع باهتمام كبير ملف عودة المقاتلين من الشرق الأوسط والجزيرة العربية خاصة اليمن وسوريا إلى إفريقيا، الذين يتخذون من مالي والنيجر اللتين تعانيان هشاشة أمنية طريقًا لدخول الجزائر، بتأطير من جماعات مسلحة ومافيا الاتجار بالبشر.

رغم رفض الجزائر أن تلعب دور الدركي لوقف تدفق المهاجرين غير الشرعيين إلى أوروبا، فإنها لا تقبل في الوقت ذاته أن تصبح مركز عبور للمهاجرين غير القانونين سواء كانوا عربًا أم أفارقة

وحسب قاسيمي، فإن اتخاذ بعض المقاتلين الجنوب عبر السودان وصولاً إلى الجزائر طريقًا يأتي بعد لجوء دول منطقة البلقان إلى وضع إجراءات أمنية مشددة على طول حدودها لمنع تسلل عناصر التنظيمات الإرهابية ضمن قوافل اللاجئين الزاحفين إلى دول الاتحاد الأوروبي، وأشار قاسيمي إلى أن أعمار هؤلاء المهاجرين تتراوح بين 20 و30 سنة.

ولم ينف المرصد السوري لحقوق الإنسان صحة أن الموقوفين بتمنراست مقاتلون في الجيش السوري الحر، وأكد في وقت سابق أن "المهاجرين السوريين المحتجزين في تمنراست، يوجد من ضمنهم 25 منشقًا عن قوات النظام السوري من ضباط وضباط صف، دخلوا إلى تركيا وانتقلوا بعدها إلى السودان، ووصل بهم المطاف على يد أحد تجار البشر إلى الجزائر في محاولتهم الوصول إلى أوروبا".

ورغم رفض الجزائر أن تلعب دور الدركي لوقف تدفق المهاجرين غير الشرعيين إلى أوروبا، فإنها لا تقبل في الوقت ذاته أن تصبح مركز عبور للمهاجرين غير القانونين سواء كانوا عربًا أم أفارقة.

وحذر الأمين العام لمنظمة الشرطة الدولية الإنتربول يورغن شتوك في ديسمبر/كانون الأول الماضي من أن تعيش عدة مناطق من العالم منها إفريقيا خطر الموجة الثانية من الأنشطة المرتبطة بتنظيم داعش، مع اقتراب موعد الإفراج عن كثيرين من مؤيدي هذا التنظيم الإرهابي من الذين أُدينوا في جرائم إرهابية ثانوية.

رغم تفهم الجميع المخاوف الأمنية للجزائر التي عاشت عشرية دموية في تسعينيات القرن الماضي أودت بحياة أكثر من 200 ألف شخص من مواطنيها، يبقى عليها كسب الحرب ضد المنظمات الحقوقية التي ترى رفض استقبالها لهؤلاء المهاجرين منافيًا للمواثيق الدولية

ويبدو أن تفطن السلطات الجزائرية لهؤلاء المقاتلين يرجع إلى تحذيراتها السابقة التي تعود إلى نهاية 2017 عندما دعت إلى التجند ضد عودة المقاتلين الأفارقة في تنظيم داعش إلى بلدانهم الأصلية بعد هزيمة التنظيم في الشام والعراق.

حرب حقوقية

رغم تفهم الجميع المخاوف الأمنية للجزائر التي عاشت عشرية دموية في تسعينيات القرن الماضي أودت بحياة أكثر من 200 ألف شخص من مواطنيها، يبقى عليها كسب الحرب ضد المنظمات الحقوقية التي ترى رفض استقبالها لهؤلاء المهاجرين منافيًا للمواثيق الدولية التي وقعت عليها وانتهاكًا لحقوق الإنسان خاصة لأشخاص في حاجة لمساعدة إنسانية.

وبرأي حسان قاسيمي فإن "المنظمات غير الحكومة التي تنتقدنا تقوم بمراوغات خطيرة، في حالة السوريين، المسألة ليست متعلقة بالهجرة وإنما بتهديد الأمن الوطني"، وذكر قاسيمي أن الجزائر "أظهرت تضامنًا مع الشعب السوري في أصعب لحظاته، في الوقت الذي تهرب البعض الآخر من مسؤولياته الإنسانية لكنهم يحاولون اليوم إدانة الجزائر واتهامها بالترحيل القسري للمهاجرين".

ونددت الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان غير الحكومية في وقت سابق في بيان اطلع عليه "نون بوست" بترحيل الحكومة سوريين أوقفوا في تمنراست إلى النيجر يومي 25 و26 من ديسمبر 2018، وقالت الرابطة  وقتها إنها "تندد بعملية الترحيل القسري التي استهدفت أفرادًا من طالبي اللجوء قدموا للجزائر بحثًا عن الحماية، فمثل هذا الإجراء يعد انتهاكًا مقصودًا لاتفاقية جنيف الخاصة باللاجئين التي صادقت عليها الجزائر".

غير أن الرابطة تراجعت عن موقفها في تصريح جديد لـ"نون بوست"، وأكدت أنها تواصلت مع مصدر على صلة بالملف أكد أن "السلطات الأمنية والعسكرية في الجزائر لها معلومات استخباراتية بأن هناك بعض الدوائر المشبوهة على المستوى الدولي تحاول تسهيل تدفق المقاتلين الذين كانوا في سوريا والعراق واليمن إلى جنوب الجزائر عبر ممرات من تركيا أو الأردن ثم يأخذون طريقهم من مصر إلى السودان ثم إثيوبيا وتشاد وأخيرًا النيجر الحدودية للجزائر".

وبالنظر إلى التطورات المتسارعة التي تعرفها سوريا واليمن وبعض الدول الإفريقية في الفترة الأخيرة، يبدو أن ملف محاولة تسلل مسلحين إلى الجزائر تحت غطاء مهاجرين غير شرعيين لن يتوقف عند حادثة تمنراست، فالأيام القادمة قد تحمل المزيد، ومن ثم على الجزائر بذل مزيد من الجهود للتصدي لهذه الظاهرة بالمزاوجة بين الواجب الإنساني المطالبة باحترامه والاستعداد الأمني الذي تبقى مجبرة على القيام به وحدها في ظل ضعف إمكانات دول الجوار وعدم جدية البعض منها باستثناء تونس التي يبقى تنسيقها الأمني مع الجزائر في أعلى المستويات.