كثيرًا ما تحذّر منظمة الصحة العالمية من أننا بحاجة إلى معالجة ارتفاع معدلات السمنة في جميع أنحاء العالم كمسألة ملحة، لا سيّما وأنّها وبتصريحٍ من المنظّمة تحتلّ المرتبة الخامسة من عوامل الخطر التي تؤدي إلى الوفاة. ولا يتوقّف خطرها عن البالغين والكِبار فحسب، بل يمتدّ إلى الأطفال جنبًا إلى جنب مع الكثير مع مجموعة من الأعراض والأضرار الصحية والاجتماعية والنفسية التي تصيبهم جرّاءها.

ولا نحتاج الكثير من الجهد لننتبه إلى أن تسويق الأغذية غير الصحية عبر الوسائل والمنصّات المختلفة يؤثر على تفضيلات الأطفال الغذائية ويؤدي إلى إصابتهم بالسُمنة. ووفقًا لإحدى الدراسات المنشورة في دورية طب وصحة الأطفال اليوم، فإنّ الطفل يتعرّض لمشاهدة أكثر من 800 إعلان للأطعمة السريعة كل عام، على افتراض جلوسه أمام شاشة التلفاز لمدة 80 دقيقة يوميًا.

يمكن أن تؤدي إعلانات الوجبات السريعة إلى زيادة الخيارات الغذائية غير الصحية التي يقوم بها الأطفال  بين 2 إلى 18 سنة من العمر في غضون 30 دقيقة بعد التعرض للإعلانات، وذلك بحسب ما ورد في بحث نُشر في عدد يوليو 2016 من مجلة "السمنة". ولا يقتصر الأمر على الإعلانات التلفزيونية فقط، بل يمكن أن يشمل التسويق أيضًا وضع الهدايا والألعاب في الوجبات غير الصحية لتشجيع الأطفال على طلبها وشرائها.

يتعرّض الطفل لمشاهدة أكثر من 800 إعلان للأطعمة السريعة كل عام، على افتراض جلوسه أمام شاشة التلفاز لمدة 80 دقيقة يوميًا.

باختصار، تؤكّد الأبحاث والدراسات، تمامًا كما يؤكّد خبراء التربية وعلم النفس، بأنّ الطفل يتذكّر الإعلانات والدعايات التي يشاهدها أمامه ويتعرّض لها بشتّى الوسائل المختلفة في لحظات اختياره لوجباته. إذ تعمل تلك الإعلانات بطرقٍ لا واعية على التأثير على تفضيلات الطفل ورغباته التي تؤثّر بدورها على قرارات الشراء لدى والديْه وعائلته، فكيف يتمّ ذلك؟

كيف تؤثّر الإعلانات على الأطفال؟

بشكلٍ عام، تُعتبر الإعلانات والدعايات الموجّهة للأطفال بمثابة إشكالية أخلاقية، انطلاقًا من نقطة أنّهم عاجزون عن التمييز بين فحوى الإعلان أو محتواه، وكثيرًا ما يكون الأطفال الأكبر سنًّا أو مَن هم على بدايات مرحلة المراهقة عرضةً لتأثيراتها العاطفية واللاواعية، حتى لو فهموا النية وراء تلك الإعلانات.

ووفقًا لبعض الأبحاث والدراسات، فإنّ الأطفال في سنّ ما قبل المدرسة لا يستطيعون التفريق بين الإعلان وأيّ محتوىً آخر يشاهدونه على التلفزيون. أمّا في سنوات المدرسة الأولى، وتحديدًا ما قبل بلوغهم لسنّ المراهقة، فيبدأون باكتساب القدرة على القراءة الإعلانية التي تمكّنهم من التمييز ما بين الدعاية والمحتويات الأخرى، فيصبح الطفل على وعيٍ بأنّ الإعلان هو محاولة لبيع شيءٍ ما والربح من خلاله.

يعجز الأطفال عن التحكّم بأنفسهم ورغباتهم ضدّ الطعام السريع وغير الصحّي في الدعايات والإعلانات لعدم اكتمال تطوّر منطقة الدماغ المسؤولة عن ذلك.

تكمن المشكلة في أنّ الأطفال في تلك المرحلة العمرية يعجزون عن مقاومة التأثير العاطفيّ لرسائل التسويق. فعند البالغين يحدث الأمر كالآتي: تتعرّض أدمغتنا لأيّ إعلانٍ أو صورة وسرعان ما تصبح المناطق المرتبطة بالمكافأة والتحفيز فيها نشطة، لتنشّط معها استجاباتنا المشروطة والتلقائية للطعام، كأن يسيل لُعابنا أو تزداد رغبتنا في تناوله أو يزداد شعورنا اللاوعي بالجوع. والأهمّ من هذا كلّه، فإنّ مستوى التحفيز يكون أكبر للأطعمة ذات السعرات الحرارية العالية.

