قبل نهاية العام الماضي بأيامٍ معدودة حين أراد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان التعريف بمرشح حزب "العدالة والتنمية" لرئاسة بلدية إسطنبول الكبرى عرض فيلمًا مدته 4 دقائق يظهر فيه بن علي يلدريم وهو يتحدث عن شغفه تجاه عمله في قطاع المواصلات والاتصالات معبرًا في الوقت نفسه عن استعداده الكامل في التخلي عن أي منصب وسلطة إيمانًا بمصلحة الوطن ومبدأ الديمقراطية.

يُظهِر الفيديو الذي كاد أن يُبكي يلدريم أثناء مشاهدته جوانب مختلفة من شخصيته التي تجمع بين مبادئ الوطنية والإنسانية إلى جانب روح المرح والاجتهاد، فقد بينت الأزمات وحالات الطوارئ التي شهدتها تركيا قدرته على مواجهة الاضطرابات بجميع أشكالها ولذلك وصفه أردوغان بالشخص الأكثر تميزًا وخبرةً وصاحب القدرات التنفيذية الذي تستحقه إسطنبول وتنتظره ليكسب في الانتخابات المحلية التي ستجري بتركيا في 31 مارس 2019.

البدايات المتواضعة: سائق حافلات عامة وسيارات أجرة


ولد يلدريم في قرية "قابي" لمنطقة رفاهية بولاية أرزينجان شرق تركيا في 20 ديسمبر 1955 لعائلة كردية الأصل، انتقل بن علي إلى إسطنبول في طفولته، واستقر مع أسرته في نفس الحي الذي ولد فيه أردوغان وهو حي "قاسم باشا" الذي ورثوا منه تواضعهم الملحوظ وخطاباتهم المميزة التي جذبت شريحة واسعة من الشعب التركي إلى صفهم.

حينما كان عمر يلدريم 16 عامًا، فقد والدته البالغ عمرها في ذلك الوقت 38 عامًا وكونه أكبر إخوته العشر اعتاد على تحمل المسؤولية منذ سن مبكرة، ما انعكس لاحقًا على أدائه ونشاطه في الحياة المهنية والسياسية. أنهى يلدريم المرحلة الإعدادية في مدرسة "بيري ريس" وأتم المرحلة الثانوية في ثانوية "قاسم باشا"، بعد ذلك انضم إلى الخدمة العسكرية بين عامي 1980 و1981 وتخرج من كلية العلوم البحرية وبناء السفن بجامعة إسطنبول التقنية وأكمل مسيرته التعليمية في مجال السلامة البحرية وحماية البيئة في مدينة مالمو بالسويد.

مقابلة مع يلدريم على قناة "تي آر تي" يتحدث فيها عن سنوات طفولته وشبابه

اللافت للاهتمام أن يلدريم الذي تولى منصب وزارة النقل والمواصلات في تركيا لمدة 3 دورات برلمانية في عام 2002، كان يعمل سائقًا متنقلًا بين المدن التركية بينما كان والده تاجرًا للماشية وذلك منذ عام 1978 وحتى عام 1984، ولذلك عندما حل بن علي ضيفًا في إحدى البرامج التركية ظهر وهو يسوق حافلة قديمة، فقد اختار أن يروي قصة حياته ويسترجع ذكرياته أمام الشعب التركي خلف المقود.

انتقل بن علي إلى إسطنبول في طفولته، واستقر مع أسرته في نفس الحي الذي ولد فيه أردوغان وهو حي "قاسم باشا" الذي ورثوا منه تواضعهم الملحوظ وخطاباتهم المميزة التي جذبت شريحة واسعة من الشعب التركي إلى صفهم

خلال المقابلة، يقول بن علي "في أثناء عملي مع والدي في المزرعة، كنت أتأمل السحب وأنظر إلى الطائرات متسائلًا عمن فيها وإلى أين هم ذاهبون" متمنيًا أن يركب إحداها في المستقبل، ففي ذاك الوقت لم يكن السفر بالطائرة أمرًا شائعًا في تركيا لقلة المطارات وصغر مساحتها، ولكن في عهد ولايته ارتفع عدد المطارات في تركيا من 26 إلى 55 مطارًا.

