بثت شبكة "سي.بي.أس" الأميركية المقابلة التي أجرتها مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ضمن برنامج "60 دقيقة"، وهي المقابلة التي كان ينتظرها المصريون على أحر من الجمر لما سبقها من تسريبات بشأن التصريحات التي أدلى بها حيال بعض الملفات على رأسها التعاون مع الكيان الصهيوني فضلا عن مساعي السلطات المصرية لمنع بث المقابلة.

المقابلة التي سجلت في سبتمبر الماضي على هامش زيارة السيسي للولايات المتحدة، وأذيعت مساء أمس الأحد بتوقيت شرق الولايات المتحدة، أثارت الكثير من الجدل كونها الأولى التي تتدخل فيها الخارجية المصرية عبر سفيرها في واشنطن لطلب عدم إذاعتها، وهو ما رفضته إدارة القناة التي تمسكت بموقفها، ما عزز من الزخم الإعلامي حولها بصرف النظر عما تتضمنه من محاور وقضايا معظمها ليست بالجديدة.

رفض القناة للطلب المصري بوقف بث الحلقة، قابله تعليمات مشددة من المكتب الإعلامي لرئاسة الجمهورية، بمنع تناول أي من تفاصيل اللقاء، في أيٍ من تغطيات القنوات أو المواقع أو الصحف، وهو ما أكده مصدر بشركة «دي ميديا» الإعلامية حسبما نقل موقع "مدى مصر"

تعليمات الحظر شملت كذلك حسابات الشخصيات الإعلامية المحسوبة على الشبكتين، على مواقع التواصل الاجتماعي، بحسب المصارد التي بررت ذلك بالرغبة في تحقيق أقل خسائر ممكنة من الظهور الإعلامي الذي وصفته بـ «غير الموفق»، خصوصًا بعدما فشلت محاولات منع إذاعة الحلقة.. ليبقى السؤال: لماذا أثار هذا اللقاء كل هذا الجدل؟

رفض ثم قبول

البداية تعود إلى اتصالات جرت بين إدارة القناة والسلطات المصرية بهدف التسجيل مع الرئيس السيسي في برنامج 60 minutes، الذي يعد واحدا من أشهر البرامج في أمريكا، وهو الذي يستهدف كبار القادة والمشاهير في العالم، البرنامج يقدمه المذيع الأمريكي المعروف سكوت بيللي.

كعادة حوارات ولقاءات الرئيس في مصر يتم إرسالة الأسئلة قبل التسجيل أو إعدادها في مطبخ السلطات أولا ثم تزود بها القناة دون زيادة أو نقصان، وهو ما أرادت الرئاسة المصرية القيام به مع إدارة البرنامج، حيث طلبت إرسال الأسئلة لمراجعتها قبل البدء في التسجيل، لكن إدارة البرنامج رفضت بدعوى أن هذا يتعارض مع سياسة البرنامج المتعلقة بالحوارات التي يجرونها مع الضيوف، وأنهم لا يستطيعون تلبية هذا الطلب، مما جعل مصر ترفض التسجيل أول الأمر

لكن إدارة القناة لم تفقد الأمل، إذ كثفت مفاوضاتها مع الإدارة المصرية لعدة أسابيع نجحت في النهاية في إقناعها بإجراء الحوار في مثل هذا البرنامج الذي سبق أن ظهر فيه العاهل الأردني الملك عبدالله، والأمير محمد بن سلمان ولي عهد السعودية، وهو ما لاقى قبولا لدى وجهة النظر المصرية التي ترى في ظهور السيسي في البرنامج عاملا مهما في تعزيز صورته كرجل قوي.

وبعد مفاوضات استمرت لعدة أيام اتفق الجانبان على إجراء المقابلة وهو ما تم بالفعل خلال زيارة الرئيس المصري للولايات المتحدة، في الفترة من 21 إلى 27 سبتمبر/أيلول 2018، وإن تأجل بثها حتى الأمس، ما أثار الكثير من التساؤلات التي تكشفت بعض ملامح إجابتها في التسريبات التي كشفها مقدم البرنامج ومنتجته.

تسريبات تثير الجدل

 لم يكن معلوما لدى الشارع المصري شيئًا عن تفاصيل هذه المقابلة التي تمت دون تسليط الضوء عليها على الأقل من قبل وسائل الإعلام المصرية، غير أنها وفي أقل من دقائق معدودة باتت حديث المصريين في كافة المنصات، الافتراضية منها والواقعية، وذلك في أعقاب التسريبات التي بثتها القناة مساء الخميس الماضي.

