تمتلئ أرجاء متحف كاي برانلي مترامي الأطراف في باريس بالقطع الأثرية الفريدة، وفيه نحو 70 ألف قطعة أثرية من "أفريقيا جنوب الصحراء"، بما في ذلك تماثيل رائعة من بنين الحالية ولوحات رقيقة زينت جدران الكنيسة في إثيوبيا، لكن تقرير طال انتظاره قد يكون له تأثير كبير على ما يراه الزوار هناك، مع تداعيات للمتاحف الدولية الأخرى.

في 23 نوفمبر/تشرين الثاني، أعلنت فرنسا أنها ستعيد 26 عملاً فنيًا إلى بنين تم الحصول عليها بشكل غير قانوني بعد الغزو الفرنسي لمملكة داهومي (بنين المعاصرة) في القرن التاسع عشر، في حين يحظر القانون الفرنسي حاليًا على الحكومة التنازل عن ممتلكات الدولة، بغض النظر عن كيفية الحصول عليها.  

اُتخذ القرار بعد أن استعرض الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تقريرًا من الاقتصادي السنغالي فيلوين سار ومؤرخة الفن الفرنسي بينيديكت سافوي يفصل كيف يمكن للمستعمرين السابقين إعادة الأعمال الفنية المنهوبة إلى أفريقيا، ويوصي بالعودة الدائمة للمصنوعات الثقافية التي استحوذ عليها الجيش الفرنسي من أفريقيا خلال فترة استعمارها.

وكانت الحكومات من إثيوبيا إلى السنغال تنتظر بفارغ الصبر التقرير الذي كلَّف به ماكرون سافوي وسار، وبعد أيام قليلة من إعلان الرئيس الفرنسي، طالبت السنغال فرنسا بإعادة القطع الأثرية المنهوبة إبان الاستعمار الذي استمر من 1902 إلى 1960، تمهيدًا لعرضها في متحف "الحضارات السوداء" الذي اُفتتح في ديسمبر/كانون أول الماضي بالعاصمة داكار.

الاقتصادي السنغالي فيلوين سار ومؤرخ الفن الفرنسي بينيديكت سافوي​

نهب الآثار من ثقافة الاستعمار

أشيد بالتقرير كعلامة فارقة محتملة في نضال البلدان الأفريقية لاستعادة الأعمال الفنية التي نهبها المستعمرون الغربيون، ويقول آخرون إن قرار فرنسا سيؤدي إلى زيادة الضغوط على الحكومات والمتاحف الأوروبية الأخرى من أجل إعادة القطع الأثرية المنهوبة، والتي يمكن أن تصبح صداعًا دبلوماسيًا في رأس الحكومات الغربية، فضلاً عن تذكير مؤلم بالاستعمار.

من الصعب الاحتفال وإلإشادة بـ"شجاعة وعزم" الرئيس الفرنسي على عودة 26 قطعة، في حين يبقى 90 ألف عمل فني أفريقي في المتاحف الفرنسية

وفي حين رحب المسؤولون في بعض الدول الأفريقية بهذا القرار، أعرب تجار الفن الأوروبيين عن مخاوفهم من أن الإعادة إلى الوطن ستترك بعض المتاحف الفرنسية شبه فارغة، وتساءل المتعاملون أيضًا عن هوية الأشياء التي يجب إرجاعها عندما لم يعد هناك الكثير من الممالك والحضارات التي أخذت منها.

وجاء هذا التحرك من قبل الحكومة الفرنسية في أعقاب قرار من المتحف البريطاني في أكتوبر/تشرين الأول الماضي بإعادة عدد غير معلوم من الأعمال الفنية المسروقة من مملكة بنين القديمة (احدى الممالك الافريقية التي كانت قائمة في ما يعرف اليوم بنيجيريا)، إلى نيجيريا مؤقتًا بعدما دعت بريطانيا الى إعادة الآف الاعمال الفنية المسروقة منها.   