أولى خطوات صديق أردوغان الوفي في عالم السياسة


بعد 6 سنوات من العمل المتواصل في قيادة الحافلات والسيارات، قرر بن علي العمل في تخصصه الجامعي، فتولى مناصب مختلفة بمجال صناعة السفن وإنشائها، وحين لفتت إنجازاته أنظار أردوغان إليه، عينه الرئيس التركي عندما كان رئيسًا لبلدية إسطنبول مديرًا عامًا لشركة السفن السريعة التابعة لولاية إسطنبول بين عامي 1994 و2000 وحولها إلى واحدة من كبرى شركات النقل البحري في العالم من حيث عدد السفن والركاب.

مع العلم أن صداقة يلدريم بأردوغان لم تبدأ خلال هذه الفترة، فلقد تعرفا على بعضهما في آواخر السبعينيات عندما كانا عضوين في حزب "السلامة"، وازدادت قربًا في عام 2001 عندما دعا أردوغان بن علي لتأسيس حزب العدالة والتنمية، وحين أصبح يلدريم نائبًا عن الحزب في الانتخابات البرلمانية تضاعفت الثقة بين الطرفين ثم عُين يلدريم وزيرًا للمواصلات والاتصالات والنقل البحري في عام 2002.

تعرف بن علي على الرئيس التركي  في آواخر السبعينيات عندما كانا عضوين في حزب "السلامة"، وازدادت علاقتهما قربًا في عام 2001 عندما دعا أردوغان بن علي لتأسيس حزب العدالة والتنمية

وهكذا بدأ نجمه يسطع بشكل ملحوظ في مختلف الدوائر السياسية، فقد كان نائب برلمانيًا عن مدينة إسطنبول بين عامي 2002 و2007، وعن مسقط رأسه أرزينجان بين عامي 2007 و2011 وعن مدينة إزمير لدورتين متتاليتين، علمًا أنه تخلى عن منصبه في وزارة الاتصالات في عام 2013 لأن اللائحة الداخلية لحزب العدالة والتنمية لا تسمح بترشح أعضاءها للمرة الثالثة على التوالي بالبرلمان.

لم تكن مسيرة بن علي السياسة مزينة مكللةً دائمًا بالنجاح، ففي عام 2014 خسر انتخابات ولاية مدينة إزمير المعروفة بعلمانيتها ومناصرتها لحزب الشعب الجمهوري العلماني ولذلك كانت النتيجة أمام خصمه عزيز قوجه أوغلو محسومة نوعًا ما. وفي نفس العام عينه أردوغان مستشار خاصًا له لفترة قصيرة إلى أن شغل يلدريم منصب الرئيس الثالث لحزب العدالة والتنمية لمدة عام واحد وعاد لتولي حقيبة وزارة المواصلات مجددًا.

تولى يلدريم منصب رئاسة الوزراء في تركيا لمدة عامين ليصبح بذلك آخر رئيس وزراء للبلاد مع بدء تطبيق نظام الحكم الرئاسي بدلًا من البرلماني

في عام 2016، تولى يلدريم منصب رئاسة الوزراء في تركيا لمدة عامين ليصبح بذلك آخر رئيس وزراء للبلاد مع بدء تطبيق نظام الحكم الرئاسي بدلًا من البرلماني، ومنذ ذاك الحين بدأت التكهنات والتوقعات السياسية باستشراف مستقبله السياسي ما بين الاستقالة والتقاعد أو رئاسة بلدية إسطنبول.

