جون بولتون وبنيامين نتنياهو

ترجمة وتحرير: نون بوست

حسب العديد من كتب التاريخ، فإن تاريخ انتهاء الحرب العالمية الأولى كان على "الساعة الحادية عشر من اليوم الحادي عشر من الشهر الحادي عشر لسنة 1918". وبحلول هذا التاريخ، لم تعد الرشاشات تمزق أجساد أجيالا من الشباب في ساحات القتال في أوروبا الغربية، وانتهى عهد القذائف المدفعية التي كانت تمطر سماء المدن على مدار أسبوع وتدمر الأراضي التي أصبحت ساحة قاحلة شبيهة بسطح القمر.



لقد كان السلام العالمي، الذي من المفترض أنه نتاج هدنة كومبين الأولى التي وقعت يوم 11 تشرين الثاني/ نوفمبر من سنة 1918، بمثابة حدث عالمي. لكن خلال سنة 1919، تواصلت أعمال عنف الحرب العالمية الأولى، لتشمل كلا من أوروبا الشرقية وصولا إلى آسيا الوسطى، وتستمر على مدار خمس سنوات. ولم تقتصر هذه الأحداث على الأطراف الفاعلة المحلية فقط، بل شاركت فيها قوات تابعة للولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة واليابان، على الرغم من وجود ضغوط لإعادتهم إلى بلدانهم.

كان الهدف الأساسي من مواصلة الحرب حل الإمبراطورية النمساوية المجرية في أوروبا الشرقية، والإمبراطورية العثمانية في آسيا الوسطى. وقد بررت كل من لندن وباريس وواشنطن تدخلها في هذه المناطق استنادا إلى اعترافها برغبة القوميين الطموحين في الحصول على دولة خاصة بهم غير خاضعة لحكم جهات محتلة أجنبية.

مبدأ تقرير المصير الذي كان يعتبر عادلا في أوروبا الشرقية، لم يطبق بالتساوي مع القوميين في المستعمرات الأوروبية في كل من أفريقيا أو آسيا

لكن مشكلة الغرور المنطقي لهذه القوى التي رغبت في إسقاط الإمبراطوريات تكمن في أن هذه الإمبراطوريات متعددة الجنسيات المتمركزة في كل من إسطنبول وفيينا سهلت انتشار درجة من التسامح والاختلاط بين الأقليات العرقية والدينية المتنوعة في جميع أنحاء مناطق نفوذها مترامية الأطراف، على الرغم من كثرة الأعمال الوحشية ومواطن الخلل. ولم تكن الحكومات القومية الإثنية الجديدة غير مهتمة بحماية الأقليات التي تعيش في أراضيها فقط، بل أدى اختلاط هذه الجماعات بشكل كبير إلى اندلاع صراع عنيف بين الدول القومية التي ظهرت حديثا.

في الواقع، إن مبدأ تقرير المصير الذي كان يعتبر عادلا في أوروبا الشرقية، لم يطبق بالتساوي مع القوميين في المستعمرات الأوروبية في كل من أفريقيا أو آسيا، نظرا لأن طموحاتهم السياسية ستضر بمصالح الجهات المنتصرة في الحرب. وخير مثال على ذلك رفض مطلب القائد القومي الفيتنامي هو تشي منه بالانضمام إلى مؤتمر باريس للسلام.

في الأثناء، مُنحت اليابان إقليما في الصين، كان داعما لفرنسا في الحرب. وفي شهر نيسان/ أبريل من سنة 1919، أطلقت القوات البريطانية النار على 1600 مواطن هندي في حديقة عامة في مدينة أمريتسار بينما كانوا يحتجون على قانون اعتقال القوميين الهنود. وقد ساهمت حادثة غزو الأفغان للهند البريطانية بقيادة الملك أمان الله خان لمقاومة الهيمنة السياسية البريطانية في اندلاع حرب أخرى سنة 1919.

بطبيعة الحال، لم تمنع هدنة كومبين الأولى اندلاع الحرب الأهلية داخل الإمبراطورية الروسية المشتتة بين الحمر والبيض. وتعود جذور هذا الصراع إلى عتبة الحكم القيصري ونشوء الفكر الاشتراكي الدولي قبل نشوب الحرب العالمية الأولى. وقد تسببت ضغوط الحرب العظمى في قيام ثورة سلمية واسعة النطاق انتهت بإنشاء حكومة ليبرالية ديمقراطية بقيادة البيض في موسكو. وربما كان من الممكن تفادي هذه الحرب الأهلية الدموية لو لم ترتب الإمبراطورية الألمانية القيصرية لسفر لينين وأنصاره إلى روسيا سنة 1917، حيث أدى تحريضه السياسي إلى حدوث ثورة أخرى أكثر دموية.

