جميعنا يرغب في كثيرٍ من الأوقات بحفظ اللحظة التي يعيشها أو بمشاركتها على مواقع التواصل الاجتماعي مع أصدقائه؛ رغبةً  منه بتذكّرها والرجوع إليها في وقتٍ لاحقٍ من جهة، وخلق التواصل والاتصال الاجتماعيّ مع غيره من جهةٍ ثانية. ولو عدتَ إلى هاتفك المحمول لوجدتَ الآلاف من الصور التي التقطتها خلال العام الفائت، ولا عجب أنْ قام الكثيرون من روّاد موقع انستغرام بمشاركة أفضل لحظاتهم، أو أكثرها حضورًا خلال ذلك العام، بمجرد اقترابه على الانتهاء وبداية الذي يليه.

ومع كلّ صورةٍ تعود إليها بعد فترة، ستجد العديد من الذكريات والعواطف التي تكاد تكون نسيتها فتتدفّق إليك ثانيةً بسهولةٍ وخفة. هذه هي قوّة  الصور والتصوير الفوتوغرافي على أيّة حال، حتى أنّ الكثيرين يعتقدون أنه بالفعل إذا لم يقوموا بالتقاط صور لحظاتهم ومناسباتهم، فكأنها لم تحدث.

إلى حد كبيرٍ، قد يكون ذلك صحيحًا. فالصور القديمة أثبتت وما تزال تثبت قدرتها على تسهيل تذكّر واستذكار الأوقات واللحظات التي مرّت وانقضت. وفي الواقع، تشير الكثير من الأبحاث الحديثة إلى أنّ التصوير يساعدنا على تذكر الجوانب المرئية للّحظة بشكل أفضل، حتى إذا لم ننظر إلى الصورة مرة أخرى لاحقًا.

اعتمادنا على هواتفنا الذكية وشبكات الإنترنت لاسترجاع معلوماتنا وحفظ ذكرياتنا يقلّل من احتمالية تذكّر تلك المعلومات ويعزّز نسيانها

لكنّ هذا لا يعني بتاتًا أنّ التقاط الصور هو دائمًا أفضل طريقة لتذكر اللحظة التي تعيشها. فثمة نقاش كبير حول إذا ما كان التصوير يعزّز من تجاربنا أو يصرفنا عنها. وعلى الرغم من أنّ الرأي لم يُحسم بعد فيه، إلا أنّنا نعلم بشكلٍ أو بآخر أنّنا نستخدم هواتفنا الذكية والتقنيات الجديدة كمستودعاتٍ أو بنوكٍ للذاكرة، تمامًا كما استخدم الإنسان على مرّ التاريخ أيّة وسيلة خارجية لدعم المعرفة والتذكّر وحلّ المشكلات وغيرها. الكثير من فلاسفة اليونان، على سبيل المثال، رأوا في الكتابة وسيلةً تحدّ من وظيفة الدماغ ومهاراته المعرفية.

وقد توصلت إحدى الدراسات إلى أنّ اعتمادنا على هواتفنا الذكية وشبكات الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعيّ لاسترجاع معلوماتنا وحفظ ذكرياتنا المختلفة، تمامًا كما أنّ اعتمادنا على خرائط جوجل وتقنيات تحديد الموقع مثل GPS، جميعها تقلّل من احتمالية تذكّر تلك المعلومات وتسهّل ولوجها إلى دائرة النسيان في الدماغ، فيما بات يُعرف بمصطلح "تأثير جوجل Google Effect".

كيف تؤثّر عدسة هاتفك أو كاميرتك على ذاكرتك؟

الفكرة بسيطة للغاية، أصبحنا أقلّ اعتمادًا على ذاكرتنا نظرًا لاعتمادنا على كلّ طرق وأساليب حفظ الصور والمعلومات التي نجدها أمامنا. وبدل أنْ نبذل جهدًا لنتذكّر تفاصيل اللحظة أو المكان أو الرحلة أو المناسبة التي نحن فيها، أصبحت عقولنا تعتمد بغرابةٍ على الصور التي نلتقطها والتي سنعود إليها لاحقًا للتذكّر.

إذا اعتمدنا بشكل كبير على الصور عند تذكر ماضينا فقد نقوم بإنشاء هوية ذاتية مشوهة بناءً على الصورة التي نريد ترويجها للآخرين.

وفيما يمكن للصور في بعض الحالات مساعدة الناس على التذكر، إلا أنّ نوعية الذكريات التي نسترجعها قد تكون محدودة. فقد نتذكر ما يبدو أكثر وضوحًا في الصور، الأمر الذي يكون على حساب غيره من المعلومات والذكريات. وبكلماتٍ أخرى، يعمل التصوير على خلق صعوبة في تذكر الأشياء التي يتمّ التقاطها وتصويرها، فالناس يتذكرون تفاصيل أقلّ عن هذه الأشياء. كذلك يتذكر كثير من الناس الأشياء بطريقة محددة ومقتصرة عند التقاط الصور، لأنهم لا يعتمدون على حواسهم في تذكرها، وإنما يعتمدون على إمكانية رجوعهم إلى الصورة مرة أخرى.