إنجازات نوعية ومشاريع عملاقة في عهد مهندس الطرق

خلال مراسم افتتاح نفق "أوراسيا"

لعقودٍ طويلة، عانت تركيا وتحديدًا إسطنبول -على اعتبار أنها المركز الاقتصادي- مطولًا من تهالك منشآت البنية التحتية في عهد الأحزاب السابقة لكن حزب العدالة والتنمية ضاعف من جهود البلديات ومشاريعها إلى أن تغيرت ملامح المدن التركية تمامًا مقارنة مع السنوات الماضية، ومع تولي يلدريم منصب وزارة المواصلات لأكثر من 11 عامًا واجتهاده في تنفيذ عدة مشاريع عملاقة ازدهرت البلاد بشكل ملحوظ.

فلقد أشرف على بناء 6 مشاريع عملاقة من أصل 10 مشاريع، ومن أهمها مطار إسطنبول الدولي (ثالث مطار في المدينة والأكبر حجمًا في العالم)، وخط مترو الأنفاق "مرمراي" العابر تحت المياه والذي يصل بين القسم الأوروبي والآسيوي في مدينة إسطنبول، كما دشن نفق "أوراسيا" للسيارات المار تحت مضيق البوسفور والذي يعتبر سادس أطول نفق في العالم.

أشرف على بناء 6 مشاريع عملاقة من أصل 10 مشاريع، ومن أهمها مطار إسطنبول الدولي (ثالث مطار في المدينة والأكبر حجمًا في العالم)، وخط مترو الأنفاق "مرمراي" العابر تحت المياه

إضافة إلى ذلك، شهدت تركيا في عهده على افتتاح جسر "عثمان غازي" الواصل بين إسطنبول وإزمير الذي يختصر المسافة من 9 ساعات إلى 3 تقريبًا، كما أنه يعتبر رابع أطول جسر معلق في العالم، وذلك بالجانب إلى جسر إسطنبول المعلق الثالث الذي يتألف من 8 مسارات للسيارات ومسارين للسكك الحديدة ولذلك يعد أعرض جسر في العالم.

مطار إسطنبول الدولي

زاد بن علي عدد المطارات التركية من 26 إلى 55 وأنشأ القطار السريع الذي يصل بين مدينة قونيا وإسطنبول مختصرًا بذلك وقت الرحلة من 13 ساعة إلى 4 ساعات. ولطالما كان يلدريم يصف نفسه بإنه قليل الكلام وكثير الفعل كاسم عائلته التي تعني البرق مشيرًا بذلك إلى إنجازاته على أرض الواقع التي يعد بها وينفذها حسب الخطة المرسومة.

هذه الإنجازات تعتبر ورقة مهمة في فوز أو خسارة الأحزاب في السباق الانتخابي، ولذلك تحرص الفصائل على إبراز مجهوداتها ولا سيما في إسطنبول التي اكتسبت أهمية لا مثيل لها بعد أن كان أردوغان عمدتها السابق 

ولا شك أن سكان هذه المدينة هم أكثر من يقدرون قيمة هذه المشاريع التي سهلت عليهم تحركاتهم وحياتهم اليومية بشكل كبير، أما بالنسبة للسياسيين فهذه التحولات والإنجازات تعتبر ورقة مهمة في فوز أو خسارة أحزابهم في السباق الانتخابي، ولذلك تحرص الفصائل على إبراز مجهوداتها ولا سيما في إسطنبول التي اكتسبت أهمية لا مثيل لها بعد أن أصبح أردوغان عمدتها السابق رئيسًا للجمهورية.

نظرًا لذلك يستشرف بعض المراقبين، مثل فاتح ألطايلي، كاتب في صحيفة خبر ترك، مستقبل يلدريم السياسي في تركيا في حال فوزه في الانتخابات القادمة، ، ويرى أن مستقبل بن علي قد يشبه حكاية الرئيس الفرنسي السابق، جاك شيراك الذي شغل منصب رئيس الوزراء الفرنسي، ثم أصبح بعدها عمدة باريس، وبعد ذلك عاد لرئاسة الوزراء وفي أعقابها أصبح رئيس الجمهورية الفرنسية، لكن إلى الآن يبقى مستقبل رفيق درب أردوغان السياسي مرتبطًا بأصوات الشعب التركي في شهر مارس المقبل.