بلغت حصيلة ضحايا الحرب الأهلية الروسية أكثر من 1.5 مليون جندي وثمانية ملايين مدني معظمهم ماتوا بسبب المجاعة وحملات الإرهاب السياسي التي شنها كلا الطرفين

لم يقتصر الأمر على إقدام الملايين من الروس ومواطني أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى على حمل السلاح ضد بعضهم البعض أثناء الحرب الأهلية، بل انتشرت القوات البريطانية والفرنسية والأمريكية في مدينة أرخانغلسك في محاولة مرتبكة لدعم قضية البيض. وفي وقت لاحق، قامت جماعات أخرى من القوات الأمريكية واليابانية بغزو سيبيريا، حيث كان الأمريكيون يسعون ظاهريًا إلى تسهيل انسحاب الفيلق التشيكوسلوفاكي من تلك المنطقة، في حين كان اليابانيون يتطلعون إلى ضم الأراضي ودعم البيض.

وصل الصراع بين الحمر والبيض ذروته سنة 1919، بهزيمة قوات البيض في سيبيريا وأوكرانيا، ليتم بعد سنة إجلاء قوات البيض وإعدام ألكسندر كولتشاك. وفي سنة 1920، انسحبت القوات الأمريكية من روسيا، بينما لم تخرج قوات البيض التي كانت تسيطر على مدينة فلاديفوستوك إلا سنة 1922.

احتدم الصراع مرة أخرى لمدة سنتين، عندما أعادت القوات السوفيتية بناء الإمبراطورية الروسية القيصرية السابقة في آسيا الوسطى. وقد استخدمت هذه القوات الطائرات والغازات السامة والمركبات المدرعة البدائية لسحق الجماهير وتنفيذ عمليات تطهير عرقي من خلال طرد المواطنين بصفة قسرية، فضلا عن إعدام الأقليات التي كانت تعتبرها مسببة للفوضى، مثل القوزاق.

بلغت حصيلة ضحايا الحرب الأهلية الروسية أكثر من 1.5 مليون جندي وثمانية ملايين مدني معظمهم ماتوا بسبب المجاعة وحملات الإرهاب السياسي التي شنها كلا الطرفين، وهذا ما جعل حرب روسيا الحرب الأهلية الأكثر دموية في القرن العشرين. كما كان لهذه الثورة تأثير كبير في بولندا، التي استعادت استقلالها سنة 1919 على مدى قرن، بعد خروج كل من ألمانيا والنمسا وروسيا من أراضيها. ومع ذلك، كانت الحكومة القومية في حكومة جوزيف بيلسودسكي تحلم بإعادة بناء إمبراطورية بولندية-ليتوانية على نطاق أوسع، وهي فكرة لم تكن الدول المجاورة لبولندا موافقة عليها.

على الرغم من أن باريس ولندن وروما لم يتمكنوا من الإطاحة بالإمبراطورية العثمانية بشكل رسمي، إلا أنهم استولوا سريعاً على أقاليم الشرق الأوسط القيمة لتحقيق مصالحهم الخاصة

في تحول مشؤوم، وبعد معاناة استمرت لأكثر من مائة سنة من الهيمنة الأجنبية، خاضت وارسو ست حروب حدودية مع أوكرانيا وألمانيا وتشيكوسلوفاكيا ودول البلطيق. وسنة 1920، نفذ البولنديون هجومًا واسعًا على كييف (عاصمة أوكرانيا الحالية)، مستفيدين من فوضى الحرب الأهلية الروسية.

مع ذلك تغيرت الخطة، حيث شنت بولندا هجوما مدمرا على روسيا فطُرد البولنديون خارج بوابات وارسو قبل إعادة شن هجوم آخر مضاد عليهم، وهذا ما جعل بولندا توقف الأعمال العدائية سنة 1921 بعد سيطرتها على أراضي أخرى تعرف الآن بغرب أوكرانيا وبيلاروسيا. وأسفر هذا الغزو عن نتائج عكسية على المدى الطويل، مما جعل الحلفاء المحتملين يخشون وارسو. وبعد الحرب العالمية الثانية، استعاد الاتحاد السوفيتي أراضيه في حين تم تعويض البولنديين بإعطائهم أراض ضمن الحدود الألمانية، حيث تم ترحيل الألمان قسراً.