هذان الإعلانان يمثلان خطوة إلى الأمام، وعلى الأقل تواجه دول أفريقيا محادثات حول عودة الفن المسروق، لكن من الصعب الاحتفال وإلإشادة بـ"شجاعة وعزم" الرئيس الفرنسي على عودة 26 قطعة، في حين يبقى 90 ألف عمل فني أفريقي في المتاحف الفرنسية، معظمها يُعرض في متحف كاي برانلي في باريس، والذي أسسه الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك، وهو جامع متعطش للفن الأفريقي، ويضم المتحف أيضًا مجموعة كبيرة من الفن الآسيوي.

نحو 90% من الفن الأفريقي موجود خارج القارة

وفي ذروة إمبراطوريتها الاستعمارية، سيطرت فرنسا على مساحات شاسعة من القارة الأفريقية، وأستولت الفن الذي أنتج هناك للعرض في متاحف العاصمة الفرنسية باريس، وأماكن أخرىوقد ساهمت الأشياء التي وصلت إلى فرنسا في التأثير على أعمال الشخصيات الكبرى في الفن ا، لأوروبي، مثل الفنان الإسباني بابلو بيكاسو، والرسام والنحات الإيطالي أميديو موديغلياني.

ويقدِّر الخبراء أن 90% من الفن الأفريقي يقيم حاليًا في متاحف ومجموعات خاصة خارج القارة، بما في ذلك التماثيل والعروش والمخطوطات، ناهيك عن 69 ألف في المتحف البريطاني، و37 ألف في متحف متحف الإثنولوجيا بالنمسا، و75 ألف في منتدى هومبولدت في ألمانيا و180 ألف في المتحف الملكي لأفريقيا الوسطى في بلجيكا، بالإضافة إلى عدد غير معروف في أيدي هواة جمع القطع الأثرية.   

منطق الاستعمار: القطع الأثرية الثقافية "أفضل حالاً" في المتاحف الغربية

أعرب البعض عن أسفه الزائف للفترة الاستعمارية - كما فعل ماكرون خلال زيارة لبوركينا فاسو العام الماضي - لكنهم يؤكدون أن القطع الأثرية الثقافية "أفضل حالاً" في المتاحف الغربية، حيث يتم الحفاظ عليها "بشكل صحيح" في صالات العرض المكيفة، كما يقولون إن العديد من هذه الأشياء مصنوعة من الخشب، فكيف كانت ستبقى في إفريقيا على حالتها - إذا لم يتم أخذها - مع وجود الحرارة والرطوبة هناك؟

لا ينبغي لنا أبداً أن نتخيل أن الاستيلاء على هذه الأشياء كان حادثًا عرضيًا للمشاريع الاستعمارية، بل كان جزءاً لا يتجزأ منه

هذا هو منطق الاستعمار، وهو مشروع وحشي يخفي خلف قسوته اهتمامًا زائفًا يفشل حتى في مواجهة قوانين السبب والنتيجة، وهنا يجب أن يكون السؤال: كيف كانت القطع الأثرية موجودة حتى لحظة الاستيلاء في المقام الأول، إذا لم يكن الأفارقة يعتني بهم كل تلك السنوات؟

ويوضح تقرير الأكاديميين سار وسافوي إلى أي مدى كانت المواقع المستهدفة والمنهوبة في بعض الأحيان مرتبطة بالمتاحف أكثر من مجرد نهب عسكري، ويؤكد ذلك بعض الدلائل، ومنها نوع وكمية الأشياء المرغوبة، حيث كان الاهتمام عن كثب من قبل المتاحف والمكتبات الأوروبية، في كثير من الأحيان متبوعًا بتحركات القوات الاستعمارية، مع وجود بعض المتاحف التي تنتقي قطع أثرية بعينها فور حصولها على الجيوش.   

على أي حال، كان النهب بعناية متأصلاً في الاندفاع الاستعماري، وكان أسلوب العمل -ولا يزال - قائمًا على تدمير الجزء الأكبر من الموارد من أجل خلق الندرة، ومن ثم السيطرة المباشرة على القليل المتبقي، وغالبًا من أجل الربح، لذلك لا ينبغي لنا أبداً أن نتخيل أن الاستيلاء على هذه الأشياء كان حادثًا عرضيًا للمشاريع الاستعمارية، بل كان جزءاً لا يتجزأ منه.

