في عالم النساء تختلف وجوه الحقيقة بين ما يجري فعليًا في الداخل وما يتم تعريفه وتنميطه في الخارج، فمن الصعب أنّ نتفق - نحن النساء - صاحبات هذا الكيان، على الملامح التي تحددها القواعد الاجتماعية لهويتنا النسائية، فهي تتجاهل جوانب عديدة من تركيبتنا النفسية والبيولوجية وتنكر بعض من أنشطتها ووظائفها، لا سيما في الجوانب المتعلقة بطبيعتنا الجنسية.

لا شك أنّ الحديث عن صحة المرأة الجنسية وخصائصها يثير شعور عام بعدم الارتياح وكأننا في طريقنا لفتح بوابة ختم عليها بالأحمر لعقودٍ طويلة، رغم أننا قد لا نتطرق إلى الفعل الجنسي نفسه بالضرورة وإنما نتناول كل ما حوله أو يؤثر عليه، إلا أنّ كل ما يمت لجسد المرأة بصلة يثير فينا الذعر بدرجات متفاوتة ويجعلنا نتهامس مرتبكين بكل ما فيه من تفاصيل تتعلق بأعضائنا الأنثوية وتغيراتنا البيولوجية التي تصاحب مرحلة البلوغ والزواج والحمل.

في هذا المقال سنستعرض لماذا خلقت مختلف الثقافات حاجزًا سميكًا بيننا وبين أجسامنا وكيف صورتها كعبء إضافي علينا في محاولة لفهم العوامل التي حرمت أجسامنا من عفويتها، جدير بالإشارة أنّ البعض يرى أن الحديث عن هذا الجانب في الوقت الذي لا تزال فيه ملايين النساء محرومات من أبسط الحقوق في مجالي التعليم والعمل ليس إلا رفاهية، لكن وجهة النظر هذه لا تلغي ضرورة طرح المسألة على الطاولة، خاصةً عندما يكون لها عواقب صحية ونفسية خطيرة.

كيف أصبحنا نخاف من التعرف على جسد المرأة؟


تمتلك كل امرأة فينا تجربة خاصة بها في هذا العالم، ولكنها متشابهة إلى حد ما في المعلومات المنقوصة عن طبيعتنا الجسدية، فمن المألوف جدًا أن نصادف نساءً عزباوات ومتزوجات وأمهات، لا يعرفن شكل عضوهن الأنثوي أو يمتلكن أفكارًا مشوهة عن غشاء البكارة والدورة الشهرية والهزة الجماعية.

عادةً ما يكون سبب هذا الجهل هو المعرفة المغلوطة التي تتداولها رفيقات الدراسة فيما بينهن أو تنقلها الأم لبناتها بشكل مقتضب خوفًا من خدش المظاهر السطحية للحياء وكسر القوالب النمطية، حيث يأخذ الحديث طابعًا حادًا وتحذيريًا أكثر مما هو تثقيفي وتوعوي.

تحذر العائلة الفتاة من الخوض في تفاصيلها الأنثوية الجنسية وتنبهها مرارًا وتكرارًا من النظر إلى جسدها أو لمسه وكأنه جزء غريب عن تكوينها وعليها رفضه ونبذه إلى أن تكتشفه لأول مرة في ليلة الزفاف

على سبيل المثال، قد تحذر العائلة الفتاة من الخوض في تفاصيلها الأنثوية الجنسية وتنبهها مرارًا وتكرارًا من النظر إلى جسدها أو لمسه وكأنه جزء غريب عن تكوينها وعليها رفضها ونبذه إلى أن تكتشفه لأول مرة في ليلة الزفاف، وفي كثير من الأحيان، تكون هذه الرسالة خالية من الحقائق العلمية، فهل من الممكن أن تخبر الأم أو المعلمة الفتاة عن المتعة الجنسية وحقها في الممارسة بشكل يرضي احتياجاتها وعواطفها؟

قد تعد الإجابة عن هذا السؤال شبه معروفة، فالشريحة الغالبة من المجتمعات لا تعترف أساسًا باحتياجاتنا الجنسية وتبقينا سجينات خلف قضبان الأعراف الاجتماعية والثقافية التي تلزمنا بتجاهل هذا الجزء من حياتنا وتكويننا، على أساس أننا انعكاس لشرف العائلة، لذلك فإن أي تجاوب مع هذه الطبيعة قد يثير الشكوك حولنا.