على الرغم من أن باريس ولندن وروما لم يتمكنوا من الإطاحة بالإمبراطورية العثمانية بشكل رسمي، إلا أنهم استولوا سريعاً على أقاليم الشرق الأوسط القيمة لتحقيق مصالحهم الخاصة، ونشروا قواتهم في شبه جزيرة الأناضول. في بعض الأحيان، تنافس الحلفاء المزعومون مع بعضهم البعض للاستيلاء على معظم الأراضي. أما حكومة السلطان في الدولة العثمانية فأصبحت بعد ذلك عاجزة إلى حد كبير، حيث باتت تعتمد بشكل كامل على قوات الاحتلال.

في شهر أيار/ مايو من سنة 1919، تم تسليم مدينة سميرنا التي تضم سكانا من مختلف الأعراق إلى قوى الاحتلال اليونانية، التي كانت خاضعة في السابق للحكم العثماني والتي باتت الآن أعظم عدو لها. وأدى الشعور بالإذلال الوطني إلى ظهور حركة قومية متجددة بقيادة مصطفى كمال أتاتورك، وهو جنرال نجح في التغلب على القوات البريطانية والفرنسية في جاليبولي خلال الحرب العالمية الأولى. وعندما نما غضب الأتراك بسبب شروط معاهدة سيفر سنة 1920، قامت حكومة "الجمعية الوطنية الكبرى" بقيادة أتاتورك بانتفاضة ضد الجيوش الأجنبية.

بلغت الحرب التركية اليونانية ذروتها عقب هزيمة اليونان في معركة سكاريا، فضلا عن قمع الجيش الوطني الأرمني وسيطرة الأتراك على مدينة سميرنا في أيلول/ سبتمبر سنة 1922

بالتزامن مع الضغط الهادف إلى إعادة القوات العسكرية إلى الوطن، الذي أدى إلى تراجع فرنسا والمملكة المتحدة عن المشاركة بشكل رئيسي في المعارك، قاتل القوميون الأتراك القوات اليونانية بصفة أساسية. وفي تشرين الأول/ أكتوبر من سنة 1920، تعرض الملك اليوناني ألكسندر الأول إلى عضة قرد أودت بحياته، وهو ما أدى إلى إجراء تطهير سياسي للجيش اليوناني، الأمر الذي أثر على فعاليته وأضر بها بشكل كبير.

بلغت الحرب التركية اليونانية ذروتها عقب هزيمة اليونان في معركة سكاريا، فضلا عن قمع الجيش الوطني الأرمني وسيطرة الأتراك على مدينة سميرنا في أيلول/ سبتمبر سنة 1922. وبعد أربعة أيام، اندلعت العديد من الحرائق في الحي اليوناني، وكان بعضها مفتعلا من قبل الجنود الأتراك، وهو ما أسفر عن تدمير ذلك الجزء من المدينة وقتل عشرات الآلاف من اليونانيين والأرمينيين. ونتيجة لذلك، فر مئات الآلاف من اللاجئين إلى أرصفة الموانئ واحتشدوا هناك لمدة أسبوعين، حيث كانوا عرضة للاغتصاب والسرقة والقتل والتجويع، وذلك قبل أن يتم إجلاء حوالي نصفهم من قبل السفن البريطانية والأمريكية.

مرة أخرى، تطلب إنشاء وطن واحد تضحيات أشخاص آخرين، حيث اقتضت المعاهدة المبرمة بين أنقرة وأثينا إرسال نحو 1.6 مليون من المسيحيين الأرثوذكس إلى اليونان مقابل إعادة 355 ألف مسلم إلى تركيا. وتجدر الإشارة إلى أن الأقليات الدينية سُمح لها بالبقاء في إسطنبول ومنطقة تراقيا اليونانية. ويمكن القول إن الصراعات المأساوية الممتدة التي اندلعت بعد "انتهاء" الحرب العالمية الأولى عِبرة توضح كيفية اقتطاع الروايات التاريخية للعديد من التفاصيل والأحداث المزعجة بشكل مفرط، وكيف يمكن للفلسفة التشاؤمية والمثالية على حد السواء تخريب المساعي الهادفة لإقرار السلام.

المصدر: ناشيونال إنترست