حماية القطع الأثرية الثقافية من أصحابها الشرعيين

ما الذي يجعلنا نعتقد أن عزل وحفظ القطع الأثرية يتم بشكل لا لبس فيه؟ بالنسبة لبعض هذه الأشياء، فإن تعميمها في المجتمع وتناقصها واستبدالها المحتوم جزء من قيمتها الثقافية، وهناك حجة أخرى مفادها أن "المتاحف الغنية والآمنة في جميع أنحاء العالم "حراس الثقافات" التي لم يتم تطويرها بما يكفي للحفاظ عليها وحماية آثارها"، لكن من الذي عين تلك المتاحف "حراسًا للثقافة"؟ والأهم من ذلك، ممن يحرسونها؟

قال أخصائي التراث الرقمي تاييانا تشاو على تويتر، إن الأمر يشبه القول: "إننا نقدر عبقركم، لكن نحتقر إنسانيتكم، ولهذا يجب أن تكونوا ممتنين"

وبحسب تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، فإن ميل الثقافات البيضاء للتعميم ورفع خصوصياتها الثقافية كإرساء لتراث البشرية الجماعي له عواقب مدمرة بالنسبة لأولئك الذين يجدون أنفسهم خارجها، فذلك يخلق الحالة السخيفة التي يعيشعا الأفارقة اليوم، حيث يجادل الناس بجدية حول ضرورة حماية القطع الأثرية الثقافية من الثقافات ذاتها التي أوجدتها.

لكن الاقتراح بأن على الشعوب الأفريقية أن تثبت أنها تستحق تراثها الثقافي الخاص هو مهين وسخيف، ففي نهاية المطاف، يبقى هذا الاقتراح حجة قوية للقوى الاستعمارية للالتفاف على ثقافة هذه الدول، ما إن يشجعهم على القول إن "الثقافة التي كانت لها يد في التدمير لم يعد لديها المعرفة لحماية القطع الأثرية الثقافية الخاصة بهم".  

وتهدف القوى الاستعمارية على الإطلاق إلى تدمير الثقافات التي قد تتلامس معها، وفي الوقت نفسه احتكار المعرفة بهذه الثقافات. هذا الدافع الزائف للحفاظ على الأشياء الثقافية "للأجيال المستقبلية" التي يُفترض أن المتاحف الغربية قد استفادت منها بشكل كبير من خلال تجريد من الأشياء الثقافية من الأشخاص الذين صنعوها، وكما قال أخصائي التراث الرقمي تاييانا تشاو على تويتر، فإن الأمر يشبه القول: "إننا نقدر عبقركم، لكن نحتقر إنسانيتكم، ولهذا يجب أن تكونوا ممتنين".  

أما بالنسبة لأولئك الذين يجادلون بأن الشعوب الأفريقية لا تملك القدرة أو الاهتمام للحفاظ على القطع الأثرية الثقافية الخاصة بها، فقد ثبت أنهم مخطئون، ففي عام 2012، على سبيل المثال، مع احتدام الصراع المدعوم من تنظيم القاعدة في شمال مالي، استخدم السكان المحليون القوارب العربات والتي تجرها الحمير لتهريب مجموعة لا تقدر بثمن من المخطوطات التي كانت مهددة بالدمار من مدينة تمبكتو.

لم تكن هذه المخطوطات محفوظة في أرشيف كما هو معهود، بل بقيت آمنة من قِبل عائلات فردية لعدة قرون، وهو أمر يتناقض مع أخلاقيات المتاحف الغربية، فقد تم تهريبهم بعناية من المدينة، صندوق واحد في كل مرة ، في عملية استغرقت شهورًا.

لا يهم كم يحب الناس الغربيون هذه القطع الأثرية ويهتمون بها، فالحقيقة أنها ليست ملكًا لهم. بعد كل شيء، خاضت الثقافات الغربية حروبًا للدفاع عن حقوق الملكية، في حين تبدو أقل قلقًا عندما يتعلق الأمر بالأشياء التي تنتمي إلى الأفارقة.