وجهت وزارة الدفاع الجزائرية للمرة الثالثة تحذيرات لعسكريين متقاعدين من الخوض في شؤون الانتخابات الرئاسية المقبلة، ومحاولة إدخال مؤسسة الجيش في ترتيبات الاستحقاق المقبل الذي قد يترشح له الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة، وأكدت أنها ستبقى وفية لما يحدده  الدستور للمؤسسة العسكرية بالنأي عن الخوض في الشأن السياسي، غير أن هذا الخطاب لا يبدو مقنعا لبعض السياسيين وبعض الجنرالات المتقاعدين في مقدمتهم اللواء علي غديري الذي يكون المقصود الأول برسائل قائد أركان الجيش الفريق أحمد قايد صالح.

ويبدو أن المواقف التي حملتها مقالات الجنرال علي غديري التي نشرها في صحف محلية قد أزعجت قايد صالح الذي رد على ذلك في ثلاث مرات، بدأت ببيان نشر على موقع وزارة الدفاع، ثم افتتاحية في مجلة الجيش لسان حال المؤسسة العسكرية، والثالثة كانت خلال لقاء توجيهي ترأسه أحمد ڤايد صالح خلال زيارة إلـى النـاحيـة العسكـريـة الثـانية بـوهـران  غرب الجزائر.

تنبيه

ونبه قايد صالح الذي يشغل أيضا منصب نائب وزير الدفاع الوطني في لقاء وهران من لجوء بعض الأشخاص وبعض الأطراف( في إشارة إلى غديري)، إلى إصدار أحكام مسبقة بشأن الانتخابات الرئاسية المسبقة.

وقبل أشهر معدودة من موعد الانتخابات الرئاسية المقررة في نيسان إبريل المقبل يبقى المشهد السياسي في الجزائر غامضا بسبب عدم تحديد الرئيس بوتفليقة نادر الظهور موقفه من الترشح لولاية خامسة تنتقدها المعارضة، وكذا بعض الأجنحة في السلطة التي ترى أنه حان للرئيس الذي يحكم البلاد منذ 1999 أن يزهد عن المكوث في كرسي الرئاسة لولاية جديدة بسبب وضعه الصحي الذي يعانيه منذ إصابته بنوبة أقفارية في نيسان 2013.

وقال قايد صالح "إنني أحرص بهذه المناسبة على التذكير، بل، التنبيه مرة أخرى إلى مسألة هامة، تتمثل في تعود بعض الأشخاص وبعض الأطراف، ممن تحركهم الطموحات المفرطة والنوايا السيئة، مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي الرئاسي، على أن يحاولوا إصدار أحكام مسبقة ليست لها أيـة مصداقية إزاء مواقف المؤسسة العسكرية من الانتخابات الرئاسية، ويمنحون أنفسهم حتى الحق في التحدث باِسمها، باستغلال كافة السبـل، لاسيما وسائل الإعلام."

وجه قايد صالح انتقادات كبيرة لغديري ومن قد يقف وراءه

وبدا واضحا أن الرسالة موجهة بالأساس إلى اللواء علي غديري حتى وإن لم يذكره قائد الجيش بالاسم.

ووجه قايد صالح انتقادات كبيرة لغديري ومن قد يقف وراءه بالقول إن "هذا النوع من الأشخاص أعمتهم المصالح الشخصية الضيقة والطموحات المفرطة البعيدة كل البعد عن إمكانياتهم الحقيقية على أكثر من صعيد، هؤلاء الرهط من البشر أصبحوا اليوم يتبنون دون حياء هذا النهج في القول والعمل، مبتعدين بذلك عن الأعراف والأخلاقيات الحميدة التي فطر عليها الإنسان الجزائري السوي واعتنقها الشعب الجزائري وجعل منها أحد مميزاته التي يعرف بها وتميزه عن الآخرين."

ودعا غديري الذي كان يشغل سابقا منصب الأمين العام لوزارة الدفاع في مقال له الجيش ضمنيا للتدخل لحماية الدستور بعد أن تحدث كثيرون من السياسيين وفي مقدمتهم رئيس تجمع أمل الجزائر عمار غول عن إمكانية تأجيل الرئاسيات وتمديد فترة الرئيس بوتفليقة لسنتين أو أكثر.

لكن رد قايد صالح جاء واضحا بالقول إن الجيش "سيستمر في البناء على أساسها نهجه المهني والعملي، ويعمل في ظل توجيهات فخامة السيد رئيس الجمهورية، القائد الأعلى للقوات المسلحة، وزير الدفاع الوطني، على أن يجعل من سلوكيات أفراده العسكريين بكافة رتبهم ومسؤولياتهم مضربا للأمثال، وأن يكونوا قدوة في المسلك الطيب الذي يتوافق مع القيم التي يعتنقها الجيش الوطني الشعبي، ويستند إليه في انتهاج مسعاه الذي منه حاز على طابعه الشرعي والجمهوري في ظلّ احترام النظام الدستوري، وهو بذلك يبقى دوما في غنى تامٍ عن أي دروس يُقدمها له أشخاص لا وجود لهم إلا من خلال الدوائر التي تتحكم فيهم."

