بات لزامًا على الأطر الكردية في سوريا، بعد القرار الأمريكي بالانسحاب من سوريا، بلورة موقف سياسي مشترك، سواء جرى الانسحاب بشكل بطيء أم كان سريعًا وفوريًا حسب ما جاء في القرار الأول، فالولايات المتحدة الأمريكية باتت واضحة في استعدادها للتخلي عن الكرد في سبيل تحقيق مصالحها، وإن كانت حتى اليوم غير واضحة - كعادتها - في القرار التي سترسى عليه في نهاية المطاف.

القرار الأمريكي، سواء طبق أم لم يطبق، شكل جرس إنذار حاد الصوت للأطر والتيارات السياسية الكردية في سوريا، على مختلف توجهاتها وتحالفاتها واختلافاتها، وأضحت هذه الأطر والتيارات أمام أمر واقع لا مفر منه، فإن أرادت أن تحفظ ما كسبته خلال السنوات الثمانية الماضية عليها العمل على صعيدين، وبشكل متوازي، الأول هو الخلافات فيما بنيها وعلى رأس هذه التيارات المجلس الوطني الكردي الذي يشكل القطب المعارض في ظل سلطة وحزب الاتحاد الديمقراطي الذي يمثل القطب الحاكم، والثاني هو الانطلاق إلى خارج حدود منطقة سيطرة الكرد، بناء على موقف مشترك حيال المستقبل المرجو للمنطقة الكردية في سوريا.

نستطيع اعتبار السنوات الثمانية الماضية، فترة اختبار للأطر والتيارات السياسية الكردية في سوريا، فرغم الكم الهائل من الأخطاء المرتكبة، سواء على الصعيد الداخلي في تأزم العلاقة بينها أم على الصعيد الخارجي في العلاقة مع الكتل السورية المعارضة، فقد ظهرت الحركة السياسية الكردية التي كان يراهن على تنظيمها قبل وإبان الثورة السورية، بأنها أكثر الحركات السياسية السورية المعارضة تنظيمًا، لكنها ظهرت مفككة، وغير قادرة على لملمة أحزابها ضمن إطار سياسي جامع ورافع للقضية الكردية، فالمجلس الوطني الكردي الذي عوّل عليه بداية تشكيله، ومع مرور سنوات الثورة تفكك وترهل جسده، سواء بسبب القمع الذي لاقاه من سلطة حزب الاتحاد الديمقراطي التي رفضت أشكال الشراكة التي اقترحت لتوحيد الحركة الكردية في سوريا، وقمع الحياة الساسية في المنطقة الكردية، أم بسبب الأخطاء والخلافات الداخلية التي أساسها قصر نظر سياسي لقادة بعض مكونات المجلس.

في ظل هذا الخطر المحدق، تعالت الأصوات من جديد، داعية الأطر السياسية الكردية في سوريا للوصول لموقف مشترك، يكون قاعدة انطلاق لها لدق أبواب الدول ذات الشأن في القضية السورية، لدرء الخطر

أما حزب الاتحاد الديمقراطي الذي عاد بشكل قوي، بعد سنين من القمع والملاحقة من النظام السوري الذي طبق تعهداته في اتفاقية أضنة مع تركيا على أكمل وجه، لم يستخدم القوة التي امتلكها في سبيل توحيد الموقف الكردي بل تفرد بالسلطة خاصة إذا أخذنا في الحسبان تنسيقه الواضح مع النظام السوري في الكثير من المحطات التي مر بها ليكون اليوم حاكمًا مطلقًا في المنطقة، أيضًا لم يستطع التخلص من ارتباطه الأيديولوجي مع حزب العمال الكردستاني.

اليوم، تقف هذه التيارات بسلبياتها وإيجابياتها أمام لحظة الحقيقة، فالمنطقة مهددة في حال لم يتم التوصل لخريطة طريق سياسية، بعملية عسكرية ترفع تركيا الجارة التي تشكل حدودها مع سوريا كل الحد الشمالي للمنطقة الكردية في سوريا، هذه العملية إن تمت ستأتي على كل ما كسبته الأطر السياسية الكردية في سوريا، فأي عملية عسكرية ستفجر المنطقة وستخلق فوضى عارمة لا تحمد عواقبها، فما كانت ديار الحرب يومًا عامرة.

في ظل هذا الخطر المحدق، تعالت الأصوات من جديد، داعية الأطر السياسية الكردية في سوريا للوصول لموقف مشترك، يكون قاعدة انطلاق لها لدق أبواب الدول ذات الشأن في القضية السورية، لدرء الخطر.

ولعل أبرز هذه المبادرات كانت مبادرة لجنة المؤتمر الوطني الكردستاني التي التقت قبل بداية الشهر الحاليّ مع الأطراف الكردية، ودعتها لعقد لقاءات يكون من شأنها إطلاق عملية سياسية داخلية لتوحيد الموقف الكردي السوري، وطالبت اللجنة الإدارة الذاتية التي يعتبر حزب الاتحاد الديمقراطي أبرز قواها السياسية، لمبادرة حسن نية، بأن تسمح للأحزاب الكردية غير المرخصة لديها لمزاولة نشاطها في مقارها المغلقة بقرار من الإدارة، وكانت هذه الدعوة مقبولة وبالفعل صدر القرار من الإدارة بالسماح للأحزاب المعارضة لفتح مكاتبها، لكن جزئية التنفيذ أظهرت رفض بعض التيارات ضمن الإدارة الذاتية لهذا القرار.

لم يحمل البيان الصادر عن وفد المجلس الوطني الكردي أي رسائل واضحة تظهر إبداء مرونة تجاه الحوار مع الاتحاد الديمقراطي

بالأمس أيضًا اجتمعت قيادة المجلس الوطني الكردي المتمثلة بالهيئة الرئاسية ولجنة العلاقات الخارجية مع الزعيم الكردي رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني في العراق مسعود بارزاني، وجل التكهنات ذهبت إلى أن الاجتماع الذي دعا إليه بارزاني كان لذات السبب، بدفع المجلس الوطني الكردي نحو إبداء موقف مرن من الحوار مع الاتحاد الديمقراطي.

لم يحمل البيان الصادر عن وفد المجلس الوطني الكردي أي رسائل واضحة تظهر إبداء مرونة تجاه الحوار مع الاتحاد الديمقراطي، لكن تصريح القيادية في المجلس الوطني الكردي فصلة يوسف على إحدى القنوات الإعلامية بأن المجلس مستعد للحوار مع الاتحاد الديمقراطي، أكد التكهنات التي وضعت حيال لقاء المجلس مع بارزاني.

قصارى القول، تشهد المنطقة حركة دبلوماسية بوتيرة عالية، سواء على مستوى الدول أم الكيانات أم الأطر السياسية، وكلٌ يحاول جهده لكسب المعركة السياسية الأخيرة، ما قبل الانسحاب الأمريكي من سوريا، المعركة التي ستحدد نتائجها ملامح المرحلة المقبلة في سوريا عمومًا والمنطقة الكردية في سوريا خصوصًا، وعليه فالأطر السياسية الكردية اليوم أمام خيارات ضيقة جدًا، وأي خيار يقع عليه الاختيار سيحدد مصير الأطر هذه والقضية التي يحملون، لذا فالأمر يحتاج منها وضع آلية واضحة للوصول إلى موقف مشترك في المرحلة الراهنة، تستطيع البناء عليه.