التسريبات التي عكست صورة مقدم البرنامج سكوت بيللي وهو يحاور السيسي الذي بدا في قمة توتره وهو يتصبّب عرقاً، كما يظهر في الإعلان الترويجي للمقابلة، فضلا عن الأسئلة التي وجهت له والتي وصفت على أقل تقدير بأنها مربكة وخارج التوقعات المعتاد عليها في السابق، ساهمت من شغف جزء كبير من الشارع بمتابعتها.

وتحت عنوان "المقابلة التي لا تُريد الحكومة المصرية إذاعتها"، قالت القناة عبر موقعها الإلكتروني: "بينما جلس الرئيس المصري يستعرض تعاون جيش بلاده مع الإسرائيليين ضد الإرهاب في شبه جزيرة سيناء. لم تكن الأسئلة عن سجن المعارضين وارتكاب مجزرة بحق 800 مدني حين كان وزيراً للدفاع من نوعية الموضوعات التي تريد حكومته الحديث عنها".

نوعية الأسئلة التي وجهها بيللي لم تكن مألوفة لدى السسيسي ولم توجه له من قبل بهذا الوضوح والمباشرة، فضلا عن عنصر المفاجأة الذي أفقده القدرة على إعداد إجابات مقنعة وهو ما تسبب في ارتجالية في الإجابات التي خرجت بتلقائية شديدة ساهمت في سخونة حساسية اللقاء.

أسئلة حرجة

تطرقت المحاور التي تضمنها اللقاء عددًا من الملفات الحساسة التي كانت مثار جدل طيلة السنوات الخمس الماضية، على رأسها الإطاحة بالرئيس الأسبق محمد مرسي حين كان السيسي وزيرا للدفاع وقتها، فقال إن "القضية كلها أن الشعب المصري رفض هذا الشكل من الحكم الديني المتشدد، ومن حق الشعب المصري أن يرفض أن تغيّر هويته بهذا الشكل".

أما المحور الثاني فتناول فض اعتصام رابعة الذي أقامه أنصار مرسي، وقتل ما يقرب من 800 شخص من المعتصمين هناك، في حين قال السيسي "نحن نتعامل (نتصدى) فقط مع تيار الإسلام السياسي المتشدد الذي يرفع السلاح" فيما أخبره بيللي بأن كثيرًا من المصريين يرفضون وصفه بـ"رئيس مصر" ليرد عليه السيسي "لا أعرف مع من تحدثت تحديدا، لكن ثلاثين مليون مصري خرجوا رفضا للحكم الذي كان موجودا"، وأضاف "للحفاظ على الأمن والاستقرار كانت المرحلة تتطلب إجراءات أمنية"

لم يكن قلق السلطات المصرية من بث هذا الحوار لما قد يتضمنه من تصريحات بشأن بعض الملفات الحساسة هو العامل الوحيد الذي دفعها للضغط لعدم إذاعته

أما المحوران الأكثر سخونة في اللقاء فتعلقا بملف المعتقلين السياسيين والتنسيق المصري الإسرائيلي، ففي الأول نفى الرئيس المصري وجود أي سجين سياسي، وهو ما واجهه المحاور بتقرير لمنظمة "هيومن رايتس ووتش" بشأن 60 ألف من المعتقلين على خلفية قضايا رأي، هذا في الوقت الذي استعان فيه البرنامج بالمعتقل السابق المفرج عنه محمد سلطان الذي يحمل الجنسية الأمريكية والذي تحدث عن حقيقة الاعتقالات داخل السجون المصرية.

أما فيما يتعلق بحج العلاقات بين مصر والكيان الهصيوني، سأل مقدم البرنامج السيسي: هل التعاون بين الجانبين اليوم أقوى من أي وقت مضى؟ فقال "هذا صحيح"، وأضاف أن القوات الجوية المصرية تحتاج أحيانا للعبور إلى الجانب الإسرائيلي، ولذلك هناك تنسيق مع الإسرائيليين على نطاق واسع، حسب قوله.

لم يقدم جديدًا

من الواضح وعقب انتهاء بث الحلقة أن اللقاء لم يقدم جديدًا فيما يتعلق بحجم وطبيعة المعلومات المقدمة، ففيما يتعلق بالتعاون العسكري مع إسرائيل فقد ورد تفصيلا في تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية في 3 فبراير/ شباط 2018 أن "طائرات سلاح الجو الإسرائيلي قامت خلال عامين فقط بأكثر من 100 هجوم فوق الأراضي المصرية بسيناء ضد ما زعمت أنها أهداف تابعة لتنظيم الدولة الإسلامية "داعش"