وتختلف القراءات حول تذكير قايد صالح في رسائله دوما بأنه ينفذ توجيهات بوتفليقة بين من يراها على أنها دعم علني من رئيس الأركان لرئيس البلاد للترشح لولاية خامسة، وبين من يراها تدخل في خانة احترام  ترتيب المناصب العسكرية والإدارية باعتبار أن بوتفليقة يفوقه رتبة في سلم المسؤوليات.

ومنذ استقلال الجزائر في 5 يوليو 1962 ترأس البلاد 3 عسكريين هم هواري بومدين والشاذلي بومدين واليمين زروال، لذلك بقت مؤسسة الجيش تحظى بمكانة هامة في صنع القرار فهي توصف بأنها صانعة الرؤساء.

يقلل قايد صالح من شأن الجنرال غديري بإظهاره أنه يفتقد للإمكانات ليكون مثلا مرشحا للرئاسيات المقبلة، كونه وضع نفسه تحت تصرف أطراف خفية لا يذكرها رئيس الأركان في خطابه.

ومنذ مجيء الرئيس بوتفليقة إلى الحكم في 1999 حرص على أن يشغل أيضا منصبي وزير الدفاع والقائد الأعلى للقوات المسلحة الجزائرية.

انحراف

لم تتوقف انتقادات قايد صالح لغديري ومن يسانده عند الانتقادات السابقة، بل أضاف قائلا إن "هؤلاء الأشخاص خانهم حس التقدير والرصانة، ويدّعون حمل رسالة ودور ليسوا أهلا لهما، ويخوضون دون حرج ولا ضمير، في أكاذيب وخرافات تنبع من نرجسية مرضية تدفعهم لحد الادعاء بالمعرفة الجيدة للقيادة العليا للجيش الوطني الشعبي، وبقدرتهم على استقراء موقفها تجاه الانتخابات الرئاسية، وهو ما يشكل انحرافا جسيما ينّم عن درجة متقدمة وخطيرة من قلة الوعي الذي لا يُحدثه إلا الطموح الأعمى".

وحسب قايد صالح، فإن بعض العسكريين السابقين قد تنازلوا عن المبادئ التي تربوا عليها داخل الجيش بالمشي وراء طموح أناني أعمى بصيرتهم.

ويرى قايد صالح أن "هذا الطموح تولد عن ذهنيات ونفوس تغلبت عليها الأنانية وأعمى بصيرتها داء الجحود، لمؤسسة عريقة وجدوا لديها كل الرعاية والعناية، فتربوا في حضنها وكبروا في صفوفها، واستفادوا من فرص التعليم والتكوين داخل الوطن وخارجه، وبقوا طيلة حياتهم المهنية يمارسون وظائف عادية، لا تؤهلهم إلى التفكير والطموح إلى ما هو أكثر بل أعظم، فعلى الرغم من ذلك فقد سمح مثل هؤلاء الأشخاص لأنفسهم بأن ينصبوا أنفسهم ناطقين باسم المؤسسة العسكرية".

ويقلل قايد صالح من شأن الجنرال غديري بإظهاره أنه يفتقد للإمكانات ليكون مثلا مرشحا للرئاسيات المقبلة، كونه وضع نفسه تحت تصرف أطراف خفية لا يذكرها رئيس الأركان في خطابه.

ووفق قايد صالح، فإن غديري ومن يقفون في صفه قد "وضعوا أنفسهم أدوات طيعة في أيدي بعض الأطراف التي لا تقيم للمصلحة العليا للجيش الوطني الشعبي أي وزن، وهي تعلم أن من يسيء إلى الجيش بأي طريقة كانت، إنما هو يسيء في حقيقة الأمر للجزائر ولشعبها."

يبدو أن معركة غديري لن تتوقف على هذا الحد بعدما تواترت أخبار عن انضمامه لحركة "مواطنة" المعارضة التي تدعو الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لعدم الترشح لولاية خامسة بسبب وضعه الصحي"الحرج"

ويرد قايد صالح على كل من يشك في أن يميل الجيش إلى طرف في الاستحقاق المقبل بالقول إن "جيشا بهذا المستوى وهذا الالتزام سيعرف دوما الطريق السليم المتماشي مع مهامه الدستورية العظيمة الموكلة إليه، ويعرف دوما كيف يتلمس مسالك العمل الرصين والعقلاني الذي به يستكمل مشوار شق طريقه نحو تحقيق المزيد من الإنجازات خدمة للجزائر ولمستقبلها، وليعلم الجميع أن الجيش الوطني الشعبي وهو يواصل مساره العملي لا ولن يلقي بالا لهؤلاء الذين ضلوا طريق التمييز الصحيح بين ما هو شخصي وما هو وطني."

وتوعد رئيس الجيش بتطبيق القوانين لمعاقبة العسكريين المتعاقدين العاصين.

