طرازها المعماري الفريد وألوان بيوتها المبهرة وبساطة تقسيمها الجغرافي وضحكات أطفالها العالية والتناغم الشديد بين أهلها حتما سيسلب عقلك قبل نظرك كلما مررت من هناك، وسواء كنت راكبًا أو مترجلا، لابد وأن ترجئ مقصدك رويدًا حيث تجد نفسك مدفوعا بقوة غير ظاهرة لدخول هذا المكان الذي يفيض رونقا وجمالا.

منذ الوهلة الأولى لا تشعر أنك في مصر، فكل الشواهد التي تحيط بك توحي أنك فوق أرض تونس الخضراء، شكلا ومضمونًا، لكن حين تدقق النظر إذ باللهجة مصرية، وملامح السكان مصرية، واللافتات المعلقة تتبع مصر إداريًا.. لتكتشف أخيرًا أنك في قرية "تونس" بمحافظ الفيوم... بقعة من تونس فوق أرض مصرية.

تبعد القرية حوالى 60 كيلو متر عن مدينة الفيوم (109 كم من القاهرة) وتتبع مركز يوسف الصديق، حولتها الصدفة البحتة من مكان بدائي تقليدي يعاني من الفقر والعوز إلى لوحة فنية رائعة، ولحن جميل جمع بين عذوبة الفن وروعة الطبيعة الخلابة، فباتت قبلة للسائحين، وموطنًا للكثيرين ممن تركوا بلدانهم وجاءوا للإقامة في هذا المكان الهادئ المتميز.

تتميز بيوت القرية بطراز معماري أشبه بالطراز التونسي حيث البناء بطريقة القباب البيضاء والطين والمساحات المفتوحة والفناءات أمام المنازل

اكتشاف الصدفة

البداية تعود إلى الزوجين المولعين بجمال الطبيعة، الشاعر المصري سيد حجاب وزوجته السويسرية إيفلين بوريه، الفنانة المتخصصة في أعمال الخزف، حين كانا في نزهة عابرة لمدينة الفيوم ، وبالقرب من بحيرة قارون الشهيرة، في مطلع ستينيات القرن الماضي، روعة المكان هناك جذب أنظارهما بصورة كبيرة فقررا شراء قطعة أرض وبنيا عليها منزلا.

كان منزل حجاب وإيفلين هو اللبنة الأولى لنشأة واحدة من أكثر القرى المصرية جمالا، حيث بدأت تتوافد الأسر والعائلات على هذه المنطقة غير المعروفة، والتي كانت عبارة عن عشش يسكنها عدد محدود من الفلاحين والعمال، لكن سرعان ما تحولت إلى بؤرة لصناعة الخزف والحرف اليدوية فضلا عما تتمتع به من إمكانيات سياحية هائلة.

قرية أو عزبة تونس كما يلقبها سكانها، كانت تابعة قديما لقرية مجاورة لها تسمى "أبعدية والي" نسبة إلى وزير الزراعة الأسبق في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك،  يوسف والي، غير أنها استقلت بعد ذلك تحت مسماها الحالي، لتضع نفسها في سنوات قليلة على خارطة السياحة العالمية.

الفنانة السويسرية إيفلين بوريه

طراز تونسي

تتميز بيوت القرية بطراز معماري أشبه بالطراز التونسي حيث البناء بطريقة القباب البيضاء والطين والمساحات المفتوحة والفناءات أمام المنازل، هذا فضلا عن عشرات المنازل المصممة على الطرازين الإيطالي والأوروبي، وهو ما حول القرية إلى لوحة فنية متناسقة تجمع بين الحضارات المختلفة.

موقع القرية الجغرافي أحد أبرز سمات تميزها، إذ تقع على ضفاف بحيرة قارون، في القمة التي تنحدر على شاطىء البحيرة، وهو ما أضفى عليها خصوصية قلما تتمتع بها قرية مصرية، ومن ثم تحولت في وقت لا يساوي في حساب الزمن لحظات إلى مزار سياحي للباحثين عن جمال الطبيعة وطقسها الجميل المعتدل طيلة أيام العام.

لو هناك اهتمام من قبل الأجهزة الرسمية ووزارتي السياحة والأثار كما غيرها من المناطق الأخرى لتصدرت القرية قائمة المصادر الأعلى دخلا من السياحة ليس في مصر وحدها بل في العالم أجمع.

الامتزاج بين مياه البحيرة وخضرة القرية وحيوية البيئة وجمال الطبيعة والتنوع البيولوجي للمقيمين حول هذا المكان الذي لا تتجاوز مساحته مئات المترات إلى ساحة للاستشفاء ولحنا عزبا يطرب أذان كل من استمع إليه أو عايشه، ومن ثم انتقلت هذه القرية الصغيرة بسرعة البرق من المحلية المغلقة إلى العالمية المنفتحة.

مكونات البيوت في القرية لها طبيعة خاصة، كونها تتوائم مع إمكانيات سكانها، إذ توفر لهم عدم التأثر بدرجات الحرارة الخارجية خاصة وأن درجات الحرارة في تلك المنطقة معروف عنها ارتفاعها فهي أول مدن صعيد مصر، فتصنع من الحجارة والرمل والطين، وتزين جذوع النخل النوافذ وأسقف وأسطح المنازل علي هيئة قباب من الطوب اللبني، كما يتميز البيت بوجود سور خارجي به بوابة من الطوب اللبن تقودك إلي فناء مكشوف تحيط به غرف الدار من جميع الجهات.