ولكن إذا أردنا أن نعود إلى جذور المشكلة والتعرف على العوامل التي حولت هذه المسألة إلى وشوشة مربكة، فسنجد أن التغيرات الاقتصادية واكتشاف الزراعة ساعد الرجل على الهيمنة وتقمص دور القائد والولي وصاحب القرارات، وبالمقابل تراجعت قوة المرأة وانحصر دورها في الرعاية والتربية.

تزامنت هذه التحولات مع ظاهرة استئصال حشفة البظر من العضو الجنسي الأنثوي، حين دعا الطبيب النسائي إسحاق بيكر براون (1811-1873)، واختصاصي الغدد الصماء تشارلز براون - سيكارد (1817-1894) إلى استئصال هذا الجزء لاعتقادهم أنه يسببوا الكآبة والشلل والعمى وحتى الموت، ما قلل فرصتنا بشكل أكبر في تكوين صورة واضحة عن واقعنا البيولوجي وما يتبعه من اكتشافات عاطفية.

بقيت أجزاء من أعضائنا غائبة تمامًا عن كتب التشريح والتجارب الطبية وبالتالي افتقر العالم للمصادر العلمية التي تمكننا من التعرف على جسدنا دون تحيزات ومحرمات

يضاف إلى ذلك، التمييز والإهمال الطبي الذي تعرضنا له، فلسنواتٍ طويلة، بقيت أجزاء من أعضائنا غائبة تمامًا عن كتب التشريح والتجارب الطبية وبالتالي افتقر العالم للمصادر العلمية التي تمكننا من التعرف على جسدنا دون تحيزات ومحرمات.

من اللافت للنظر أننا لا نزال نعاني إلى الآن من التحيز الجندري والتجاهل في المجال الطبي، خاصةً في الأوقات التي يبالغ فيها البعض عند وصفنا بـ"الكائنات الهرمونية" التي تصبح مجنونة ومتناقضة ومفرطة الحساسية، وهي النظرة التي تبنتها الثقافات منذ عام 1931 حين ربط الطبيب روبرت فرانك مرحلة الحيض بالاكتئاب والتوتر والبؤس، فعلى الرغم من تأثر كلا الجنسين، الذكور والإناث، بالتقلبات الهرمونية فإن الأمر يتضح بشكل أكبر لدى المرأة بسبب الدورة الشهرية، ولكن هذا لا يعني أن تتعرض المرأة إلى هذا الحد من التمييز.

كيف تتعامل العائلات العربية وأماكن العمل مع طبيعتنا البيولوجية؟

في مقال سابق بعنوان "لماذا يحتاج العالم الإسلامي إلى مزيد من التثقيف الجنسي؟"، أشارت الكاتبة إلى أن أكثر من 50% من النساء الأردنيات تعرضن للصدمة عند استقبال الحيض لأول مرة، وأضافت أن 3% فقط من النساء العزباوات والناشطات جنسيًا في المغرب يستخدمن وسائل منع الحمل، وإذا أردنا قياس ذلك على باقي الدول العربية، فسنلاحظ - سواء من خلال تجربتنا الخاصة أم تجارب الأخريات من حولنا - أن أعراض البلوغ وأساسيات الثقافة الجنسية لا يتم طرحها أو مناقشتها في غالبية العائلات العربية.

تستقبل المرأة التغيرات البيولوجية دون معرفة مسبقة، وحتى بعد حدوثها تتجنب النساء الحديث عن تجربتها خوفًا من ردة فعل العائلة التي ربما قد تزيد الضغوط الاجتماعية والنفسية عليها بسبب انتقالها إلى مرحلة البلوغ

على سبيل المثال، من الشائع جدًا أن تستقبل المرأة التغيرات البيولوجية دون معرفة مسبقة، وحتى بعد حدوثها تتجنب النساء الحديث عن تجربتها خوفًا من ردة فعل العائلة التي ربما قد تزيد الضغوط الاجتماعية والنفسية عليها بسبب انتقالها إلى مرحلة البلوغ والنضج، ونظرًا لذلك تبقى ثقافتها بشأن جسدها محدودة للغاية ومحاطة بكم هائل من الإحراج والخوف.

يتضح ذلك بشكل ملحوظ من خلال مجموعة من الأساليب التي تعتمدها المرأة ومن حولها عند التعامل مع كل ما يخص جسدها، حيث نجد أن غالبية الأسر تحرج من وضع المستلزمات الصحية داخل الحمام لكي لا يعرف ذكور المنزل أو زواره بالأمر، وفي حالات أخرى يتم إخفاؤها بأكياس سوداء اللون حتى لا يراها أحد سواء في السوبرماركت أم المنزل أم مكان العمل.