التقرير تطرق إلى أن بداية التعاون العسكري بين البلدين كانت بناء على طلب القاهرة في أعقاب حادث إسقاط الطائرة الروسية بسيناء في أكتوبر 2015. والتي أدت إلى مصرع ما يزيد عن 224 من الركاب، وبحسب ما نقلته الصحيفة عن مسئولين أمريكيين فإن "سلاح الجو الإسرائيلي لعب دورا رئيسيا في مساعدة الجيش المصري في الحرب ضد داعش في سيناء، وكان الأسبوع الواحد يشهد العديد من الطلعات الجوية لجمع المعلومات أو إصابة الأهداف" فيما رفضت القاهرة التعليق آنذاك على ما جاء بالتقرير

كان جلياً عجز السيسي عن مواجهة بيللي المحصّن جيداً بالمعلومات، ما تسبب في إجابات غير مرتبة على بعض الأسئلة والامتناع عن الإجابة عن أسئلة أخرى

وبخصوص الاعتقالات فالطما نفى السيسي وجود اعتقالات سياسية مشيرًا أن جميع من تم إلقاء القبض عليه هو على ذمة قضايا جنائية تندرج تحت إطار قانون مكافحة الإرهاب المعد حديثًا، وهي التصريحات التي أدلى بها أكثر من مرة خلال زياراته الخارجية، وهو ذات الأمر فيما يتعلق بفض اعتصام رابعة والنهضة.. لكن يبقى السؤال: لماذا كل هذا القلق طالما أن اللقاء لم يقدم جديدًا؟

لماذا كل هذا القلق؟

لم يكن قلق السلطات المصرية من بث هذا الحوار لما قد يتضمنه من تصريحات بشأن بعض الملفات الحساسة هو العامل الوحيد الذي دفعها للضغط لعدم إذاعته، إذ أن ما بدر من الرئيس من ردود فعل بدت على ملامحه التي تتصبب عرقًا في موقف لم يعتاد عليه المصريون منذ تنصيبه رئيسا في 2014 ربما يكون السبب الأكثر حرجًا.

فقد كان جلياً عجز السيسي عن مواجهة بيللي المحصّن جيداً بالمعلومات، ما تسبب في إجابات غير مرتبة على بعض الأسئلة والامتناع عن الإجابة عن أسئلة أخرى، وهو ما ساهم بشكل كبير في إخراج صورة سلبية أجهضت الهدف من إجراء هذا اللقاء وهو محاولة إخراج صورته كرجل قوي ومؤثر في الشرق الأوسط.

وعليه تجنبت الصحف المصرية التطرق إلى هذا الحوار، رغم الأصداء القوية حوله عالمياً، مكتفية بإلقاء الضوء حول الحديث عن مبادارات الرئيس في توفير حياة كريمة للمواطنين وافتتاحه لأكبر مسجد وكاتدرائية في الشرق الأوسط في العاصمة الإدارية الجديدة.

بينما كان السيسي يسعى لتعزيز صورته الدولية عبر برنامج هو الأشهر خلال الأونة الأخيرة إذ بالرياح تأتي بما لاتشتهي السفن

سخط سياسي وحقوقي

حالة من السخط واللغط الكبير بين النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي أثارها اللقاء قبل بثه وبعده، حيث ندد البعض بالتاكيد مجددًا على العلاقات الوطيدة مع الكيان المحتل، مؤكدين أن مثل هذه التصريحات وغيرها يشوه صورة مصر ورئيسها على المستوى الدولي.

اللقاء أثار لغطا واسعا وسخطا بالغا بين النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث وصفه نشطاء بـ "الكارثي" بعد اعتراف السيسي بالعلاقة الوطيدة مع إسرائيل وتمكينها من ضرب سيناء، مؤكدين أن السيسي خسر سمعته على الساحة الدولية بعد هذه المقابلة.

التغريدة الأبرز حول اللقاء جاءت عبر حساب منظمة هيومن رايتس ووتش التي قالت: "الرئيس #السيسي غير معتاد على الأسئلة الصعبة من الإعلام، لقد حاول سجن معظم منتقديه من الصحفيين في #مصر".

فيما انتقد الإعلامي جمال سلطان، رئيس تحرير جريدة المصريون الصمت الإعلامي المخيم حيال المقابلة

أما الدكتور حسن نافعة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، فقد استنكر اعتراف السيسي بمشاركة الجيش الإسرائيلي في عمليات بسيناء فضلا عن مساعي منع اللقاء من البث وهو ما اعتبره "خطأ فادح"

وفي المجمل وبينما كان السيسي يسعى لتعزيز صورته الدولية عبر برنامج هو الأشهر خلال الأونة الأخيرة إذ بالرياح تأتي بما لاتشتهي السفن، حيث ساهمت الأسئلة المربكة التي واجهته في تقديم صورة ماكان يتوقعها ولا المقربين منه، وهو ما سعى لتداركه فيما بعد على مدار شهرين وأكثر منذ تسجيل اللقاء لكن باءت كافة المحاولات بالفشل.