وفي واحدة من الدراسات الأساسية التي بحثت العلاقة بين التصوير والذاكرة، توصلت الباحثة ليندا هنكل من جامعة فيرفيلد إلى أنّ الأشخاص الذين التقطوا صورًا لما رأوه في المتحف سجّلوا احتمالاتٍ أقل لتذكّر تفاصيل ما شاهدوه، على عكس أولئك الذين لم يلتقطوا الصور ولم يستخدموا هواتفهم، إذ كانوا أفضل بكثير في تذكر التفاصيل التي رأوها ولم يقوموا بتصويرها.

نتذكر الأشياء بطريقة محدودة عند التقاط الصور، لأننا لا نعتمد على حواسنا في تذكرها، وإنما على إمكانية رجوعنا إلى الصور مرة أخرى

تتوافق نتائج الدراسة مع التجارب والأبحاث التي أُجريت بدءًا من ستينيات القرن الماضي، والتي افترض فيها الباحثون أننا ننسى المعلومات عن قصد بمجرّد اعتقادنا أننا لم نعد بحاجة إلى تخزينها. ما يعني أنّ التقاط صورة لشيء ما قد يؤدّي في الواقع إلى تحفيز الناس على نسيانه، فحين نعتقد أنّنا نستطيع الاعتماد على الصورة بدلًا من أدمغتنا، فستقتنع أدمغتنا بدورها أنه لم يعد هناك حاجة أو داعٍ إلى حفظ المعلومات عقليًّا في وقتٍ لاحق.

تجعلنا الصور نتذكّر الماضي بطريقة محدودة تفتقر للعفوية بحيث أنها تكون في أغلب الأوقات مخطّط لها وفقًا للطريقة التي يرغب الشخص الظهور بها أمام الآخرين

تُظهِر هذه النتائج ما أطلقت عليه هنكل مصطلح "تأثير إعاقة التصوير photo-taking-impairment effect"، أي ميل الشخص لتذكّر أقل عددٍ من التفاصيل لما قام بالتقاطه سواء بهاتفه المحمول أو بكاميرته. إلا أنّ الدراسة نفسها تخبرنا أنّ العمليات المعرفية الإضافية مثل التفكير والانتباه وزيادة التركيز، يمكن لها أنْ تخفّف من حدّة ذلك التأثير.

وبتعبيرٍ آخر، تجعلنا الصور نتذكّر الماضي بطريقة محدودة تفتقر للعفوية بحيث أنها تكون في أغلب الأوقات مخطّط لها وفقًا للطريقة التي يرغب الشخص الظهور بها أمام الآخرين، ما يجعلها معرّضة لعكس نرجسيته تماشيًا لما يريد أن يُظهر عن نفسه وذاته للآخرين من حوله ولا تعكس بالضرورة حقيقته وحقيقة مشاعره أو مزاجه أو شخصيته. ما يعني أنّنا إذا اعتمدنا بشكل كبير على الصور عند تذكر ماضينا فقد نقوم بإنشاء هوية ذاتية مشوهة بناءً على الصورة التي نريد ترويجها للآخرين.

كما أنّ وجود العديد من موضوعات الذاكرة اليومية على ذاكرة الهاتف أو الجهاز المحمول ممّا يحمل بعض المعلومات عن الطريقة التي كنا فيها في الماضي، قد يجعل ذاكرتنا أقل طواعية وأقل قابلية للتكيف مع التغيرات التي أحدثتها الحياة، ممّا يجعل هويتنا الشخصية والذاتية أكثر ثباتًا، وهو ما يختلف مع فكرة امتلاكنا لذاكرة ضعيفة أو خاطئة بحيث أنّنا نلجأ للذكريات الخاطئة في كثير من الأحيان للحفاظ على صورتنا وهويّتنا الشخصية من أجل الاستمرار.

بطبيعة الحال، الجدل في إيجابيات وسلبيات التكنولوجيا سيبقى قائمًا طويلًا، لكن ما نحتاج أن نركّز عليه هو الجانب الذي تعمل فيه التكنولوجيا على تحسين تجاربنا وقدراتنا الإدراكية والمعرفية، لا الجانب الذي تعمل فيه على تدمير أدمغتنا والحدّ من قدراتنا وإمكانياتنا وكأنّنا نعترف بشكلٍ لا واعٍ أنّ تلك الأجهزة هي الأذكى والأقدر وبالتالي فلا ضير من أنْ نرضخ لها ونتخلى عن أدمغتنا العبقرية.