ولمقاومة الرغبة الشديدة التي تسببها استجابة الدماغ لهذه الإعلانات والصور، يجب على الأفراد امتلاك القدرة الكافية للتحكّم بالنفس وضبطها من خلال العمليات المعرفية والإدراكية التي تقوم بها منطقة دماغية تُسمّى "قشرة ما قبل الجبهي Prefrontal cortex" والتي يكتمل نموّها ونضجها عند بلوغ سنّ الرشد. وبتعبيرٍ آخر، يعجز الأطفال عن التحكّم بأنفسهم ورغباتهم ضدّ الطعام السريع وغير الصحّي في الدعايات والإعلانات لعدم اكتمال تطوّر منطقة الدماغ المسؤولة عن ذلك.

زيادة التعرض لدعايات الوجبات الجاهزة ترتبط بشكلٍ مباشر  بزيادة استهلاكها

أمّا في مرحلة المراهقة، يمكن أن يكون المراهقون مندفعين إلى حدٍّ كبير في حياتهم اليومية، ما يعني أنّ إعلانات الطعام السريع وغير الصحّي تستطيع بكلّ سهولة جذب انتباههم وتشجيعهم على الشراء والطلب، فهي تستغلّ رغبتهم بقضاء مزيدٍ من الوقت بعيدًا عن أسرهم، أو انحيازهم لأصدقائهم والسلوكيات غير المحسوبة أو امتلاكهم للقليل من المال، وغيرها.

تعمل الإعلانات بطرقٍ لا واعية على التأثير على تفضيلات الطفل ورغباته التي تؤثّر بدورها على قرارات الشراء لدى والديْه وعائلته

وقد أثبتت الأبحاث مرارًا وتكرارًا أن التعرّض لإعلانات الطعام غير الصحي يؤثّر بشكلٍ كبير على التفضيلات والأنظمة الغذائية للأطفال، لا سيّما للأطعمة الغنية بالدهون والسكّر أكثر من غيرها. فيما وجدت العديد من الدراسات الحديثة أنّ زيادة التعرض لدعايات الوجبات الجاهزة ترتبط بشكلٍ مباشر  بزيادة استهلاكها، ما يؤدي إلى زيادة مؤشر كتلة الجسم وارتفاع احتمالية الإصابة بالسمنة.

جهودٌ حثيثة للمنع وحماية الأطفال

تحذّر منظمة الصحة العالمية بشكلٍ مستمرٍّ ومتكرّر من خطر استمرار تعريض الأطفال لدعايات الوجبات السريعة والطعام غير الصحّي، ما جعل الكثير من الدول بإصدار قرارات رسميّة تحظر تلك الإعلانات، وهو ما يطبّق فعليًّا في كلٍّ من بريطانيا والنرويج وأيرلند وتايوان وشيلي والمكسيك، وحديثًا تركيا.

ووفقًا للائحة القرارات الجديدة التي أصدرتها تركيا وتهدف إلى خلق المزيد من عادات الأكل الصحّية، فلن يتمكّن منتجي الوجبات السريعة من تقديم أيّ نوعٍ من الهدايا الدعائية داخل وجباتهم، كما منعت الحكومة بثّ الإعلانات التجارية على التلفاز للمنتجات غير الصحية خلال أوقات البرامج التي تستهدف الأطفال. أمّا في البرامج التلفزيونية الأخرى التي لا تستهدف الأطفال على وجه التحديد، فسيتم تقديم تلك الإعلانات مصحوبةً بتحذيرات كتابية أو شفهية مناسبة تحتوي على تعبيرات تشجع على تغذية صحّية ومتوازنة.

أمّا على مستوى العائلة نفسها، فيمكنكَ أنْ تساعد طفلك في الحدّ من كمّية الطعام غير الصحي الذي يتناوله عن طريق تقليل وقت تعرّضه للشاشات والذي يقضيه أمام التلفاز، أو من خلال تشجيع تناول الطعام الصحّي بشكلٍ جماعيّ في المنزل، إضافةً إلى ضرورة تحدّثك معه عن سياسة تلك الإعلانات التسويقية وأخطار الطعام غير الصحي.