 وقال "إننا نؤكد على أن الضوابط القانونية تبقى دوما هي الراصد والمتصدي لأي تصرف أو تجاوز وتبقى هي الحامي لمصلحة الجيش الوطني الشعبي ومصلحة الجزائر، وهو ما يحتم بأن تبقى هذه الضوابط القانونية سارية المفعول تحتفظ من خلالها مؤسستنا بحقها كاملا في اتخاذ، الإجراءات القانونية الملائمة ضد هؤلاء".

مترشح

لكن يبدو أن معركة غديري لن تتوقف على هذا الحد بعدما تواترت أخبار عن انضمامه لحركة "مواطنة" المعارضة التي تدعو الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لعدم الترشح لولاية خامسة بسبب وضعه الصحي"الحرج"، وتجنيب البلاد "أزمات" قد تحدث في حال تشبثه بكرسي الرئاسة.

وتقول الأخبار ذاتها أن غديري شارك في اجتماع لحركة مواطنة التي من بين أعضائها رئيس الحكومة الأسبق احمد بن بيتور وسفيان جلالي رئيس حزب جيل جديد.

يدافع غديري في إحدى مقالاته عن الانتقادات التي تطوله وبعض العسكريين المتقاعدين مثل الجنرال حسين بن حديد وغيرهم ممن ينتقدون فترة حكم بوتفليقة بعد انتهاء مهامهم بالقول إن "ذنب هؤلاء الجنرالات الوحيد هو رفضهم الانضمام إلى أوركسترا التطبيل والتصفيق في رقصة إرضاء غرور الحكام"

وأخبر غديري أعضاء حركة مواطنة أنه يفكر حقا في الترشح للرئاسيات المقبلة.

ويبدو أن هذا الطموح هو الذي جعل كلمة الفريق أحمد قايد صالح تتضمن عبارات تشير إلى أن غديري لا يملك الإمكانات التي تجعله مرشحا رئاسيا، وإنما هو مجرد بيدق لجهات خفية تحركه.

وفي الأشهر الماضية لفتت أراء علي غديري أنظار الإعلام والسياسيين، فهو يقول إن " هذه الجمهورية تحتاج إلى إعادة تأسيس شامل وصياغة مؤسساتية ناتجة عن مشروع مجتمع يكون الشعب قد شارك في تعريف فلسفته وتجسيدها.. إنها مسألة إعادة صياغة الدولة القومية لترشيد دورها وجعل سير المؤسسات فيها ديمقراطيا حقا".

ويدافع غديري في إحدى مقالاته عن الانتقادات التي تطوله وبعض العسكريين المتقاعدين مثل الجنرال حسين بن حديد وغيرهم ممن ينتقدون فترة حكم بوتفليقة بعد انتهاء مهامهم بالقول إن "ذنب هؤلاء الجنرالات الوحيد هو رفضهم الانضمام إلى أوركسترا التطبيل والتصفيق في رقصة إرضاء غرور الحكام، ذنبهم هو أنهم لا يحسنون ضبط آلاتهم في كل مرة على النوتات التي يريد سماعها أصحاب القصر، والجنرالات المتقاعدين لم يعودوا مواطنين كاملي الحقوق، أنا ممنوع من إبداء رأيي منذ سنّ قانون واجب التحفظ، لكني لست جبانًا، ولم أتخلّف دومًا عن أداء واجباتي".

وفي 2016 أقر الرئيس بوتفليقة قانون واجب التحفظ الذي يمنع العسكريين السابقين من الخوض في شؤون السياسة والتكتم على الحقائق التي يعرفونها لما كانوا قياديين سامين في الجيش خلال فترة الخدمة.

وتقلد غديري منصب الأمين العام لوزارة الدفاع الذي كان آخر رتبة شغلها بعد 5 سنوات من ترقيته إلى لواء في 2010 من قبل الرئيس بوتفليقة، قبل أن يحيله على التقاعد في 27 سبتمبر أيلول سبتمبر 2015 بعد أيام فقط من إحالة رئيس المخابرات الجزائرية السابق محمد مدين المعروف بـ"الجنرال توفيق" الذي أنهيت مهامه في 13 سبتمبر أيلول من السنة ذاتها، وقبلها كان قد نال رتبة عقيد عام 2000 بعد عام من وصول الرئيس بوتفليقة للحكم، ما يجعل الرجل من العارفين بخبايا صنع القرار في البلاد.

ومع تصاعد هذا السجال بين وزارة الدفاع والجنرال علي غديري يبقى التساؤل حول مصير هذا الأخير يتمثل في هل سيكون بالإحالة على العدالة مثل ما حدث مع زميله حسين بن حديد أم سيكون مرشحا رئاسيا لا يخوض سباق الانتخابات مثل الجنرال محند الطاهر يعلى قائد القوات البحرية السابق الذي فشل في 2014 في جمع توقيعات خوض معترك الرئاسيات، ام أن مصير غديري سيكون مختلفا عن هاذين اللوائين؟،

والأكيد أن الأيام القليلة القادمة كفيلة بالإجابة على ذلك مع بدء العد التنازلي لرفع ستار رئاسيات 2019 وما تخفيه من خبايا.