وعند ذكر مكان العمل، فإننا نفتح بابًا جديدًا من المعاناة فيما يتعلق بالدورة الشهرية، فعادةً ما يتم منح النساء والرجال 8 أيام إجازة مرضية في السنة، على الرغم من أن المرأة تحتاج كل شهر إلى يوم أو يومين راحة على الأقل، أي مجمل ما تحتاجه هو 12 يومًا، بسبب حجم الآلام الجسدية والنفسية التي تعاني منها في أول أيام الحيض.

عادةً ما يتم منح النساء والرجال 8 أيام إجازة مرضية في السنة، على الرغم من أن المرأة تحتاج كل شهر إلى يوم أو يومين راحة على الأقل، بسبب حجم الآلام الجسدية والنفسية التي تعاني منها في أول أيام الحيض

لكن جهل أو تغاضي الإدارة وأرباب العمل بالفروقات البيولوجية بيننا وبين الرجال واختلاف ظروفهم الجسمانية عنا تجعل هذه المسألة في قائمة المستحيلات، لكن مؤخرًا أعلنت بعض الدول مثل إيطاليا واليابان والصين تشريعهم قانون يمنح المرأة إجازة رسمية مدفوعة لمدة 3 أيام شهريًا بسبب الآلام التي تعاني منها، إذ ثبت علميًا أن حدة الأوجاع تكون متساوية مع آلام الذبحة الصدرية، وذلك وفقًا لجون غوليبود بروفيسور في الصحة الإنجابية بكلية لندن الجامعية.

الأسوأ من ذلك، أن البعض قد يستغل هذه الحقيقة العلمية ويعتبرها انتقاصًا من إمكانات المرأة المهنية وقدرتها على المنافسة في سوق العمل، ولذلك ظهرت العديد من الحملات التوعوية والحقوقية التي تطالب مجتمعاتها بدحض جميع الصورة النمطية عن الوظائف البيولوجية منعًا للانتهاكات المتكررة بحقها.

ثبت علميًا أن حدة الأوجاع تكون متساوية مع آلام الذبحة الصدرية، وذلك وفقًا لجون غوليبود بروفيسور في الصحة الإنجابية بكلية لندن الجامعية

وذلك بالجانب إلى المنصات الإعلامية التي يُعتقد أنها لم تذكر كلمة "الدورة الشهرية" على شاشة التلفاز قبل عام 1985، أما فيما يخص المنصات الرقمية الحاليّة، فقد شاركت الشاعرة روبي كور، هندية الأصل صورة بملابس كاملة وبقعة دم على بنطالها بهدف إزالة الغموض والجهل الذي يحيط بطبيعة المرأة، لكن موقع إنستغرام حذف المنشور مرتين على اعتبار أنه انتهاك لقواعد التطبيق، ما يدلل على سياسة التعتيم التي تلاحق ظروفنا البيولوجية في العالم الحقيقي والافتراضي.

إحدى صور الفوتوغرافية فاطمة الزهراء

في هذا الجانب، اجتهدت بعض النساء العربيات في تخطي الحظر الذي فرضته الأعراف الاجتماعية، مثل المصورة المغربية فاطمة الزهراء التي ثارت على مجتمعها وقررت تسليط الضوء على التمييز الجنسي الذي تعيشه المرأة، فقد أرادت أن تتطرق إلى موضوع الفوط الصحية والعادة الشهرية تحديدًا لأنهما لا تزالان تعتبران من التابوهات و"العيب" في المجتمع، وهي تغييرات طبيعية ويجب على الناس تقبلها، بحسب قولها.

المثير للقلق أن هذا التعتيم لم يدفعنا إلى الشعور بالعار والخجل من أجسادنا وطبيعتها التلقائية فقط، بل منعنا أيضًا من التمتع بخيارات صحية واسعة، إذ تشير الأبحاث الطبية أن الفوط الصحية والسدادات القطنية المستخدمة حاليًا من ملايين النساء تسبب الحساسية والالتهابات للمهابل، وذلك عدا عن أسعارها المرتفعة مقارنة مع بعض السلع الأساسية الأخرى.

إلى ذلك، تأمل الحركات والأصوات النسوية أن يدرك العالم أن الدورة الشهرية ليست مرضًا أو رجسًا، وأن التكوين الأنثوي الجنسي ليس إهانة أو انتقاصًا للقوة، وإنما انعكاسات لطبيعة بيولوجية وعاطفية مختلفة عن التكوين الذكوري واهتماماته واحتياجاته.