تتميز منازل القرية بطراز تونسي أصيل

مدرسة الفخار

منذ بناء الفنانة السويسرية، إيفلين" بيتها الأول في القرية نجحت في وضع اللبنة الأولى لبناء مدرسة لتعليم صناعة الخزف، والتي تحولت مع الوقت إلى جامعة مفتوحة لكل من يريد تعلم هذه الحرفة المربحة، وباتت القرية مزارا سياحيًا لصناعات الخزف حيث تقام المعارض الشهرية والسنوية.

إيمان إيفلين بمنتجات قرية تونس دفعها للترويج لها في بلادها، وما هي إلا سنوات قليلة حتى تحولت القرية إلى قبلة للسائحين الأوروبيين العاشقين للخزف، إذ جمعت في صناعتها بين التراث المصري والعربي والأندلسي واليوناني والأوروبي، وهو ما ميزها عن غيرها من المنافسين في هذا المجال.

تونس باتت بفضل جهود إيلين وأهل القرية المبدعين  بازارا سياحيًا عالميًا فضلا عن استهدافها من قبل الكتاب والمشاهير المصريين

وتبدأ صناعة الخزف في القرية من حصول العاملين في هذه الحرفة على الطين الأسواني الخام ثم تخميره بوضعه في مكان مظلم لبضعة ساعات حتى يكون جاهزا للاستخدام، وبعدها يتم تقطيعه إلى قطع تتناسب مع الأشكال التي يود الحرفي انتاجها، وبعدها تترك تحت أشعة الشمس قبل أن توضع داخل فرن حراري تبلغ درجته 1200 درجة.

شعبان، شاب في العشرين من عمره، يقول إنه تعلم صناعة الخزف على أيدي إيفلين، وبات واحدا من أشهر صناع الخزف في قريته، لافتًا في حديثه لـ "نون بوست" أنه نجح في إقامة العديد من المعارض داخل الفيوم خارجها، معربًا عن أمله في الوصول للعالمية، طالبًا من المسئولين في مصر أن ينظروا بمزيد من الاهتمام للقرية وسكانها.

ويضيف الفنان الصغير أن تونس باتت بفضل جهود إيلين وأهل القرية المبدعين  بازارا سياحيًا عالميًا فضلا عن استهدافها من قبل الكتاب والمشاهير المصريين الذين استقروا فيها عبر بناء عدد من الفلل والعقارات الكبيرة على رأسهم الروائي عبده جبير، أحد المقيمين في القرية ومؤسس فندق زاد المسافر، أحد أهم الفنادق البيئية في الفيوم، وأحمد الصاوي، صاحب ساقية الصاوي الشهيرة.

معارض الفخار بالقرية

متحف الكاريكاتير ومركز الفنون

من الملامح التي تميز القرية وجود متحف للوحات الكاريكاتير التي نشرت في الصحف والإصدارات الخاصة في مصر، الفكرة كانت لرسالة الكاريكاتير المصري محمد عبلة، الذي نجح في تأسيس أول متحف للكاريكاتير في العالم العربي وكان ذلك في مارس 2009 بحضور كوكبة من عشاق هذا الفن

الهدف من إقامة هذا المتحف كان محاولة لإنقاذ كنوز الكاريكاتير التي تعرضت وتتعرض للضياع والاندثار، وبذلك حقق عبلة حلم زهدي العدوي، رائد الكاريكاتير في مصر والمتوفى عام 1977 والذي كان يتمنى تدشين مثل هذا المتحف التراثي التوثيقي لواحد من الفنون "مهضومة الحق" في الدول العربية.

قطار الفن بالقرية لم يتوقف عند محطة المتحف فحسب، فهناك مركز الفيوم للفنون، وهو المكان الذي جمع فيه أكبر وأهم الفنانين التشكيليين على مستوى العالم، في محاولة لتقديم صورة حية للتفاعل بين الفنانين المصرين والأجانب، وأيضا لتكوين كوادر شابة من الفنانين المصرين تكون لديهم القدرة على بناء مشاريع فنية كبيرة.

الحياة البسيطة أبرز ما يميز الحياة بالقرية

واحة استشفاء عالمية

تتميز القرية بوجود عدد من الفنادق المبنية على التراث التقليدي القديم الذي يتميز بالبساطة والميل للطبيعة أكثر من مظاهر التطور الحديثة، على رأسها فندق ظلال النخيل، فندق زاد المسافر، فندق كامب زوارة، فندق كوم الكة، هذا بخلاف منتجع وسبا نزل لازيب الذي يطل على بحيرة قارون، الذي يعكس الطبيعة الرائعة للجمال الريفي.

هذا بخلاف فندق سوبك الشهير المبني منذ 8 سنوات والمكون  من 10 شاليهات وأربع فيلات، وتعتمد فكرة تدشينه على البساطة سواء في البناء أو المحتويات، حيث توضع المياه على سبيل المثال في “القلل”، والمجالس بسيطة تتكون من مجموعة “شلت” على الأرض، وهناك “الطبليات” لتناول وجبات الطعام.

تقول الدكتورة سهام أشرف، الأستاذ بجامعة الفيوم، إنها اعتادت الذهاب للقرية كل شهر  مرة على الأقل، من أجل الاستشفاء والاستجمام، كاشفة في تصريحات لـ "نون بوست" أن القرية أشبه بملاذ هادئ أقرب للطبيعة بعيدًا عن ضجيج الحياة المعاصرة، ومن ثم تشعر وكأن آلة الزمن قد عادت بك لعقود طويلة مضت.

وتضيف الأستاذة الجامعية أن بازارات الخزف في القرية واحدة من أبرز السمات التي أدخلتها عصر العالمية، لافتة أنه لو هناك اهتمام من قبل الأجهزة الرسمية ووزارتي السياحة والأثار كما غيرها من المناطق الأخرى لتصدرت القرية قائمة المصادر الأعلى دخلا من السياحة ليس في مصر وحدها بل في العالم أجمع.

  

فندق سوبك